طالب مكي حصان برونزي عراقي يصنع معجزة بقائه

الأحد 2016/07/03
طالب مكي ثمانون سنة من الصمت الخلاق

لندن - لا يسمع ولا يتكلم. لا يقرأ ولا يكتب، غير أن أحدا لا ينكر مكانته المتميزة في تاريخ الفن التشكيلي الحديث بالعراق، رساما ونحاتا.

يحدثك بثقة مَن يقول كلاما واضحا فتشعر أنه يحمل الكثير من الألم الصافي في همهماته التي تعبر عن عمق إنصاته الصافي إليك. في الحالين لا يمكنك سوى أن تعترف بأن هذا الرجل قد كيف صمته ليستوعب أصواتا من نوع خاص.

نهر من صمت وآخر من دموع

منذ رأيته عن قرب نهاية سبعينات القرن الماضي أدركت أن ذلك الكائن العذب، العميق في تهذيبه قد وضع حواسه كلها في المسافة التي تفصل بين عينيه ويديه.

هناك عالم شاسع من الرموز والإشارات يولد كل لحظة وسط الصمت، تجد كائناته طريقها إلى العلن من خلال خطوط حادة تصنع ملامح لبشر يزيدهم الانفعال جمالا وهيبة. وهو الذي كان يميل إلى الرسوم الشرقية المتخيلة في بداياته مع الحفاظ على رغبته في أن يلتحق بركب التجريديين.

كان حصانه البرونزي الجامح برغم ما علق به من تحويرات تجريدية قد أطلق في وقت مبكر شهرته نحاتا بارعا في اقتناص أسلوبيته الخاصة.

غير أنّ النحت الذي عبر به نهر الصمت إلى ضفة الحكايات أغرقه في الوقت نفسه في نهر دموعه. فهو لا يملك سوى أن يبكي حين يتذكّر معلمه جواد سليم الذي مات عام 1961 في سن مبكرة من حياته. لقد تركه سليم وحيدا في هذا العالم.

كان لديه دائما ترجمان، في الحديث كما في القراءة. ولم يكن ذلك الترجمان يحتاج إلى إعادة ما يقول عن طريق الإشارات. كان طالب لمّاحا ودقيقا في التقاط الصورة التي تنطوي عليها الكلمات.

ذائقة طالب مكي الجمالية سرّ موهبته الخارقة

ثقافة بصرية فاجأت الجميع

ما أنجزه طالب مكي نحاتا ورساما يشهد على ثقافة بصرية حديثة متقدمة، في إمكانها أن تهز الكثير من القناعات وتفتح باب التكهن على الكثير من الاحتمالات.

سؤال من نوع “من أين اكتسب مكي تلك الثقافة؟” سيكون عبثيا في ظل الصّمت الذي يحيط الفنان. صحيح أنه أصاب إخوته ممن يصغرونه بعدوى الفن، غير أن ذلك لا يكفي لصنع حساسية جمالية متقدمة في انحيازها إلى الأشكال الحديثة.

سيكون الجواب العبثي من نوع “إنه وُلد هكذا” مقنعا أكثر من سواه.

الملك الذي صنع فنانا

لا تقع موهبته الخارقة في مهاراته وحدها بل في ذائقته الجمالية التي دفعت به إلى الاستسلام لإملاءات الحداثة بالرغم من ميله إلى البذخ الشرقي الذي استعرضه المستشرقون في رسومهم.

ولد طالب مكي السيد جاسم في قضاء الشطرة بالناصرية جنوب العراق عام 1936 في بيت علم كما يُقال. فوالده الذي كان يعمل مديرا للمدرسة الوحيدة في ذلك القضاء كان يقيم مجلسا أدبيا يجتمع فيه أدباء ومفكرو وكتاب وشعراء مدينة الناصرية التي وهبت العراق حشودا من الشعراء والمطربين والكتاب والرسامين.

ظهرت موهبته في الرسم مبكرا وهو ما استرعى اهتمام الكثيرين، الأمر الذي يسّر له القبول عام 1952 في معهد الفنون الجميلة بإرادة ملكية، ذلك لأنه لا يملك من المؤهلات الدراسية ما يمكّنه أن يكون طالبا رسميا في ذلك المعهد.

لم يكن في ذهن الفتى الصامت سوى أن يكون رساما. كان محظوظا حين ضمه الفنان الرائد فائق حسن وهو أحد كبار معلمي الرسم في التاريخ العراقي المعاصر إلى صف طلبته. غير أن صدفة لقائه بجواد سليم، الذي كان يدرس النحت في المعهد المذكور لعبت دورا عظيما في تغيير مسار حياته الفنية.

النحت الذي عبر به نهر الصمت إلى ضفة الحكايات
وكما يبدو فإن انجذاب مكي إلى شخصية سليم لعب دورا كبيرا في تحول اهتمام الفتى الجمالي من الرسم إلى النحت. من جهته كان جواد سليم قد عثر في شخصية طالبه على كل مقومات النحات الذي ينصت إلى أحلام يديه. من خلال جواد سليم تعرف مكي على جبرا إبراهيم جبرا الذي كان بمثابة عراب للحداثة الفنية. عام 1960 استدعى جبرا طالب مكي للعمل رساما في مجلة “العاملون في النفط” التي كانت تصدر عن شركة النفط البريطانية وقد كانت مجلة فنية أدبية.

الماشي في ركب المجددين

عن طريق عمله في تلك المجلة وجد مكي أمامه الطريق مفتوحة للتعرف على الحياة الثقافية في العراق في أرقى صورها.

وكانت تجاربه في الرسم والنحت على حدّ سواء مثار اهتمام الفنانين ونقاد الفن في الوقت الذي كان الوسط الفني يشهد تجاذبا بين تيارين فنيين.
الأول كان يدعو إلى البحث عن الأصول البصرية في التراث الفني المحلي، وكان معلمه جواد سليم يتزعمه من خلال جماعة بغداد للفن الحديث التي تأسست في بداية خمسينات القرن العشرين، فيما كان التيار الثاني يدعو إلى الانفتاح على التجارب العالمية المعاصرة في الفن، من غير الالتفات إلى الماضي المحلي.

عام 1965 حسم طالب مكي أمره منضما إلى التيار الثاني من خلال انتمائه إلى جماعة المجددين التي ضمت إلى جانبه الفنانين سالم الدباغ وعامر العبيدي ونداء كاظم وصالح الجميعي وفايق حسين وسلمان عباس وإبراهيم زاير وعلي طالب.

ولكي يجد مصدرا للرزق فقد عمل مكي عام 1966 معلما للرسم في مدرسة الصم والبكم، إلى أن انتقل عام 1969 إلى العمل في مجلة “مجلتي”، وهو العمل الذي يعد نقلة كبيرة في حياته.

في تلك المجلة الرائدة في توجّهها إلى الأطفال كان طالب مكي كبير الرسامين. وهو عمل جعله على تماس مباشر مع تجارب نخبة من الرسامين الجدد الذين كانوا يسعون إلى إحداث انقلاب جديد في عالم الرسم.
التنقل براحة بين التشخيص والتجريد
إضافة إلى أنه منحه فرصة اللقاء اليومي بنخبة من أفضل الكتّاب والشعراء العراقيين الذين عملوا في تلك المجلة إيمانا منهم بالمستقبل الذي يمثله القارئ الطفل.

لم يقم طالب مكي معرضا شخصيا لرسومه إلا في عام 1993 وكان بعنوان “أشخاص” أما معرضه الشخصي الثاني فقد أقامه عام 2015 وكان بعنوان “نخيل” وما بينهما أقيم له معرض استعادي عام 2006.

المسافر براحة بين عالمين

في بلد كالعراق فإن استمرار شخص له ظروف صحية خاصة مثل طالب مكي فنانا يُعدّ نوعا من المعجزة. أما أن يسعى ذلك الفنان إلى فرض أسلوبه الجمالي على المشهد الفني فإن ذلك يُعدّ فعلا خارقا لن يكتب له النجاح دائما. ومن المؤكد أن موهبة مكي كانت أكبر من ألاّ يُلتفت إليها وهو ما جعله يحظى بنوع من الرعاية لا من قبل المؤسسات الفنية بل من قبل الفنانين الذين دعّموا وجوده فنيا مثلما فعل من قبل جواد سليم وجبرا إبراهيم جبرا.

كان طالب مكي بما اتصف به من تهذيب وعزيمة وصدق فني محط تقدير من أجيال فنية متلاحقة وجدت فيه معلما فذا. الأمر الذي جعله ينتقل براحة بين التشخيص والتجريد كما لو أن كل واحدة من يديه تمتلك خيالها الخاص الذي يختلف عن خيال اليد الأخرى. كان مكي طوع يديه وهو يسعى إلى إنشاء عالم يذكر به.

في معرضه “أشخاص” كان تشخيصيا أما في معرضه “نخيل” فقد كان تجريديا. في الحالين فإن تجربته في الرسم، وقبلها في النحت، إنما تعبر عن رغبته في اختراق كل ذلك الصمت الذي لم تخترقه الأصوات بخيالها. ما بين 1936 و2016 تقع ثمانون سنة من الصمت الخلاق. تحية لطالب مكي.

10