طاهر رياض في رحلة صوفية باحثا عن الوجود والكينونة

السبت 2013/12/21
طاهر رياض يحاول استجلاء صورة الشاعر وهو يتماهى مع صورة الأنثى

يواصل الشاعر طاهر رياض رحلته مع الشعر بحسّ صوفي تتكثف معه رؤياه وتمتد على مساحة تلك التجربة الروحية التي تختزن صيرورة العلاقة مع الآخر- الأنثى في توحدها معها،أو حلوليته فيها، ليتحول الخطاب الشعري معها من خطاب موجه إلى الآخر إلى خطاب يستغرق الذات في قرارة وجودها المؤنت وقد فاض عليه بألق الحضور المندغم في أناه.

لا يكتب طاهر رياض عن الحب بل هو يكمل رحلته فيه ومعه، وقد استغرقه كيانا ووجودا وكينونة، فراح يستجلي معاني هذا التحول وأسراره ويستنطق مضمره الروحي والحسي المندغم في كينونته وهواه.

يستدعي عنوان الديوان النص القرآني ويتعارض معه بما يستجيب لمضمرات الخطاب ومطارحاته، فيتحول النفي في النص القرآني إلى تأكيد يعززه الفعل المضارع الدال على الاستمرارية والحيوية، والذي يحيل فاعله المستتر على ضمير الغائب بوصفه الذات التي يتلبسها وحي القصيدة.

وتتأكد تلك الاستراتيجية في العنونة التي يلح فيها الشاعر على فعل النطق ومرجعياته عندما يجعل من العنوان الرئيس عنوانا محوريا ثلاث مرات تتوزع عليه قصائد الديوان بحيث يؤكد ذلك على وحدة التجربة وتكاملها على مستوى مضمون الخطاب وبنيته ورؤياه الجمالية.

ما يميز القصيدة هو تكثيفها العالي في الجواب الذي تقدمه الذات الأخرى للشاعر وهي تلخص له تلك العلاقة بين الذات والحياة

تتميز نصوص الديوان بالتكثيف والاقتصاد الواضح في اللغة مما يحرر النص الشعري من الاستطالات والاستطراد، الأمر الذي يكشف عن علاقة التناص القائمة على مستوى البنية اللغوية بين العنوان والنص، كما يبرز ذلك بصورة كبيرة في عنوان الجزء الثالث من نصوص الديوان التي لا تتعدّى الاسم المقترن بياء المتكلم التي توحي بحميمية العلاقة بين الأشياء والأسماء المجرّدة أو أسماء الأعضاء والذات الشعرية في هذه النصوص الذي يندرج بعضها ضمن مسمّى قصيدة الومضة أو الفكرة نظرا لتكثيفها العالي.

وإ ذا كان الشاعر ينتخب عنوان القصيدة من السطر الأول للقصيدة فإن ذلك يكشف عن الموقع المحوري الذي يمثله بالنسبة للقصيدة التي تظل تدور حوله ممّا يفصح عن الدور الذي يلعبه العنوان بالنسبة للقصيدة، باعتباره تكثيفا واختزالا للفكرة التي يستغرقها النص الشعري ويدور حولها.


داخل وخارج


تذهب نصوص الشاعر التي تستخدم أساليب متعددة في التعبير تتوزع بين البوح والسرد والمنولوج والتناص الديني والومضة الشعرية نحو موضوعاتها بشفافية عالية وتدفق غنائي سلس يستغور أعماق الذات في حركة خطابها نحو الداخل، أو يستجلي الحالة الشعورية التي تستحوذ على حواسه في علاقتها مع الخارج.

النص يتحرر من هيمنة الصوت الواحد

وما بين الذات والموضوع تظل المرأة حاضرة بكل أطيافها ورائحتها التي تمنح حواس الشاعر توهجها وتدفقها وامتلاءها بها. لكن الذات الشعرية في تعبيرها عن تلك الحلولية التي تكتسبها علاقتها مع المرأة تظل حاضرة في وحدتها وهويتها الجديدة التي تلغي حدود المسافة والتمايز فيما بين أناه وأنا الأنثى، لتجعل منهما كيانا أوحد يحنو على ذاته أو يستغرقه كليا:

"أنت هناك وأنت هنا/ وأنا/ كالاثنين/ ولكن كالأوحد/ أيّنا كان، إذا، أنثى/ وأيّنا ذكرا كان؟/ التبسنا".

وكما نلاحظ في هذين النصين المستمدين من قصيدتين مختلفتين نجد أن الشاعر في خطابه يستخدم صيغة الخطاب الذي يتوجه في حركته نحو الآخر، لكنه في المقاطع الأولى يلحّ على شمولية حضور المطر في المكان، يقابله حضور الذات في اكتمال وحدتها وتوحّدها معه، حيث تبدو علاقة التقابل بين الخارج المكان الذي يستولي عليه المطر، وبين أنا الشاعر التي تنتفي المسافة بينها وبين مطر أعماقها.

بينما نجد الشاعر في المقطع الثاني يعبر عن حالة الحيرة والدهشة التي تعتري الذات وهي تحاول أن تستجلي صورة التحول الجديد الذي تندغم فيها أناه مع أنا الأنثى بحيث تنتفي الهوية الجنسانية لكل منهما في هذا التوحّد الذي يلغي المسافة والنوع فيما بينهما.


بنية النص


تتميز البنية الدرامية لبعض نصوص الديوان بالتنامي والصعود الذي يترافق مع تنامي الحوار بين الذات التي تنقسم على ذاتها وبين موضوعها كما في قصيدة ليس البحر بعيدا حيث يتخذ الحوار بين الأنا والآخر في لعبة تشظي الذات وانقسامها بعدا رمزيا يحاول فيه الشاعر أن يماهي بين البحر والحياة مستخدما لذلك قصيدة السلسلة التي تكون فيها الكلمة الأخيرة في المقطع بداية لمقطع جديد. لكن ما يميز هذه القصيدة هو تكثيفها العالي في الجواب الذي تقدمه الذات الآخرى للشاعر وهي تلخص له تلك العلاقة بين الذات والحياة في بعدها الوجودي:

ما بين الذات والموضوع تظل المرأة حاضرة بكل أطيافها ورائحتها التي تمنح حواس الشاعر توهجها وتدفقها وامتلاءها بها

"ليس البحر بعيدا/ لكنك تلهو بالأسماء/ وتعكر ظلي/ ثم بصوت حاف قال: البحر سراب/ مملوء بالماء".

وفي إطار القصيدة الحوارية يستخدم الشاعر قصيدة الأصوات كما في قصيدة هل كنت وحيدا؟ بصورة يجعل النص يتحرر من هيمنة الصوت الواحد عليه ولا سيما أن الشعر هو أكثر الأجناس الأدبية ارتباطا بالذات واستحضارا لها ولسطوتها عليه، ما يدل على انفتاح النص على الأجناس الأخرى ومحاولة استثمار الحوار في تحرير القصيدة من حركتها الخطية، لا سيما أن الشاعر يستخدم تقنيات مختلفة في قصيدة الأصوات عندما ينتقل من مستوى الحوار إلى مستوى استحضار صوت البائع في الخارج ليعود نحو الداخل في منولوج خاص يستحضر فيه قولا لامرأة، لتتركنا نهاية القصيدة في حيرة من أمر الشاعر:

"يبدو أني أفقد ذاكرتي/ أو/ يبدو أني كنت وحيدا/-حقا-/ في “بافوس!".

16