طاهر رياض الفلسطيني الشامي بهوى دمشقي

الأحد 2015/02/22
طاهر رياض بريشة جمال الجراح: تجربة شعرية عربية مميزة

عمّان - عندما يجتمع مخزون لغوي مقطر من ثقافة أنيقة، مع مخزون من الأحاسيس والمشاعر الإنسانية الراقية، تنطلق القصيدة صاهلة في أرواحنا وقلوبنا عابثة بدمعة خجْلى، وبسمة منفلتة من الزمن المرّ، إنها قصيدة طاهر رياض، الشاعر الفلسطيني الجذور، الأردني المولد، الدمشقي الهوى.

ويكفينا في تعريف القارئ على الشاعر طاهر رياض ما قاله عنه الشاعر الكبير محمود درويش «نادرا ما يتمّ التطابق بين الشاعر وشعره، ونادرا ما يكون الشعر هو الشاعر، لكن طاهر رياض هو شعره: صاف، وشفاف، وصادق، وأنيق. وإذا احتاجت قصيدته إلى تاريخ فهو تاريخ المعنى، والكلمة، والرؤية، والذهاب في محاكاة التجربة الروحية إلى ما يتاح لها من حدّ أقصى. ليس متصوّفا، كما قد يتراءى للبعض، ولكن غوصا في قراءة الأدب الصوفي أغراه بالانخطاف، فعثر في الصوفية على شعرية اتحاد الذات بالوجود، بنزوعها إلى الانشقاق عن الظاهر والتأمّل في مجهول الباطن».

التقته جريدة “العرب” في عمّان، وكانت البداية محاولة لاستجلاء الصورة التي يرى، في سوريا، وعن سوريا التي تثور وتقتل وتدمّر منذ أربع سنوات، وهو الشاعر دمشقي الهوى، الذي اعتقدنا أن هواه آت من كونه عاش فيها لسنوات، فحسب، فقال «عشت في دمشق سنوات صباي وشبابي لأكثر من عشرين عاما. فيها بدأت القراءة الجادة، وفيها شرعت بالكتابة، ونشرت أولى نصوصي في إحدى مجلاتها. فيها عرفت أول حبّ، وآخر حبّ. فيها تأسست صداقاتي الأعمق، وعلاقاتي مع الوسط الثقافي.

وفي أزقتها الحميمة وأسواقها التاريخية تفتحت أولى شرارات أحلامي ورغباتي، من حي الشيخ محيي الدين نزولا إلى الميدان، مرورا بباب توما وباب شرقي، وكل الأحياء والمقامات والجوامع والكنائس، المقاهي والحانات، المكتبات والمسارح ودور السينما، أحفظها كخطوط يدي. روحي تشكلت في عبق هذه المدينة، وسواها من المدن السورية التي زرت معظمها.

في دمشق عرفت معنى “الدولة المخابراتية”، وتعلمت مع لداتي وأصدقائي أن أهمس رأيي بمزيد من الخوف والحذر. لأربعة عقود دأب النظام الأسدي على ترسيخ مفاهيم الخوف وطأطأة الرأس والتلطي خلف الحيطان، ليستتب له تحكمه بمقادير البلاد وأقدار العباد. كثير من أصدقائي المثقفين اعتقلوا وعذّبوا، أو نفوا أنفسهم من بلدهم حفاظا على عقولهم وحريتهم وكرامتهم.

عايشت قصص كل هؤلاء وغيرهم وعانيت معهم مآسيهم. راقبت طيلة تلك السنوات الفساد وهو يستشري برعاية من أجهزة الحكم ليصبح عرفا، والإذلال الذي يمارسه جلاوزة النظام ليغدو واقعا يوميا، والحرية وهي تتقلص وتتقلص حتى تنحصر في الحصول على ربطة خبز وقنينة غاز. لذلك حين هبّ الشعب السوري مطالبا بحريته وكرامته كنت غير مصدق، وأنأ أحيّي فيه شجاعته الفذة، لمعرفتي المسبقة، كما يعرف الجميع، بأن ردّ النظام سيكون وحشيا. وها هو الدم السوري مازال يسيل، والمدن السورية تتهدّم وتتساقط بقنابل النظام وقنابل صنائعه. لكن إيماني راسخ بأن هذا الشعب الذي اكتفى من العبودية، وبذل كل هذه التضحيات من أجل حريته، لن يكف عن نضاله حتى يحصل عليها.
كأنك لا تذكرين: مقاطع من شعر طاهررياض
خبزي وخمري جاهزان وأنتَ لا تأتي

يهوذا سوف يخذلني - كعادته - ويحضر قبل روما،

قبل مريم سوف يرفعني - بحب - فوق صلبان المدينة،

إن خبزي ناضجٌ خمري معتقةٌسيأكلني ويشربني النعامُ

ونملةٌ في جُحرها ستقول هذي حصتي،والعشبُ فوق الصخر سوف يقول هذي حصتي، وسيختلي ليلٌ بليل بعده ويُسرّ: هذا.. كل هذا لي!

مشيتُ على المياه كما أمرتَ وصحتُ بالأعمى: انتبهْ

هم ينصبون لك الفخاخَويكسرون عصاكَ!والموتى ندهتُ عليهمُ فجرا فهبّوا دون أكفانوماتوا مرةً أخرى لكيما يحرجوني..

إن خبزي ناضجٌ.. فكلوه خمري في شراييني..

اشربوها لا عشائي كان سريّاً ولا في غابة أخفيتُ صحبي

أو ملذاتي الحزينة،مثل يوم الناس يومي واقفٌ في ظل نفسي،

أرقب الشمس التي تهوي وتنهضثم تهوي ثم تنهض.. دونما سبب..

وأمس نصبتُ للماضي حبالاً فوق سطح البيت أنشره عليها كي يجفّ وكي يُعدّ لرأسه - إن شاء - مشنقةًوأرقب في غدي غدَ زهرة برية وغمامة وغبارَ ريحْ.

خبزي وخمري لم يعودا صالحين وأنتَ لا تأتي، سأطفئ شمعةً أشعلتها خمسين ليلاً في انتظاركَ ثم أعتمُ ثم أعتم

كم فكاهيٌ حنيني واشتياقيكم قليل الذوق ما أغبى دخان أصابعيلم تحترقْ روما ولم يورقْ على خشب الصليب دمُ المسيحْ.

***

حزينٌ لأنيَ نمتُ ونام القريبون.. عني ونامت حكايات أمي

وصوتُ أبي المتأمّرُ والبيتُ والدفترُ المدرسيُ وذاك الفضاءُ الطليقُ..وأنيَ وحدي أفيقُ!

***

كم امرأة كنتِ حتى أصادفني الآن وحدي؟و كم ينبغي للحديث الذي بيننا أن يطول لأعرف أن الحكاية لا تسعُ اثنين،

والحبّ لا يسع اثنين، والليل لا يعرف النوم فوق سريرين منفردين، وأنك من شدّة الياسمينْ كأنكِ لا تذكرينْ!

***

لم تكوني هنا.. كنتِ في كل شيء وفي كل لا شيءَ فِيّْ

***

أنا واحدٌ من عَماء جهاتكِ كنتِ تُعرينني من تفاصيل جسميَ

حتى أغيبَ و تنسين عَشرَ أصابعك المنتقاة على كتفيّْ

لكَ أربعون من السنين ومثلُها من قاصرات الطَرف عِينْ

***

سيجوع نهرُكَ مرتين، وسوف تبكي عشرَ مرات،وتفرحُ طولَ عمرك مِثل طفل بالدُمى وبزلّة الكلمات، بالأشياء وهي تقول لا شيئاَ وتكشف ثوبَها الفضفاض عنْ لا شيء..

***

بِنا جسدٌ ساجدٌ في جسدْوشؤونٌ نُذرذرها في الطريق لئلا نضيع،

بنا كلُ ما أغفَلتْهُ الحكايةُ -لحمٌ نُعَرّيه حتى يجفّ وروحٌ يُزمّلها

لا أحدْ.

كتبت القصة شعري.. كيف أكتب شعرا/ وكل كلام أحاوله/ يستحي/ ويغطي فمه؟!».

كثيرا ما نرى الشعراء ينوّعون في أشكال تعابيرهم (قصة، رواية، فن تشكيلي، صحافة وغيرها) ورغبنا في معرفة أكثر الأشكال التي أغرت أو تغري طاهر رياض خارج القصيدة، فأجاب «في بداية علاقتي بالكتابة استهوتني القصة القصيرة، وكتبت عددا منها، متأثرا بأساتذة هذا الفن، كنت في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، لكن الشعر استحوذ عليّ، بعد أن لمست في نفسي ميلا أقوى إلى الإيقاع من ناحية، وإلى الاختزال والإيجاز والإشارة والتلويح، والتي هي من سمات الشعر، من ناحية أخرى وأن لا موهبة لديّ للتفصيل والإيضاح والبيان، والتي هي من سمات السرد.

ومن هنا وجدت إغراء كبيرا بالكتابة المسرحية، فالمسرح كما أحبه وأفهمه هو أقرب الفنون الكتابية إلى الشعر، وقد كتبت عددا من المسرحيات في الثمانينات من القرن المنصرم، وجدت واحدة منها فقط طريقها إلى التحقق على المسرح، كان ذلك منذ ثلاثين عاما. أما باقي المسرحيات فلا تزال بمسوداتها الأولى منسية في أدراجي. واستهواني كذلك الرسم والفن التشكيلي والنحت، فحاولت في يفاعتي أن أعبث بالألون والأشكال، وبنحت الصلصال والخشب والحجر، غير أني، ولحسن حظ هذا الفن، سرعان ما اكتشفت ضآلة موهبتي وعدم قدرتي على إنتاج ما له قيمة».


ميل صوفي


قصيدة “لحني” من ديوان “ينطق عن الهوى”: ربما في الأمر لحن/ إن تكُ الأوّل والآخر/ والقابض والباسط/ والباطن والظاهر/ والغائب والحاضر/ أنت الكلّ في الكلّ/. فمن يا ربّ نحن؟!

يمثل القرآن الكريم والشعر العربي القديم إضافة إلى كتب المتصوفة خزانا لإبداع طاهر رياض، إلا أنه يحلق بفكرته خارج عوالمها بنفس الألق إن لم يكن أكثر حتى يكاد في قصيدته ينسينا مرجعيتها. وحول هذا المخزون وشكل العلاقة به وإعادة إنتاجه، يقول «أنا من المؤمنين أن الكتابة الإبداعية لا بدّ أن يكون لها سند ومرجعية مما سبقها من تراث ثقافي ولغوي، تنبع منه، لتنطلق بعد ذلك شاقة مجراها الخاص، مفسحة، في الوقت نفسه، للروافد المتنوعة أن تغذيها دون أن تلغيها؛ والتراث الثقافي العربي في غاية من الغنى والتنوع.

ومنذ صغري انغمست، ولا أزال حتى الآن، في اكتشاف جمالياته، والتأمل في أسرارها وفنيتها، التي منحتها القدرة لا على أن تكون صالحة للقراءة فحسب، بل وعلى الإيحاء وإثارة المتعة والخيال والوجدان أيضا. وكان لا بدّ لهذا الانغماس في التراث بأشكاله كافة، والتشبع من كشوفاته المتجددة، أن تظهر في شعري تقاطعات فنية ومعنوية مع بعض نصوصه وهي تقاطعات بمقترحات جمالية تخص تجربتي الشعورية والروحية والفنية، وليست إعادة صياغة لتلك النصوص أو تكرارا لأساليبها. فعندما أستعير، مثلا، جملة من القرآن أو من قصيدة تراثية أو من شطحة صوفية، فإني أعمد إلى وضعها في سياق يختلف، بل ربما تتعارض مع السياق الذي كانت فيه، وإن كانت تلمح إليه وتذكّر به».

من قصيدة “رباعية ميم”، ديوان “الأشجار على مهلها”: حين لوّحْتِ هبّت مَناديل من حبق ناشف/ سال نهر من البرتقال المهيّج/ ما بين صدري وصدرك/ أصغيت../ثم أزحت الهواء قليلا/ رأيتك في زفة العري نائمة/ والسماء تهيّئ صلصالها.


قصيدة النثر


وبدعوى الحداثة الشعرية، قرأنا ونقرأ قصائد ودواوين شعرية نبذت الأصفر والمشطور (الشعر العربي القديم) وصاحبها، فما عرف الأصفر ولا المشطور أساسا ليعرف كيف ينبذهما. كما أن كتابة القصيدة أصبحت مستسهلة من قبل الكثيرين وأصبح “شاعرا” كل من ركب جملتين أو ثلاثا بمفردات مأخوذة من هنا وهناك، وتعقيبا على الحالة التي وصل إليها الشعر العربي الحديث من غياب للمعيار، يقول «لا أدري سبب هذا الهوس عند كثير من الناس على لقب شاعر!

على الرغم من أنه لقب لا يحظى بكثير من الاحترام في مجتمعاتنا العربية! مع ذلك تخرج لنا المطابع ودور النشر والصحف عشرات الكتب يوميا، يصرّ كاتبوها قبل أيّ شيء أن يفرضوا هويتها المفترضة بتوضيح كلمة “شعر” على الأغلفة! ناهيك عما أتاحته وسائل الاتصال على الأنترنت، لكل من شاء أن يكتب ما يشاء كما يشاء مصرّا على أنه شعر، أبى من أبى وشاء من شاء! وليس لديّ أيّ اعتراض على حق أيّ إنسان أن يكتب شعرا، لكن عليه أن يظهر موهبة أصيلة مصقولة بثقافة ومعرفة، وأن يثير نصه في المتلقي رعشة الإحساس بالجمال والفن، ويضيف إلى روحه وخياله ما يجعل حياته أجمل وأعمق.

وفي رأيي إن هذه الفوضى مردّها أن الشعر، بعد ظهور قصيدة النثر وإلغاء كل المعايير الفنية المتعارف والمتفق عليها، هو أطوع الفنون للتزييف؛ فالرواية مثلا أو القصة أو اللوحة أو القطعة الموسيقية كل هذه لها مواصفات أساسية لا بدّ من معرفتها وإتقانها. فلا يمكن لمن لا يتقن مزج الألوان أن يقنعنا أنه رسام، أو لمن يجهل السلم الموسيقي الادّعاء أنه ملحن. أما الشعر، وفي غياب المعيار والأساس الفني، فإنه بات يسهل على أيّ كان أن يجمع بعض الكلمات إلى بعضها، ويوزعها على الصفحة، ويتحدّاك أن تثبت له أن هذا ليس شعرا!».

من قصيدة “حلّاج الوقت”، ديوان “حلّاج الوقت”:

الشعر أطوع الفنون للتزييف

كيف رأيتَ الموت؟ “كبشا أملح يُذبح”/ لكني حين دنوت/ لم أر موتى/ كانت تيجان من ياقوت/ تهوي في العتمة/ أشجار تنضو عفّتها/ وسماء ترتعد.


تستهويني الموسيقى


وطاهر رياض لا يكتب شعرا فقط، بل يؤلف لحنا موسيقيا بالكلمات، وهذا ما دعا الموسيقي الأردني نصر الزعبي والسوري بشار زرقان إلى استخلاص النغم الخالص في قصيدته وتقطيره بكل براعة وتقديمه بعذوبة بالغة. وفي ما إذا كانت كل قصيدة تحمل نغما، وكل قصيدة حاملة لنغم يمكن أن تلحن وتغنى، يفيدنا طاهر رياض بالقول «لطالما آمنت أن الشعر تجلّ من تجليات الموسيقى، وليس فرعا من فروع الأدب! فإذا كان الأدب ينحو إلى التبيان والشرح، فإن الشعر يكتفي بأن يضعك في محرق المعنى والحالة الوجدانية والوجودية، وهذا ما تفعله الموسيقى ومن هنا تستهويني الموسيقى الخالصة الصافية. إني أكثر من الأغاني التي لن ينجو لحنها من تأثير المعنى المضمر في الكلمات، أنا أصوغ قصيدتي وكأنني أؤلف لحنا موسيقيا؛ أختار الإيقاع وأنتقي المفردات الملائمة، مراعيا أحرف المدّ، وأحرف الوقف، منتبها إلى مخارج الحروف في الكلمات ومدى انسجامها وتناسبها. وفي تراثنا الشعري العربي لطالما أعجبنا بأبيات شعرية ورددناها بشجن لا لجودة معناها أو جدّته بل لإتقانها الموسيقى».


سراب الماورد


صدرت مؤخرا مجموعته الشعرية الثامنة “سراب الماورد” بعد مرور قرابة الست سنوات على إصداره المجموعة التي سبقتها “ينطق عن الهوى”، وسألناه ما سرّ هذا الإقلال في النشر؟ فقال «الواقع إني مقل في الكتابة أصلا، لا أعتبر نفسي موظفا لدى القصيدة، لا أعيش لأكتب، ولا أكتب لأعيش. أعيش محتفيا بما تمنحني الحياة من جدوى لعيشها، فرحا أو ترحا، قلقا أو تساؤلا، وأكتب حين أحسّ أن هذه الكتابة هي فصل من فصول عيش هذه الحياة، ليست وصفا لها أو تعبيرا عنها.

لا يعنيني عدد ما أصدره من كتب، بقدر ما يعنيني ما يمكن أن تضيئه هذه الكتب من معان وجودية وجمالية في نفسي أولا، وفي نفوس من يقرأها تاليا».

12