طالبان تسعى لإقامة إمارة إسلامية في أفغانستان بمباركة أميركية

إعادة إنتاج التطرف وبعث الروح في أوصال فصائل جهادية تعاني من الهزائم.
الخميس 2020/09/17
خطى حثيثة نحو الدولة الإسلامية

اشترطت حركة طالبان في مفاوضاتها الحالية مع كابول في العاصمة القطرية الدوحة، إقامة حكم إسلامي في البلاد، وشدد كبير مفاوضي الحركة وأحد مؤسسيها الملا عبدالغني برادار، على أن البلاد يجب أن تكون مستقلة بنظام إسلامي.

بدت الحركة المتشددة خلال المفاوضات المباشرة مع حكومة كابول برعاية أميركية متناسقة مع أهدافها وتاريخها، حيث أكد المتحدث باسم الحركة السابق ذبيح الله مجاهد مع بداية المفاوضات، السبت، أن الهدف الرئيسي لطالبان انسحاب القوات الأجنبية، وإقامة نظام إسلامي.

يتمثل النموذج الذي تسعى الحركة إلى تطبيقه بعد عودتها لحكم أفغانستان في إقامة مبدأ الشورى الإسلامي، الذي يتخذ على أساسه الخبراء الإسلاميون القرارات بمشاركة ممثلي الشعب والعلماء.

تعكس تصورات طالبان لنظام حكمها المرتقب إصرارها على البناء الهيكلي والمنهجي المعتاد لنُظم الحكم الإسلامية التقليدية التي طبقتها الحركة في السابق، وأخذت بها حركات دينية في كل من إيران والسودان، مستخدمة مصطلح الشورى الإسلامية لتسويغ نظام استبدادي يهيمن عليه مجموعة من رجال الدين تحت مسمى “الخبراء والعلماء المسلمين”.

يوظف قادة طالبان مصطلح الشورى لإيهام الدول الغربية والطرف الأميركي بتوجه الحركة للديمقراطية، لكن بمنظور إسلامي يتناسب مع الحالة الأفغانية، بينما يقصي اعتماد هذا النهج جميع فئات الشعب، ويقصر الشورى وإبداء الرأي في قرارات الدولة المصيرية على قادة الحركة بوصفهم “أهل الحل والعقد وعلماء الشريعة”.

نموذج خادع

تتحايل طالبان لإقناع الأطراف الخارجية بنموذجها عبر الخدع اللفظية، في حين ترسخ عمليا من نموذج حكمها التقليدي من خلال رفض الدستور الحالي القائم على إتاحة التعددية والرؤى الديمقراطية والحريات المدنية، مقابل طرح دستورها الذي وصفه القيادي بالحركة شير محمد عباس ستانيكزاي، بأنه الوحيد الشرعي، ويعتمد على مبادئ الإسلام والمصالح الوطنية والمجد التاريخي والعدالة الاجتماعية.

تهدف الحركة من وراء سعيها لتغيير الدستور وتشويهه ووصفه بأنه مخالف للشريعة، إلى إلغاء البنود التي تنص على اعتماد مبادئ الديمقراطية وتداول السلطة والتعددية السياسية، ما يخدم هدفها الرئيسي لمرحلة ما بعد مفاوضات الدوحة، وهو الانفراد بحكم أفغانستان دون شراكة من التيارات الفكرية والسياسية الأخرى، عبر الترويج لمزاعم أن هذه المفاهيم دخيلة على المجتمع الأفغاني المحافظ ومستوردة من الغرب.

يطال التغيير الذي يعد به قادة الحركة الخارج الغربي والداخل الأفغاني في سبيل فرض هيمنتها على السلطة، بعض الأمور الثانوية كالسماح بتعليم المرأة والتخفيف من أسلوب فرض تعاليم الشريعة وتنفيذ القانون الإسلامي وتنزيل العقاب البدني بالمخالفين، لكنه لن يمس جوهر مبادئ وأسس الحكم الأصولي الرافض للحكم المدني الديمقراطي والتعددية الحزبية، ولن يمس المفاهيم والمنطلقات الفكرية التي حكمت بها الحركة في الماضي.

المحك الذي تقف على أعتابه الحركة هو التبديل الشكلي والصوري في بعض الأمور الثانوية، مثل الكف عن التطبيق القاسي للعقوبات الجسدية، كالرجم والجلد والتركيز على اضطهاد حالقي اللحى ومقصريها ومن لا ترتدين الحجاب بشكله الصارم وفق مفاهيم الحركة والتعامل العنيف مع وسائل الإعلام والتواصل الحديثة.

طالبان مددت سيطرتها عبر ملء الفراغ الذي تتركه القوات الدولية والأميركية المنسحبة والقيام بأدوار الدولة الاجتماعية والاقتصادية التي عجزت الحكومة عن القيام بها
طالبان مددت سيطرتها عبر ملء الفراغ الذي تتركه القوات الدولية والأميركية المنسحبة والقيام بأدوار الدولة الاجتماعية والاقتصادية التي عجزت الحكومة عن القيام بها

تعتقد الحركة أن الترويج لنفسها بهذه النماذج من منطلق التميز عن فرع داعش في أفغانستان الذي يعاني المواطنون الواقعون تحت سيطرته من وحشيته وقسوته وصرامته في تنفيذ العقوبات وفرض الشريعة ومظاهر التدين.

طبقت طالبان خلال نموذج حكمها الأول أبشع صور الكبت والتنكيل وقمع الحريات وحبست المرأة الأفغانية في المنزل وسلبتها حقوقها في العمل والتعليم وعانى الشعب خلال هذه الفترة من الملاحقة والتنكيل.

وتجد في ممارسات داعش المشابهة فرصة لطرح نموذج مختلف أخف وطأة وأقل قسوة، عبر السماح بتعليم النساء وعدم التركيز على المظاهر والشكليات والاهتمام بمعاناة المواطنين الاجتماعية وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، لتمرير غاية الحركة الرئيسية من الدخول في مفاوضات مع الحكومة وقبلها إبرام اتفاق سلام مع واشنطن، وهي تثبيت حكمها في السلطة من خلال إلغاء النظام الديمقراطي المدني، وإنهاء تداول السلطة.

يبدو أن التدليس والمراوغة المتعمدة من قبل قادة طالبان قد تنجح بالنظر لما حققته الحركة من نفوذ، من خلال العمل العسكري والمواجهات الساخنة في ميادين القتال ضد قوات الحكومة وحلفائها الدوليين، وعبر التغلغل واكتساب شعبية في الأوساط الفقيرة والمطحونة، مستغلة فشل إدارة الحكومة الأفغانية والفساد الضارب في أوصالها.

مددت طالبان طوال السنوات الماضية سيطرتها عبر ملء الفراغ الذي تتركه القوات الدولية والأميركية المنسحبة والقيام بأدوار الدولة الاجتماعية والاقتصادية التي عجزت الحكومة عن القيام بها، أو تهاونت، ما مكنها من اكتساب موطئ قدم في غالبية المدن والقرى الأفغانية.

إعادة دورة التطرف

طالبان تطمح لإقامة مبدأ الشورى، الذي يتخذ على أساسه الخبراء الإسلاميون القرارات بمشاركة ممثلي الشعب والعلماء

مهدت الحركة لعودتها إلى السلطة بالقيام بأدوار الدولة من تقديم خدمات صحية وتعليمية وتوفير الأمن النسبي وحماية الممتلكات، ما مكنها من استعادة نفوذها على مساحات واسعة في الريف، ولا يُعد هذا تطورًا حقيقيًا أو مؤشرًا لامتلاك قدرات تؤهل كيانا تقليديا لإدارة شؤون دولة.

وتكرر هذا النوع من الفشل مع نماذج حكم جميع الحركات الإسلامية التي ركزت على المطامع السياسية والطرق الموصلة للهيمنة الأبدية على الحكم دون القيام بمراجعات فكرية ومنهجية شاملة.

ويعد تقديم الخدمات للمزايدة على الحكومة وكسب التأييد الشعبي، أسلوبا اتبعته حركات متشددة مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر والسودان وتونس والجزائر، من خلال تقديم خدمات وممارسة نشاط اجتماعي خيري من موقع المعارضة بغرض الإيهام بأنها قادرة على الحلول محل الدولة بمجرد سد عجز الأخيرة وغيابها في بعض المناطق المهمشة والفقيرة.

وثبت فشل هذا الأسلوب مع عدم مقدرة تلك الحركات بمرور الوقت، وبعد صعودها لسدة السلطة، على التطور إلى منظومة حكم متكاملة، لديها القدرة على تسيير شؤون الدولة الداخلية والخارجية.

لم يحل كسب ود الأهالي وتقديم الخدمات التي تفشل الدولة في توصيلها في بعض المناطق بكفاءة بسبب الفساد والبيروقراطية، دون صعود نماذج دينية إقصائية جامدة في ظل المزايدات الدينية داخل الحركة والانقسام الفكري بين أعضائها وقادتها، وبالنظر إلى لجوء الحركة إلى سلوكها القديم المعتاد للتغطية على فشلها الإداري والسياسي والاقتصادي المتوقع، حينما تجد نفسها حيال ملفات إدارية معقدة.

تعاني طالبان من انقسامات منهجية داخلها، أدت لانضمام عدد كبير من أعضائها لتنظيم داعش “ولاية خراسان”، ما يعني أن عدم طرح مراجعات فكرية سابقة للتحول السياسي ومواكبة لمرحلة تقديم الحركة نفسها كسلطة مستقبلية، يشكك في قدرة الحركة على الوفاء بتعهداتها الخاصة بالملفات الثانوية المتعلقة بالحريات وحقوق المرأة.

حصيلة سنوات من التطرف
حصيلة سنوات من التطرف

تتميز الحركة بوعائها الفكري المتمثل في فكر تنظيم القاعدة بطابع متلون السلوك، حسب المصلحة الآنية، وحديثها عن تغيير سلوكها بشأن ملف الحريات وحقوق المرأة وأسلوب تطبيق الشريعة، ليس سوى مطية مرحلية لتقديم نفسها كحركة سياسية شرعية وتثبيت قدمها في السلطة دون تقديم ضمانات مبنية على مراجعات حقيقية تمنع عودتها لفرض قواعدها الخاصة على الحياة المدنية وتكرار نفس ممارساتها وسلوكياتها التي طبقتها خلال توليها السلطة في أفغانستان من 1996 إلى 2001.

تنتظر تلك السيناريوهات عقبات إقليمية بالنظر لسابقة الانقلاب المعترف به دوليًا على ما تحقق في أفغانستان طوال السنوات الماضية بعد القضاء على سيطرة طالبان، من مكاسب كبيرة في مجالات الدستور والحريات وتداول السلطة، رغم ما شاب التجربة من تعثر وفساد.

يمنح هذا التطور الحركات الجهادية الكثير من الثقة والأمل في تحقيق أهدافها على غرار ما صنعته طالبان التي قد تتحول إلى أيقونة تقتدي بها تنظيمات إسلامية، ما يعني الدفع في اتجاه ممارسة العنف تحت عنوان الجهاد ضد الحكومات لتمكين الجهاديين من السلطة في مناطق أخرى.

تواجه طالبان معضلة عدم إمكانية تعاون الدول المحيطة والقوى التي تعاني من خطر الحركات الأصولية، بالنظر إلى التخوف من نجاح تجربة طالبان وانعكاس ذلك على تشجيع تكرار نموذجها ومسيرتها العنيفة وصولًا إلى الهيمنة على الحكم من خلال الجهاديين الناشطين بهذه الدول.

يعد إضعاف الحكومة والجيش الأفغاني مقابل إضفاء شرعية غير مستحقة على فصائل مسلحة متطرفة وتمكينها من العودة للحكم، إعادة لدورة التطرف مجددًا، وكما كانت أفغانستان منطلقًا في السابق لبعث ما عُرف بالجهادية العالمية، تعود كساحة تبعث الروح في أوصال فصائل جهادية تعاني من الهزائم وتقابل بالرفض من الشعوب والدول.

13