طالبان تجنح للسلم: لا مكان للمقاتلين الأجانب بين صفوفنا

الحركة الأفغانية تعلن التزامها باتفاق السلام مع الإدارة الأميركية الجديدة.
الاثنين 2021/03/01
نعلن الحرب عندما نريد وننهيها عندما نستطيع

تكشف المؤشرات الصادرة عن قادة طالبان حرص الحركة الأفغانية على مواكبة المتغيرات التي يشهدها اتفاق السلام مع واشنطن، في ظل إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن. وجاء الالتزام الأخير للحركة بعدم استخدام الأراضي الأفغانية من قبل أيّ جماعة مسلحة تهدد أمن الولايات المتحدة أو حلفائها، ليثبت أنها لا تتبنى قناعات الجهاد العالمي، وترهن التخلي عن تنظيم القاعدة بخروج القوات الأجنبية من البلاد.

عكس طلب حركة طالبان الأفغانية من مقاتليها تجنب إيواء مقاتلين أجانب وعدم السماح لهم بالانضمام إلى صفوف الحركة، حرصا بالغا على مواكبة المتغيرات التي يشهدها اتفاق السلام مع واشنطن، في ظل إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن.

وبعد مسارعة قوى إقليمية، في مقدمتها إيران، باستغلال الملف الأفغاني بغرض توظيف اتفاق السلام بين الجانبين، لتحقيق أهداف خارج السياق الأفغاني عبر التلويح بورقة التنظيمات العابرة للحدود، حرصت على تأكيد هويتها كحركة تحرر وطني ضد الاحتلال الأميركي وعدم ارتهانها لإرادة قوى خارجية.

وأعلنت طالبان التزامها بتنفيذ كافة بنود اتفاق الدوحة، مؤكدة أن أي محاولة للبحث عن بديل للاتفاق سيؤدي إلى فشل جهود السلام.

وجاء ذلك في بيان صدر عنها الأحد، بمناسبة مرور عام على توقيع الاتفاق بينها وبين واشنطن في العاصمة القطرية الدوحة، حسبما نقلت قناة “طلوع نيوز” الأفغانية.

وقالت الحركة في البيان “إن أي محاولة للبحث عن بديل للاتفاق ستؤدي إلى فشل جهود تحقيق السلام في أفغانستان”.

وذكرت الحركة أنه تم توجيه جميع المجاهدين والقادة بتجنب أي تحرك تعسفي في ضم مواطنين أجانب في صفوفهم وإيوائهم، ما يُعطي انطباعا بأنها ملتزمة من الناحية السياسية والميدانية بعدم النكوص عن الوفاء بالتزاماتها التي تعهدت بها.

التزامات مضاعفة

المحافظة على السلام أصعب من صنعه
المحافظة على السلام أصعب من صنعه

تتوخى طالبان التي تواجه تحديات داخلية عديدة، من نوعية ازدياد نفوذ تنظيم داعش وارتفاع أعداد المنشقين عنها، الحذر من أي تعقيدات جديدة محتملة في مسار محادثات السلام مع كابول التي بدأت مطلع العام الحالي، بعد مطالبة البعض بإعادة النظر في اتفاق الدوحة ووعد الرئيس جو بايدن بإعادة النظر فيه، وفق المستجدات ومقتضيات المصالح الأميركية.

ووضع ذلك على كاهل الحركة الأفغانية التزامات مضاعفة لتقليل مستوى الاختراقات التي تعترض طريق التسوية السياسية، والحيلولة دون الوصول إلى المحطة الأخيرة في طريق السلام، على ضوء انشغال إدارة بايدن بأولويات السياسة الداخلية وغياب الاستعجال الذي فرضه ترامب على عملية سحب القوات، والإعلان عن بقاء قوات التحالف في أفغانستان، ما طرح تساؤلات حول ما إذا كان بايدن سيلتزم بقرار الانسحاب أم لا.

لم تبدِ طالبان طيلة عشرين عاما من عمر الصراع الأفغاني التزاما بطرد المقاتلين الأجانب، خلال الفترة التي مكثت فيها القوات الأجنبية بأفغانستان.

وجاء التزام الحركة الأخير بعدم استخدام الأراضي الأفغانية من قبل أي جماعة مسلحة تهدد أمن الولايات المتحدة أو حلفائها، ليثبت أنها لا تتبنى قناعات الجهاد العالمي، وترهن التخلي عن تنظيم القاعدة بخروج القوات الأجنبية من البلاد.

تشير مجريات الأحداث إلى أن طالبان تحتفظ بورقة تنظيم القاعدة الذي يتواجد ما يقارب الخمسمئة عنصر من أفراده، وبعض قادته بأفغانستان، بهدف المساومة خلال تفاوضها مع واشنطن أو مع كابول لتحقيق هدفها الرئيسي، وهو إجبار قوات التحالف والقوات الأميركية على مغادرة البلاد.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، قال المسؤول في الأمم المتحدة، إدموند فيتون براون “نعتقد أن القيادة العليا للقاعدة لا تزال تحت حماية طالبان”.

ووفق تقرير صادر عن فريق مراقبة تابع للأمم المتحدة، فإن هناك بين 200 و500 شخص من مقاتلي القاعدة ينتشرون في 11 ولاية أفغانية.

التنظيمات العابرة للحدود

إسلام المنسي: طالبان لن تتوانى عن استغلال التفاهمات مع واشنطن

أرجع الخبير في الشؤون الآسيوية إسلام المنسي، تعهد طالبان بطرد المقاتلين الأجانب والالتزام ببند عدم إيواء عناصر القاعدة، إلى طبيعة التفاهمات التي توصلت لها مع واشنطن، خاصة في ما يتعلق بتعهد الولايات المتحدة بالخروج من أفغانستان، والإعلان عن خارطة طريق لانسحاب جميع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو بحلول مايو المقبل.

وأوضح المنسي في تصريح خاص لـ”العرب”، أن طالبان حركة محلية منذ نشأتها، ظلت حريصة على هذا النهج وعدم التورط في سياقات خارجية بالنظر للصراعات المعقدة بفضاء وسط آسيا.

وشدد على أن الحركة التي تعللت في السابق بتقاليد البشتون التي تحرص على إيواء الغرباء، لن تتوانى في الحفاظ على طبيعتها المحلية من خلال استغلال التفاهمات مع واشنطن، حيث وجدت فيها فرصة للتخلص من التنظيمات العابرة للحدود التي تهدد مستقبل الحركة في السلطة.

بات المقاتلون الأجانب مصدر خطر لا يتوقف منذ تصرفات تنظيم القاعدة التي تسببت في تدمير حكم طالبان على يد الأميركان عام 2001، وصولا إلى خطر داعش الآن، والذي يؤسس له موطئ قدم في أفغانستان ينافس به طالبان، ويزايد عليها بهدف أخذ موقع القاعدة في زعامة الجهاد العالمي.

لم تتحمس طالبان للدخول في مفاوضات مع وجود قوات أجنبية داخل أفغانستان، عندما كانت الحركة تتمتع بتماسك تنظيمي وولاء للقيادة الرمزية المتمثلة في قائدها الروحي الملا محمد عمر.

قبلت الحركة الأفغانية الدخول في مفاوضات مع وجود قوات أجنبية بعد أن طرأت تغيرات، أهمها وجود أجنحة متنازعة بالحركة وانقسام داخلها بشأن القيادة بعد موت المُلا عمر، علاوة على بروز خطر تنظيم داعش كمنافس قوي للحركة، ما جعلها تتحلى بمرونة أكبر حيال الدخول في المفاوضات والتخلي عن تصلبها السابق.

نهج أكثر براغماتية

الحركة الأفغانية تحاول توخي الحذر من أي تعقيدات جديدة محتملة في مسار محادثات السلام مع كابول وتجاوز التحديات الصعبة التي تواجهها، بعد ارتفاع أعداد المنشقين عنها
الحركة الأفغانية تحاول توخي الحذر من أي تعقيدات جديدة محتملة في مسار محادثات السلام مع كابول وتجاوز التحديات الصعبة التي تواجهها، بعد ارتفاع أعداد المنشقين عنها

انتهجت طالبان بمرور الوقت نهجا أكثر براغماتية وهي ترى أنها فضلا عن حرصها على هويتها المحلية تضررت من ممارسات القاعدة، حتى لا تدفع ضريبة ممارسات لم تجنِ من ورائها فائدة، ما يرجح عدم ترددها في الوفاء بتعهداتها بشأن التخلص من المقاتلين الأجانب المنتمين إلى القاعدة.

وجد قادة طالبان أن تكثيف الهجمات ضد المدنيين واستهداف القوات الحكومية، يخلق ثغرات ويمنح داعش والأجنحة المنشقة عن الحركة فرصة الحضور في المشهد لتقويض الاتفاق أوإفشاله، لأن مسؤولي الحكومة الأفغانية ومسؤولين في حلف الناتو وظفوا تلك الممارسات للدفع باتجاه تعطيل الاتفاق والمطالبة بتأجيل سحب القوات الأجنبية.

وساق هؤلاء مبرر فشل طالبان في تلبية الشروط المنصوص عليها في اتفاق السلام، بسبب تصاعد العنف والفشل في قطع العلاقات والروابط مع الجماعات المتشددة وفي مقدمتها تنظيم القاعدة.

مع عدم تسجيل تقدم ملحوظ في المفاوضات مع كابول وارتفاع منسوب عمليات العنف، التي من المرجح أن يكون المسؤول عن بعضها عناصر متشددة منشقة عن طالبان وعناصر تنتمي إلى تنظيم داعش لإحراج طالبان، يرى قادة الحركة أن الوقت ليس في صالحهم وعليهم طرق الحديد وهو ساخن، وعدم تفويت فرصة الاتفاق الموقع لتحقيق الإنجاز السياسي الأهم للحركة وتجاوز الخسائر التي تكبدتها، وتمهيد الطريق لما تخطط له من بدء مرحلة جديدة من الممارسة السياسية وطي صفحة الصراعات المسلحة.

أتت مطالبة طالبان منتسبيها بعدم إيواء مقاتلين أجانب بمثابة الرد من الحركة على الكثير من الإشارات الأميركية بأنه يمكن التوصل إلى صيغة تعايش مع طالبان، خاصة مع بروز مواءمات تشي برغبة مشتركة على مستويين، أحدهما تفويت الفرص على قوى إقليمية من أن تستغل الملف الأفغاني لتحقيق مكاسب، والآخر تحجيم حضور ونفوذ التنظيمات العابرة للحدود التي تنتهج خط الجهاد العالمي داخل أفغانستان.

لم تقتصر الإشارات الأميركية في هذا الصدد على التلميحات السياسية، وشملت المنابر الثقافية والفنية، حيث روج مسلسل “هوملاند” الأميركي ضمن موسمه الأخير لفكرة وجود تيار قوي في طالبان يجنح للسلم ويحرص على طي صفحة الصراعات المسلحة.

تنطوي التلميحات الإيجابية المتبادلة، والضغوط التي باشرتها إدارة جو بايدن عبر التلويح بإعادة النظر في الاتفاق، وضغوط طالبان عبر تكثيف هجماتها والمناورة بورقة التقارب من طهران، على أن الطرفين ماضيان باتجاه الدفع نحو إتمام السلام عبر الحصول على أفضل شروط لكليهما.

13