طالب الرفاعي روائي كويتي يبحث عن سر ظل الشمس

السبت 2016/02/06
الرفاعي وحربه مع البوكر وحرب البوكر عليه

ستراسبورغ - الجوائز اليوم في العالم أجمع لا في العالم العربي فقط تمثل حالة قطيعية ثقافية. الروايات الحائزة على جائزة ما أو أُثير حولها لغط ما، تتصدر الشبابيك وتلقى انتشارا واسعا.

ليس ببعيد عنا ظاهرة “دان براون” صاحب “شيفرة ديفنشي” والتي تصدرت واجهات المكتبات بعد رفضها من الفاتيكان. رواية تتناول الشأن المسيحي وتخالف معتقدات الكنيسة، فترفضها كما تفعل مع الكثير من المؤلفات. الرفض والوسم بالهرطقة ليسا بالظاهرة الكاثوليكية الجديدة.

“آيات شيطانية” لسلمان رشدي تمثل الظاهرة في العالم الاسلامي رغم عدم وجود مؤسسة دينية إيكليريوسية فيه، إلا أن ظاهرة الرفض لبعض الأعمال الأدبية من قبل مؤسسات مثل الأزهر أو دور الإفتاء المنتشرة هنا وهناك تتم بشكل يومي تقريبا.

الأسباب الغامضة

السؤال هنا، هل كل ما يثير الغبار هواء وكل ما يلمع ذهب؟ سؤال يحتمل إجابتين، إذن، هل ما يُثار اليوم حول “في الهنا” للكاتب الكويتي طالب الرفاعي هو نوع من الدعاية التي تمتطي موجة الحدث، أم أنه مجرد سوء فهم أو خطأ دار الشروق المصرية بحسب تعبير الكاتب في بيانه الذي رد فيه على بيان لجنة التحكيم في البوكر العربية. الأخيرة قالت بأن الرواية مخالفة لشرط موعد النشر ولذا خرجت من القائمة الطويلة للمسابقة.

الرفاعي من جانبه، أكد ألا عقود تربطه بدار الشروق، التي قيل إنها طبعت الرواية قبل الموعد المحدد لدخول المسابقة. سجال في سجال ورد على رد. حديث الكواليس والنميمة الثقافية يلعبان دورهما في عالم التواصل الاجتماعي السريع اليوم. حديث عن رفض المسؤولة عن المسابقة للرواية بعد قبولها ولأسباب مجهولة. لكنها تذرعت بوجود الطبعتين. وأن الأولى منها كانت قبل الموعد المسموح وفق شرط المسابقة. وحديث آخر عن شخص الرفاعي الذي أثار في عام 2009 اللغط يوم كان رئيسا للجنة التحكيم في المسابقة ذاتها.

الرفاعي مهندس روائي

هو ابن عائلة متواضعة وغير متعلمة كثيرا، بحسب وصفه. كان البحر متنفس طفولته الواسع. ولد في ربيع العام 1958. بدأ القراءة مع رواية الأم لمكسيم غوركي، ثم رواية الأب غوريغوري لبلزاك. انتقل إلى الأدب العربي مع نجيب محفوظ. تمتع بالقراءة إلى أن بدأ بكتابة القصة القصيرة منتصف سبعينات القرن العشرين.

"في الهنا" للكاتب الكويتي طالب الرفاعي ما يثار حولها اليوم هل هو نوع من الدعاية التي تمتطي موجة الحدث، أم أنه مجرد سوء فهم، أو خطأ من دار الشروق المصرية بحسب تعبير الكاتب في بيانه الذي رد فيه على بيان لجنة التحكيم في البوكر العربية

نشر أول قصصه في صحيفة الوطن الكويتية وكانت بعنوان “إن شاء الله سليمة”. أنتج أول رواياته بعد حوالي خمسة عشر عاما.

مهندس مدني وكاتب رواية، يقول إن الهندسة مفيدة بالأدب، فقد علّمته إنشاء هياكل الروايات والشخصيات وتنظيم الرواية تفصيلا، ولذا لا يرى أن بين الهندسة والكتابة أيّ تعارض. كانت الهندسة تخصصاً مُلحّاً نتيجة الوضع الاجتماعي والحاجة للعمل. الكتابة جاءت بعد الكثير من القراءة. يشغل اليوم منصبا ثقافيا رفيعا في المجلس الوطني الكويتي للفنون والآداب بعد أن تنقل في مواقع كثيرة.

رواياته تحكي قصصاً واقعية ويحضر فيها الرفاعي باسمه الصريح. وهو موجود في كل رواياته كشخصية حقيقية كما في “ظل الشمس” و”سمر” و”في الهنا”، وهذه يعتبرها “رواية التخيل الذاتي” كأحد أجناس الأدب. هذه الطريقة جديدة في العالم العربي بحسب قول الرفاعي ولذا انعكست حتى على حياته الشخصية بطريقة أو بأخرى. فغالب رواياته تعالج قضايا اجتماعية كويتية كحالات الطلاق والحب والزواج. فهو منجذب لعالم المرأة بحكم تربيته من قبل أمه التي كانت الزوجة الثانية لوالده وأشرفت على كل نواحي تربيته وتعليمه.

في الجزء المتعلق بالجوائز التي اعتبرها الرفاعي أمراً مفيداً وداعماً للكاتب، لم ينكر رغبته بالوصول إلى العالمية من خلال رواياته وكتاباته وربما هذا ما دفعه لمقاومة طرد روايته خارج القائمة الطويلة للبوكر العربية اليوم.

حصل يوما على جائزة الدولة الكويتية التشجيعية عن روايته رائحة البحر وهي جائزة بقيمة خمسة آلاف دينار كويتي. لكن المسألة ليست مالية بحسب قوله إنما “الدعم الأجمل هو الفوز بجائزة الدولة”.

البوكر ترفض ابنها

ترأس لجنة التحكيم في البوكر فكان محور الحديث يومها. شارك كمتسابق فبات محور حديث البوكر ثانية. يبدو شخصاً إشكالياً حتى بطروحاته الروائية. إشكالي على المستوى الاجتماعي لا المستوى السياسي أو النقدي في الثالوث المقدس أي الدين والسياسة والجنس، وإن كان يقارب الأخير بنصوصه بطريقة غير مباشرة.

الرفاعي يستمتع بما يجري من كتابات عنه وحول روايته "في الهنا"
يحاول الحديث عن العلاقات الصحية بين الذكر والأنثى في مجتمع يشهد اليوم موجة من تراجع الحريات الاجتماعية بحسب تقديره. تراجع قد يوصل أيّ كاتب إلى القضاء إذا ما التفت أحد ما إلى أعماله واشتكى منه. الشكوى لم تحصل، إنما منع له روايتان في الكويت ولم يذكر الأسماء. ما سبق لا يكفي ليكون الرفاعي موقع الأضواء. فجاءت حكاية طرد “في الهنا” من القائمة الطويلة للبوكر العربية، لتأتي به إلى صفحات الجرائد والمجلات.

البوكر، أي الجائزة العالمية للرواية العربية والتي أنشئت عام 2007 في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وتنظم وتمول من قبل هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، وبدعم من مؤسسة جائزة بوكر البريطانية. فسياحة وثقافة، عنوان يكفي لفهم ماهية الجائزة التي تعتبر الأهم عربيا اليوم.

يفوز فيها كاتب واحد بالمركز الأول فينال خمسين ألف دولار أميركي. وتحظى الروايات الستّ الأخريات في القائمة القصيرة بعشرة آلاف دولار لكل منها.

كل تلك التصفيات تقوم بها لجنة تحكيم يعيّنها مجلس الأمناء سنوياً. لجنة من خمسة أشخاص. نقّاد وروائيون وأكاديميون من العالم العربي وخارجه. ويوما سأل المصري الشهير جابر عصفور كيف لمسابقة تحكم في الرواية أن يرأس لجنتها روائي أو كاتب أو حتى بأن يكون من أعضائها. وبرأي عصفور فإن الأنسب أن تتكون تلك اللجنة من هيئة أكاديمية حيادية.

لا تنتخب اللجنة الأعمال لدخول المسابقة بل تفتح باب الترشيح. بالفعل يقدم الناشرون الأعمال التي تمّ نشرها من قبلهم خلال العام السابق. يقرأ أعضاء لجنة التحكيم كل الروايات المرشّحة. يقرون بالتوافق قائمة مرشّحين طويلة وقائمة قصيرة وعملا فائزا. وبحسب القائمين على المسابقة فإن النزاهة تكمن بألا تعلن أسماء لجنة التحكيم حتى موعد الإعلان عن القائمة النهائية. كيف لهذا أن يحدث لا أحد يعلم؟ فعالم الأدب العربي ضيق جدا وأيّ تحرك في مجاله يكون لافتا ومعروفا.

المشكلة الأولى مع الرفاعي والبوكر كانت بانسحاب أحد أعضاء لجنة التحكيم. وأثيرت يومها المسألة في عالم الصحافة العربية، كما أثيرت قضية رواية “في الهنا” بصحيفة “القبس” لتنتبه اللجنة إلى أن الرواية نشرت بطبعة سابقة عبر دار الشروق قبل نشرها من قبل الناشر الكويتي.

رواياته تحكي قصصا واقعية. يحضر فيها الرفاعي باسمه الصريح، وهو موجود في كل رواياته كشخصية حقيقية كما في "ظل الشمس" و"سمر" و"في الهنا"، وهذه يعتبرها "رواية التخيل الذاتي" كجنس من أجناس الأدب

"في الهنا"

يستمتع الرفاعي اليوم بما يجري من كتابات عنه وحول روايته “في الهنا” التي حاولت أن تصدم الجمهور بداية من الغلاف الصارخ. دجاجة بعرف ديك أو هكذا أريد لها. رجل بملامح شيطانية أسود اللون. كلاهما عارٍ، وكأن الأخير يريد الأولى ولو غصبا. والأولى تريد الثاني غواية. هذا الغلاف ويقال “المكتوب من عنوانه”.

حاضر فيها باسمه بوصفه طالبا وبمرضه الديسك. بطل مخالف معارض وسط الرواية، يعالج المذهبية في روايته عبر “كوثر” الشيعية التي تعاني تلاطم أطراف المجتمع المتغايرة نتيجة المواقف الدينية. كأنها رواية للحب المحرم يوم باتت فيه الحرب معلنة بشكل شبه رسمي بين السنة والشيعة بالعالم الإسلامي.

الحب الأعمى لا يميز الأعمار ولا المذاهب ولا الملل ولا حتى الأديان، لكنه يدخل المحبين في حالة اجتماعية متشنجة ويضعهم في زوايا مريبة على المستوى الذاتي على أقل تقدير. حب محرم، عشق ممنوع، حكاية سردية لعوالم اجتماعية يتخللها الغرام المهيب. أين الهنا في هذه المعالم لا أحد يعلم؟ ربما الهنا يكمن في تفاصيل صغيرة ككرسي الرفاعي وغرفة مكتبه البعيدة عن الضجيج. لكن في الهنا لم تبق في الهنا بل دخلت وأدخلت صاحبها عوالم النقد والرد والسجال. البوكر، لعبة ورق، تقامر على الحظ فإما تصيب أو تخيب. فهل بوكر الرواية اليوم كذلك؟

كاتب سوري

15