طالبان تعيش تصدعا تنظيميا لتضارب أيديولوجيتها مع الواقع

تشهد طالبان في الأيام الأخيرة موجة تصدع داخل تنظيمها نتيجة تسارع وتيرة العمليات ضدها والتمكن من استدراج قياداتها إلى مربع المفاوضات، الأمر الذي جعل المرجعية الإسلامية السياسية المتشددة للحركة تتضارب مع الواقع المادي المباشر، في دلالة أخرى على عدم قدرة الإسلام السياسي على التناغم مع الواقع.
الجمعة 2016/03/11
عقلية من ليس معنا فهو ضدنا

كابول - أكدت التصريحات الصادرة عن بعض القيادات في حركة طالبان أفغانستان، مؤخرا، أن الحركة الإسلامية المتشددة تشهد تصدعات حادة في بنيتها التنظيمية نتيجة قبول شق واسع من الحركة الحوار والتفاوض مع السلطة والقوى الدولية المعنية بأفغانستان ورفض شق آخر لذلك. ويؤكد مراقبون أن هذه التصدعات تخفي غضبا متبادلا بين القيادات حول تجريد البعض منهم من الامتيازات المادية والقيادية التي يحظون بها.

وما إن أعلنت طالبان عن وفاة الملا محمد عمر في 30 يونيو 2015 حتى ظهرت الخلافات داخل الحركة، حيث خرجت مجموعة من قياداتها التاريخية إلى وسائل الإعلام على غير عادتها ورفضت تعيين الملا أختر محمد منصور أميرا لها، ونادت بتعيين ابن الملا محمد عمر الملا محمد يعقوب أميرا لطالبان.

ولئن كانت الدوافع الحقيقية وراء هذا الانشقاق، الذي بدأ في البروز بوضوح، تكمن في حرب المواقع حول المفاصل القيادية للحركة الإسلامية المتطرفة، إلا أنها تعكس ميل العناصر القيادية في حركات الإسلام السياسي بشكل عام إلى الزعامة.

فتقلد مناصب قيادية في مثل هذه التنظيمات يعد امتيازا تتمكن من خلاله القيادات من فرض السيطرة والنفوذ على باقي العناصر والاستحواذ على منافع مادية وعينية عديدة.

وترتكز حركة طالبان أفغانستان في جانبها التنظيمي على سبعة مستويات تنظيمية كلها مسلحة، وهي العلماء والمشايخ وهي هيئة استشارية سياسية تتكون من شيوخ معروفين بفتاواهم المتطرفة وشدة تعلقهم بالتحرك المسلح ضد الدولة في أفغانستان وباكستان أيضا، ثم يأتي مجلس الشورى والقيادة والذي يتكون من 18 عنصرا موزعين بين باكستان وأفغانستان، المستوى الثالث هو الأمير، وهو المستوى الذي يثير جدلا وانقساما في صفوف القيادات العليا للتنظيم الإرهابي، والمستوى الرابع يتمثل في نواب الأمير ودورهم تسيير وتنفيذ قرارات الأمير وهم بدورهم يتولون قيادة اللجان العليا المسؤولة عن مراقبة تنفيذ القرارات في مستوى اللجان المحلية وهي المستوى السادس والمتكونة من القيادات الميدانية.

التصدعات تخفي غضبا متبادلا بين القيادات حول تجريد البعض منها من الامتيازات المادية والقيادية

ويتمثل التصدع الذي يحدث في طالبان الآن في ثلاثة شقوق أساسية تتمثل في شق “حركة الانقلاب الإسلامي” وهي حركة أسستها قيادات بارزة ووزراء سابقون في طالبان قبل احتلال كابول وقد سلمت نفسها لسلطة حميد كرزاي مؤخرا، وقد كان ارتباطها بطالبان من أجل مصالح مادية وقبلية.

أما الشق الثاني فهو الشق الذي يتزعمه الملا معتصم آغاجان الذي انشق منذ أكثر من سنتين إثر خلاف حول محادثات السلام، وخلق انشقاقه تصدعا كبيرا في حركة طالبان بعد نشأتها الثانية (أي ما بعد سقوط كابول)، لأن الرجل كان له وزنه في ولاية قندهار مسقط رأس الحركة، وكان يتمتع بثقل كبير داخلها، أما خلافه الأساسي مع قيادات طالبان، فتمثل في اعتقاده أن الطريق الأمثل لحل الأزمة الأفغانية هو المحادثات الدبلوماسية، في حين تمسك الباقون بمواصلة العمليات الإرهابية المسلحة، معتقدين أن ما يقومون به هو تطبيق للشريعة الإسلامية. أما الشق الثالث فيتزعمه نجيب الله وردك المقرب من المخابرات الباكستانية، وقد اختار الخروج عن طالبان هو وبعض أفراد أسرته الموسعة بتعلة دخول الحركة في حوارات مفتوحة ومباشرة مع قوى خارجية.

وتؤكد هذه التصدعات في بنية حركة طالبان أن الواقع السياسي المتغير في المنطقة يعد عاملا أقوى من العقيدة الإسلامية السياسية، خاصة وأن القيادات الكبرى لهذه الحركة الإسلامية المتشددة لا تبحث عن تحقيق أهدافها الأيديولوجية في ادعاء تطبيق الشريعة الإسلامية بقدر ما تبحث عن امتيازات ذاتية.

13