طالبان والقاعدة جمعتهما فكرة الجهاد فهل تفرقهما المصالح

حركة طالبان وافقت على قطع العلاقات مع القاعدة كجزء من مفاوضات السلام التي علقها الرئيس دونالد ترامب، رغم أن التنظيم لا يزال يتعهد بالولاء لقائد الحركة مولوي هبة الله أخوند زاده.
الأربعاء 2019/09/18
حمل السلاح عقيدة القاعدة وطالبان

سعي المجتمع الدولي إلى إنهاء النزاع في أفغانستان بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية، بعد نحو 17 عاما من الحرب الدامية الدائرة هناك بين القوات الحكومية المدعومة من الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة ومقاتلي الحركة في محاولة لإحلال السلام، والمحاولات المبذولة من أطراف ترتبط بصلات مع الحركة المتشددة لعقد جولة مفاوضات جديدة، إضافة إلى التفجيرات الإرهابية التي تبنتها الحركة الثلاثاء، كلها عناصر متضافرة أعادت التنظيم إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي. لكن المفارقة المتصلة بهذا السياق السياسي والأمني، هي أن علاقة طالبان بتنظيم القاعدة أصبحت على المحك، تبعا لما يتسرب من أن طالبان مستعدة لبيع القاعدة مقابل مفاوضات تجريها بشكل حثيث مع قوى دولية متعددة.

إسلام آباد- وعدت طالبان الولايات المتحدة بأنها لن تتعرض للهجوم مرة أخرى من الأراضي الأفغانية. هذا التعهد كان سيشمل تنظيم القاعدة، الذي خطط لهجمات 11 سبتمبر من داخل أفغانستان.

ومع ذلك، لا يزال الجهاد، أو الحرب المقدسة، والتاريخ المشترك يربطان الجماعتين المسلحتين، ولا يوجد دليل على قطع العلاقات بينهما منذ زمن طويل. يقول مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، إن طالبان وافقت على قطع العلاقات مع تنظيم القاعدة كجزء من مفاوضات السلام، التي علقها الرئيس دونالد ترامب فجأة الأسبوع الماضي.

ولا تزال قيادة القاعدة تتعهد بالولاء لقائد طالبان مولوي هبة الله أخوند زاده، وقد تزايدت قوة القاعدة في السنوات الأخيرة، وفقا للمحللين والخبراء.

وكان تنظيم “القاعدة” قد أعلن بيعته لأمير طالبان السابق الملا محمد عمر الذي قتلته الولايات المتحدة في غارة جوية سنة 2013 ثم لوريثه أختر منصور سنة 2015، رغبة من التنظيم في توثيق صلاته مع حركة طالبان ومحاولة منه لقطع الطريق أمام تنظيم داعش الذي بدأ يعمل على التواجد داخل الساحة الأفغانية بعد انحساره في العراق وسوريا.

 وقد تغلبت الجماعة على هزيمتها بعد إنشاء فرع تابع لتنظيم الدولة الإسلامية في شرق أفغانستان ومن هجمات الطائرات الأميركية ذاتية القيادة التي خفضت من أعداد مقاتليها. حتى أن المسلحين أسسوا فرعا في المنطقة يُطلق عليه تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية، وله صلات بجماعات جهادية بعيدة في ميانمار.

نقاط الاختلاف

مفاوضات مع واشنطن وأصابع على الزناد
مفاوضات مع واشنطن وأصابع على الزناد

وقال أسفانديار مير، زميل مركز الأمن والتعاون الدولي بجامعة ستانفورد “منذ عام 2017، تعافت الجماعة  بشكل كبير”. وقال مير في مقابلة مع وكالة أسوشيتيد برس “لا يوجد دليل واضح على حدوث انفصال بين القاعدة وطالبان. ولكن تواصل أجزاء من جماعة طالبان الأفغانية على الأقل، مثل شبكة حقاني والقاعدة، التعاون بنشاط”.

ورغم مبايعة القاعدة لزعماء حركة طالبان بصورة دورية إلا أن هناك العديد من نقاط الاختلاف بين الجماعتين لعل من أبرزها  التمايز الفكري والأيديولوجي، حيث تختلف حركة طالبان عن القاعدة في كونها جماعة محلية يقتصر نشاطها على الداخل، دون أن ينسحب ذلك على باقي الدول، في حين أن تنظيم القاعدة لا يقتصر نشاطه على جغرافيا محددة.

وتشمل نقاط الاختلاف الأخرى بين التنظيمين الموقف من العمل السياسي، ففي الوقت الذي تتبنى حركة طالبان العمل السياسي كإحدى الأدوات في بسط نفوذها على الأراضي وتوسيع دائرة سلطاتها، فإن تنظيم القاعدة يرفض آليات العمل السياسي ويحرم التعامل مع الحكومات والأنظمة، بل ويدعو إلى محاربتها. وتعتبر مسألة الجنسية من نقاط الاختلاف الحقيقية بين التنظيمين المتشددين، ففيما ينتمي أغلبية قادة وعناصر طالبان إلى عرقية البشتون المحلية الأفغانية فإن القاعدة تضم عناصر وقيادات من جنسيات وجغرافيات عربية وإسلامية مختلفة التحقت بالتنظيم مع الاجتياح السوفييتي لأفغانستان.

وفي الثمانينات، كانت الولايات المتحدة من بين من شجعوا المئات من المقاتلين العرب على السفر إلى أفغانستان للقتال إلى جانب المجاهدين الأفغان، أو المحاربين المقدسين، ضد قوات الاتحاد السوفييتي السابق هناك، الممولة من المملكة العربية السعودية في جزء كبير منها. واليوم، يشكل العديد من هؤلاء المجاهدين قيادة طالبان، بينما يوجد آخرون في السلطة في الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة. ومع اقتراب الحرب من نهايتها عام 1988، اتحد العديد من المقاتلين العرب لاتباع أسامة بن لادن، لإنشاء تنظيم القاعدة الجهادي، الذي سعى لاحقا لمواجهة الولايات المتحدة.

إثر الانسحاب السوفييتي تحول العديد من قادة الحرب الأفغان إلى زعماء للبلاد مثل زعيم تحالف الشمال أحمد شاه مسعود وزعيم الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار ورئيس الحركة الإسلامية برهان الدين رباني وعبدالرشيد دستم وعبدالرسول سياف. وقد ارتبط القادة الأفغان منذ بداية الحرب الأهلية في البلاد بقوى وتنظيمات خارجية مثل الإخوان والقاعدة وإيران.

وعلى مر السنين، كان لتنظيم القاعدة العديد من الأصدقاء والحلفاء في أفغانستان، بعضهم الآن في أماكن النفوذ والسلطة، مثل عبدالرسول سياف، أحد سماسرة القوة في كابول.

كانت الولايات المتحدة في الثمانينات، من بين من شجعوا المئات من المقاتلين العرب على السفر إلى أفغانستان للقتال ضد قوات الاتحاد السوفيتي السابق

تم تفصيل هذه الروابط من قبل عميل متقاعد من وكالة المخابرات المركزية الأميركية كان يعمل عن كثب مع المجاهدين المدعومين من الولايات المتحدة. وقال العميل، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب تورطه في عمليات سرية، إن سياف كان أقرب حليف للقاعدة في أفغانستان.وقد ساعد سياف أكثر من 800 من مقاتلي القاعدة العرب على الحصول على الجنسية الأفغانية بعد أن تولى المجاهدون السلطة في عام 1992. ومع ذلك، سرعان ما وجه المجاهدون بنادقهم على بعضهم البعض، فأقحموا البلاد في حرب أهلية أسفرت عن مقتل الآلاف. وقد أدى الفساد والقتل إلى ظهور حركة طالبان بقيادة المجاهدين، وكثير منهم من رجال الدين القرويين، الذين استخدموا شكلا قمعيا متشددا للدين الإسلامي لإثبات سيطرتهم. واستولوا على السلطة في عام 1996 حتى تمت الإطاحة بهم في عام 2001.

وتسيطر حركة طالبان، على الرغم من مرور 18 عاما على قتالها ضد الولايات المتحدة وحلفائها، الآن على نصف أفغانستان وهي في أقوى حالاتها منذ الغزو الأميركي.

وتشير تقارير الحكومة الأميركية إلى أن عدد مقاتلي القاعدة قد زاد أيضا في السنوات الأخيرة، في حين أن الجماعات المتحالفة معها مثل طالبان الباكستانية، التي لجأت إلى أفغانستان بعد الهجوم الذي شنه الجيش الباكستاني، تزداد قوة أيضا.

ووفقا لتقرير للأمم المتحدة في يوليو، فإن “أكبر تجمعات المقاتلين الإرهابيين الأجانب” موجودة في سوريا وأفغانستان ومعظمهم متحالفون مع تنظيم القاعدة.

صلات طويلة الأمد

 لا يزال الجهاد، أو الحرب المقدسة، والتاريخ المشترك تربط الجماعتين المسلحتين، ولا يوجد دليل على قطع العلاقات بينهما منذ زمن طويل
 لا يزال الجهاد، أو الحرب المقدسة، والتاريخ المشترك تربط الجماعتين المسلحتين، ولا يوجد دليل على قطع العلاقات بينهما منذ زمن طويل

لقد سعى بعض أفراد جماعة طالبان إلى الابتعاد عن تنظيم القاعدة، لكنهم تحدثوا عن ولاء القاعدة لزعيمهم، وعلاقته بشبكة حقاني التابعة لطالبان، وعلاقات الزعماء الرئيسيين بتنظيم القاعدة.

وقال مير، زميل ستانفورد، إن حكام الظل الرئيسيين في حركة طالبان تربطهم صلات طويلة الأمد بتنظيم القاعدة. تقوم طالبان بتعيين حكام يقومون بدور الرؤساء السياسيين في المقاطعات التي يسيطرون عليها.

ولم تتحدث طالبان بشكل واضح عن كيفية ضمان ألا تصبح أفغانستان قاعدة لإيواء الإرهابيين ذوي الأجندة العالمية، وكذلك لم يعلن مبعوث السلام الأميركي، زالماي خليل زاد، عن تفاصيل.

وبعد تعليق صفقة طالبان في وقت سابق من هذا الشهر، لم يتضح بعد ما إذا كانت طالبان قد قدمت إلى واشنطن أي معلومات حول مكان إخفاء قادة تنظيم القاعدة، بمن فيهم خليفة بن لادن، أيمن الظواهري. والبعض يقول إن هذا ليس باللغز.

وقال الجنرال الباكستاني المتقاعد، طلعت مسعود، “باكستان وبالتأكيد قادة طالبان يعرفون جيدا مكانهم”. على الرغم من أن هذا الادعاء يورط رئيسه السابق، إلا أن مسعود تقاعد لبعض الوقت وكان ينتقد باستمرار ما أسماه “فلسفة الجيش الباكستاني المشوهة” لدعم المتشددين في مواجهة النفوذ الهندي في المنطقة. ويعتبر العديد من المراقبين أن طالبان تتمتع بدعم كبير من المخابرات الباكستانية بل هي الضلع الأساسي في نشأة الحركة، لمساعدتها في حربها مع الهند في ما يتعلق بإقليم كشمير، ولتدعيم نفوذها في منطقة جنوب آسيا.

وبعد مرور سنوات على كونه لاجئا، تم تعقب بن لادن، المخطط الرئيسي لهجمات 11 سبتمبر، إلى مدينة أبوت آباد في باكستان، على بعد 100 كيلومتر من العاصمة إسلام آباد، وقُتل على يد قوات البحرية الأميركية في عام 2011.

وفي ذكرى مرور هذا الشهر على هجمات 11 سبتمبر، نشر خليفة بن لادن، أيمن الظواهري، مقطع فيديو يظهر فيه مرتاحا بالرغم من بلوغه من الكبر عتيا. تم إنتاج الفيديو من قبل مؤسسة السحاب للإعلام التابعة للجماعة، والتي يبدو أنها تعمل دون أي قيود.

وقال بيل روغيو، محرر مجلة “لونغ وور جورنال”، التي تصدرها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والتي تتعقب الجماعات الإرهابية إن “رسالته تذكرنا بأنه بعد مرور 18 عاما على أحداث 11 سبتمبر، تظل القيادة العليا لتنظيم القاعدة على قيد الحياة وفي أحسن حال“.

وقال روغيو في مقابلة معه إن الظواهري وذراعه الإعلامية، مؤسسة السحاب، “لا يزالان في الخدمة ومن المحتمل أن يكونا متمركزين في باكستان أو أفغانستان”.

تقارير أميركية تشير إلى أن عدد مقاتلي القاعدة قد زاد أيضا في السنوات الأخيرة، في حين أن الجماعات المتحالفة معها مثل طالبان الباكستانية، تزداد قوة أيضا

وتعرف أفغانستان بتضاريسها الوعرة وجبالها العالية ومناخها الصحراوي الخشن، حيث حاولت الكثير من الأمم والدول السيطرة عليها واحتلالها بدءا من بريطانيا عام 1839، وصولا إلى الاتحاد السوفييتي سنة 1979. وشكلت هذه الجغرافيا الصعبة ملاذا آمنا عبر عقود عديدة للتنظيمات المتطرفة.

لكن الجيش السوفييتي عانى آنذاك كثيرا خلال تواجده في أفغانستان بالنظر إلى التضاريس القاسية التي ميزت البلاد، والتي تطابقت مع طباع صعبة للناس والمجتمع الذي كان بدوره مجتمعا منغلقا على نفسه ومتشبثا بعاداته وتقاليده بشكل صارم.

ووفقا لمجلة “لونغ وور جورنال”، فقد أعلنت القاعدة في مقطع فيديو نشرته في مايو، عندما كانت طالبان تتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن ضمانات ضد الإرهاب، مسؤوليتها عن الهجوم على قافلة للجيش الأفغاني في مقاطعة باكتيكا الشرقية وسعت “للتأكيد على تحالفها مع طالبان”.

وبالإضافة إلى ذلك، قال مير إن الذراع الإعلامية للقاعدة تضخ بانتظام الدعايا الموجهة في الغالب إلى الجماهير الأفغانية والباكستانية. وفي بعض الأحيان، تروج للمجموعات المتحالفة معها مثل جماعة “أنصار غزوة الهند” المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تعمل في الجزء الكشميري الذي تسيطر عليه الهند. وكانت منطقة الهيمالايا المتنازع عليها نقطة اندلاع حربين سابقتين بين الجارتين المسلحتين نوويا باكستان والهند.

وقال روغيو “في الوقت الذي تقلصت فيه قدرة تنظيم القاعدة على شن هجوم على نمط 11 سبتمبر، فإن هذا لا يجعله أقل تهديدا. حيث تمتلك القاعدة شبكة واسعة في جميع أنحاء العالم؛ واحدة أكبر بكثير من تلك التي كانت موجودة قبل الحادي عشر من سبتمبر، مع فروعها التي ترسل جيوشها الصغيرة لشن هجماتها المحلية”.

13