"طالعلك يا عدوي طالع".. أزمة جيل

الأحد 2017/11/19

حين كنا نهرول ذات شتاء صائحين “بالكيمياوي يا صدام ما تخلي الصهيوني ينام”، أو “طالعلك يا عدوي طالع من كل بيت وحارة وشارع” كنا ندفع “مؤامرة كونية عالمية امبريالية” تستهدفُ الأمة العربية وشعبها من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر. في النهاية لم يحل الكيمياوي الصدامي دون نوم الصهاينة، ولم نتوصل إلى الذود جيدا عن حياض أمتنا.

كان تخلينا الطوعي عن مراهقتنا، آنذاك، بما تقتضيه من لعب وشقاوة وعلاقات عاطفية وغيرها من الأركان، واندفاعنا نحو الشعارات السياسية والهتافات ولعن أميركا وإسرائيل، كارثة أخرى حلت بنا، وبالأمة تاليا. ألسنا أطفال الأمة الذين سيصبحون محدد مستقبلها؟

لم نعش طفولتنا كما كان يفترض بنا أن نعيشها، ولم يقضّ كيمياوي صدام مضاجع الصهاينة، بل حصل العكس. الأطفال الذين يهتفون في الشوارع ويحملون أعلام فلسطين والعراق وليبيا ويتخاصمون حول جملة أو شعار من قبيل الخلاف الشهير حول الشعب العربي في فلسطين أو الشعب الفلسطيني وغير ذلك من القضايا المحورية الشائكة بمنظور تلك الأيام، تحولوا إلى كهول عابسين حزانى لأي سبب أو بلا سبب، ندخّنُ بشراهة ونقول إن “الموقف أخطر مما نتصور” وإنهم “سيكونون حطبا لنا” ولا نبتسم إلا لماما لدواعي السخرية فقط. أما كيمياوي صدام، فقد استحال عقوبات وحروبا وتجويعا… ما بالنا والسياسة؟

الطفل الذي كان يهرول في الشوارع من أجل قضية، والذي كان عليه أن يختار كلماته بعناية حتى لا يخرج عن الانضباط والالتزام السياسي، والذي كان عليه أن يسمو ويترفع عن العلاقات العاطفية العابرة وأن يرتفع لأن القاع مزدحم، أصبح يعيش شيخوخة مبكرة وترهلت أفكاره، لكنه أصبح يرى كل أفكاره القديمة والحديثة والتي ستأتي تهريجا.

اكتشاف التهريج بدأ من التوصل إلى أن “طالعلك يا عدوي طالع” لا تعني الصعود أو الارتفاع بل تعني “الخروج” فقط، وتواصل مع التساؤل الساذج عما يمكن أن يحدثه هتاف مراهق “عربي” في قرية تونسية نائية في جنوب تونسي، من تغيير في المعادلات السياسية، واستمر مع البحث عن الآخر الذي سيكون حطبا، ومع البحث أيضا عن واضع تلك الكلمات الصعبة التي كنا نقولها بفخر ونحفظها جاهزة للاستعمال ولا إمكان لتغييرها وإلا عُدّ الأمر خيانة أو ميوعة على أقل تقدير.

الطفل تلاشى أو أصيب بتشوه فكري خطير، أما الأمة فتواصل انحدارها باطراد، رغم كل ما قدمنا من هتافات و“طلوع” إلى شرفات الاتحاد الجهوي للشغل لرفع علم أو لنزع آخر.

كاتب تونسي

6