طاهر المصري الذي حرم الإسلاميين من العبث بـ"التربية"

الأحد 2016/09/18
حصاد متأخر لزمن صعب

عمان - عاد اسم طاهر المصري للظهور بشكل مكثف في العاصمة الأردنية عمان، خلال الأسبوعين الماضيين، فقد رفضت السلطات السماح له بترخيص “الهيئة الشعبية لدعم صمود القدس”، وهي جمعية كانت مجموعة من شخصيات أردنية مختلفة تنوي تأسيسها، من بينها؛ السياسي المخضرم ممدوح العبادي، لكن، ولهدف التركيز على جانب الإثارة، سلّطت الصحف والمواقع الإخبارية الضوء على اسم طاهر المصري، ذلك لما يعنيه اسمه في الحياة السياسية الأردنية، ولكونه ينحدر من مدينة نابلس الفلسطينية.

المخفي والمعلن

مع أنه ليس من المرجح أن يكون هناك استهداف لطاهر المصري بشخصه بعدم الموافقة على تأسيس الجمعية، لكن وسائل إعلامية تعمدت إظهاره مُستهدَفا وضحية لقرار وزارة التنمية الاجتماعية الرافض طلب تأسيس الجمعية، وجاء في التبرير الرسمي، على لسان مصدر مسؤول في وزارة التنمية الاجتماعية أن رفض ترخيص الجمعية جاء بسبب عدم قناعة مُسجِل الجمعيات بغاياتها.

وأكد المصدر ذاته أن قرار المنع يخص ترخيص الجمعية التي يترأسها رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري.

لكنّ عارفين ببواطن الأمور يلمّحون إلى وجود حساسية تغلّف موضوع القدس لدى مراكز صناعة القرار الأردنية، وأن القرار اتخذ تجنبا ومنعا لزيادة المديرين للملف، خصوصا في هذه الفترة التي تطمح فيها بعض الدول الإقليمية لقنص دور في إدارة ملف القدس، والحديث هنا عن تركيا، وإلى حد ما إيران، وما يزيد في حساسية القضية وجود جهات عربية داعمة لهذه الأطماع.

السبب الثاني في وضع طاهر المصري وسط دائرة الأضواء، صدور كتابه “حصاد الزمن الصعب”، وهو مجلد طبع في بيروت، في المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وقام بكتابة مقدمته وزير الخارجية السابق في المملكة المغربية محمّد بن عيسى، ويحوي الكتاب بين دفتيه العديد من المحاضرات والمقابلات والمقالات الصحافية والوثائق التي اختيرت بعناية فائقة لتشرح مسيرة الرجل السياسية التي امتدت لأكثر من أربعين عاما.

ولد طاهر المصري عام 1942 في مدينة نابلس، التي كانت أقرب ما يكون إلى قرية كبيرة، لا يميّزها عن بقية القرى الفلسطينية سوى وجود سينما ومصانع صابون ومحال لصناعة الكنافة النابلسية الشهيرة.

تلقّى طاهر المصري تعليمه المدرسي في كلية النجاح الوطنية بنابلس، وأنهى دراسته في جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأميركية، ليبدأ حياته الوظيفية في البنك المركزي الأردني مواكبا مراحل تأسيسه، في مطلع الستينات من القرن الماضي، وكان راتبه آنذاك 45 دينارا شهريا.

تولّى بعدها بسبعة أعوام العديد من المهمات الرّسمية، تراوحت بين النيابة والوزارة والسفارة، وواصل تدرّجه حتى وصل إلى رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الأعيان.

كتابه "حصاد الزمن الصعب" الذي صدر قبل أيام وكتب له المقدمة وزير الخارجية المغربي السابق محمد بن عيسى يضم وثائق هامة عن مرحلة حساسة في تاريخ المنطقة المعاصر

السياسة ترسم مسار حياته

يعتبِر السياسي الأردني طاهر المصري، من أصل فلسطيني، نفسه نتاجا للوحدة التي تمت بين الضفتين عام 1952، فلقد دخل نادي السياسة الأردنية نائبا عن مدينة نابلس عام 1973، وبسبب الظروف القاهرة لإجراء عملية انتخاب طبيعية، والتي فرضها الاحتلال، تم انتخابه من قبل مجلس النواب الأردني، حيث يجوز، حسب القوانين الأردنية، تعبئة الشواغر من خلال تصويت أعضاء مجلس النواب على المرشّحين، وكان مجلس النواب يتشكل مناصفة بين الضفتين الغربية والشرقية، حيث كان يتكون من ستين نائبا.

وبرغم مرور العلاقة الأردنية الفلسطينية بالكثير من الأزمات لكنها لم تؤثر في مشاركته المسؤولية في الدولة الأردنية، وكان على الدوام في وزارة الخارجية أو في المواقع الدبلوماسية التي تسلّمها، وهي في غاية من الأهمية، فقد كان سفيرا في مدريد وباريس ولندن، وكان على الدوام حاملا لملف القضية الفلسطينية بنسخته الأردنية، ما وضعه غير مرة في مواجهة مع زعامة عرفات التاريخية.

لم يعتور مسيرته ارتباك، برغم مرور العلاقة الأردنية الفلسطينية بالكثير من المطبّات، إلا عندما صدر قرار فكّ الارتباط مع الضفة الغربية، إذ عارض هذا القرار واستقال على إثره من حكومة زيد الرفاعي التي صدر القرار في عهدها، لكنّه ما لبث أن عاد نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في الحكومة التي تلتها وشكّلها الأمير زيد بن شاكر على إثر هبة أبريل عام 1989، وجاء تسلمه لهذا الموقع الحساس في لحظة تاريخية حرجة، حيث كانت الجموع قد خرجت إلى الشوارع وأسقطت حكومة زيد الرفاعي بسبب الأزمة المالية التي أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس.

الملك حسين قال ذات مرة: ما تعاملتُ مع إنسان أشرف منك يا طاهر

مخالفة رغبة الملك

برر المصري خروجه من حكومة الرفاعي، بعدم قبوله فكّ الارتباط كونه داعيا لوحدة سياسية بين الضفتين تدعم وجودا قويا لمنظمة التحرير في الضفة الغربية، لكنه يتفهم، في الوقت ذاته، تخوفات الأردن من وجهة النظر الرسمية من ازدواجية العمل في الضفة الغربية، ما قد يُعيد الصدام مع المنظمات الفلسطينية.

لا يخفي رئيس الوزراء الأسبق، رئيس مجلس الأمة بغرفتيه، انتماءه إلى عهد الملك الراحل الحسين بن طلال، وبرغم مروره في لحظات حرجة اضطر فيها لمخالفة رغبات الملك، إلا أنه فعل ذلك متكئا على مخزون الودّ الذي كان يكنّه له الملك الحسين، فلقد قال له الملك الحسين ذات مرة “ما تعاملتُ مع إنسان أشرف منك يا طاهر”، وبناء على هذا الرصيد الكبير من الثقة، استطاع طاهر المصري أن يواجه الملك في مطلع التسعينات من القرن الماضي، عندما آثر أن تستقيل حكومته على أن يحل الملك مجلس النواب الثاني عشر لنشوب خلافات واسعة بين الحكومة والنواب لمعارضة المجلس الدخول في المفاوضات مع إسرائيل.

وفي عام 1986 عارض طاهر المصري السياسة الخشنة التي مارستها الأجهزة التنفيذية مع احتجاجات طلاب جامعة اليرموك، التي راح ضحيتها ثلاثة من الطلاب المحتجين.

يقودنا هذا إلى التمعن بالخلفيات الفكرية والاجتماعية والتاريخية التي أسست وكوّنت شخصية المصري، فهو ابن نشأت المصري سليل العائلة النابلسية المعروفة، التي سيكون لها دور مهم في أكثر من دولة عربية، والده تعرض للسجن في الجفر بعد الانقلاب على حكومة سليمان النابلسي، وهي الحكومة البرلمانية الوحيدة في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية، فلقد وجّهت له الاتهامات بمساعدة بعض الضباط الأحرار بالهروب من الأردن، حيث نفّذ وأشرف على هروبهم إلى سوريا في شاحنة محمّلة بالخضر.

لا يستطيع طاهر المصري أن يُخفي غصّته وهو يتحدث عن اعتقال والده إذ يقول “بقيت مستغربا التعامل الفظ الذي لقيه والدي وأعمامي، والقمع الذي مورس ضدهم من جانب السلطات التي تعرف عن طبيعة علاقتنا بالشهيد الملك عبدالله الأول. وهو ما ظل يحيّرني كشاب يافع، لم أجد أيّ مبرر موضوعي لإخضاع والدي وأعمامي للإقامة الجبرية، أو لحبس والدي، ثم العفو عنه، ثم العودة لمطالبته بإكمال مدة محكوميته، كلها، مواقف على تناقضاتها ظلت تعصف بخاطري، من دون أن أجد ما يفسر ذلك كله في نهاية عقد الخمسينات من القرن العشرين”.

وصادف مرةً أن كان طاهر المصري يشغل منصبا وزاريا في الحكومة الأردنية في الوقت نفسه الذي كان أخوه يشغل منصبا وزاريا في السلطة الفلسطينية.

رئيس الوزراء الأسبق، رئيس مجلس الأمة بغرفتيه، لا يخفي انتماءه إلى عهد الملك الراحل الحسين بن طلال، ورغم مروره بلحظات حرجة اضطر فيها لمخالفة رغبات الملك، يقول عن نفسه "احتسبني بعض في مربع المعارضة، وبعض آخر في مربع السلطة"

عود على البدايات

كان طاهر المصري موظفا في البنك المركزي الأردني لسبعة أعوام، بدأت خلالها أحداث أيلول التي أشعلتها عام 1970 فصائل فلسطينية، رفعت شعارات متطرفة من مثل “كل السلطة للمقاومة”، فالتزم الحياد وحافظ على صفته موظفا في الدولة الأردنية، نائيا بنفسه عن حالة الاستقطاب الحادة التي شكلتها هذه الأحداث.

ينظر بعض المتابعين عن بعد لمسيرة طاهر المصري بعين تراها مسيرة محفوفة بمخاطر التناقض، لكن لديه من أجوبة الواقعية السياسية ما يؤهله للرد على ما تواجهه مسيرته من شكوك، فهو رجل محاط بالشك من جهات الاستقطاب وأطرافه، خصوصا أنه اختار السير على ذلك الخيط المشدود، فبقي مهددا طوال الوقت بالوقوع من جراء خطر الميل إلى أيّ صوب.

شاء أم أبى، فإنه محكوم بالنظر إلى مواقفه من قبل الأطراف كلها، بالكثير من التفحص، الرجل لم يمانع من وجود إسلاميين في حكومته، لكنه رفض إعطاءهم وزارة التربية، ربما بحكم توجهاته الليبرالية، فنظر إليه التيار المحافظ من زاوية الشك بما وراء لطفه مع الإسلاميين، وكذلك نظر إليه التيار الإسلامي بمقدار الشك ذاته، وهذا ليس بالجديد عليه، فطالما نظر إليه الجانب الفلسطيني أنه مُوال للحكم في الأردن في الوقت نفسه الذي ظلت فيه كوادر الدولة المحافظة تتعامل معه بشيء من الريبة.

“حصاد الزمن الصعب” هو العنوان الذي اختاره المصري لكتابه، الذي أودع فيه شهادات صريحة على خيط الالتزام بموقفه الواحد من القضايا جميعها على مرّ الأيام والسنين، فلقد عانى طاهر المصري الأمرّين وهو يواصل مسيرته على ذلك الخيط المشدود وسط حالة الاستقطاب المتمكنة في العلاقة الأردنية الفلسطينية، فظل الفلسطيني الذي يواجه الأردنيين والأردني بمواجهة الفلسطينيين، وكما وصفه رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبدالكريم الكباريتي، في كلمته بمناسبة حفل توقيع الكتاب الذي أقيم قبل أيام في عمان، إذ قال الكباريتي “ظل طاهر المصري رمزا للوسطية فهو يميني مع اليسار ويساري مع اليمين”.

أما هو، فيقول “احتسبني بعض في مربع المعارضة، وبعض آخر في مربع السلطة، لكنني لست في هذا المربع ولا ذاك، أنا ابن الدولة بما تعنيه الدولة من مفهوم واسع عريض وحداثي، أُصنف نفسي مجتهدا يقول رأيه بصراحة”.

8