طاهر ميسوم نائب جزائري يواجه مصيره بعد انتقاده لوبيات المال والسياسة

النائب الجزائري السابق طاهر بدأ حياته البرلمانية ثريّاً يتمتع بالحصانة النيابية، وانتهى به المطاف فقيرا مطاردا يذرف الدموع على انقلاب الزمن وجحود الناس.
الخميس 2018/05/10
طاهر ميسوم حالة تجعل العرب يتساءلون ماذا سنفعل بكل هذه الانتخابات والحصانة؟

الأجواء العربية، هذه الأيام، تعج بالانتخابات والتحضير للانتخابات. فمن لبنان الذي لم يهدأ بعده رصاص شوارعه بعد مفاجآت صعود وهبوط كتل سياسية ونواب مشاهير وانهيار تحالفات ونشوء تحالفات، وبعد أن تم إعلان بيروت “شيعية” بحناجر المحتفلين بنتائج انتصار حزب الله الديمقراطي. إلى العراق الذي يوشك على دخول معركة انتخابية، ستكون هي الأخرى من أشرس المعارك. ووسط هذه الأجواء يتساءل العرب عن معنى الديمقراطية وعن معنى أن تكون نائباً منتخباً متمتعاً بالحصانة البرلمانية التي تخولك من النطق باسم الشعب. ويتساءلون كذلك عن معنى العلاقة ما بين العاملين في السياسة وما بين الشعب، وعن مصير من يدفعهم الشعب إلى المقدمة ويحتفل بهم كمنافحين عنه.

وتبرز في هذه المعادلة حالة النائب الجزائري السابق طاهر ميسوم. الذي حين ضاقت الدنيا بما رحبت عليه، لم يجد إلا مكة التي كان يقضي فيها مناسك العمرة والتقرّب إلى الخالق بالدعاء، ليوجّه منها نداءه لرئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة، من أجل التدخل لرفع المظالم التي تلاحقه في كل مكان، ووضع حد لتصفية حسابات لم تتوقف معه منذ خروجه من قبة البرلمان، ووقوفه على حافة الإفلاس وهو الرجل الثري في مسقط رأسه بمحافظة المدية جنوبي العاصمة الجزائر.

فقد بدأ ميسوم حياته البرلمانية ثريّاً يتمتع بالحصانة النيابية، وانتهى به المطاف فقيرا مطاردا يذرف الدموع على انقلاب الزمن وجحود الناس، وإلى مستجد لبوتفليقة كي يتدخل لإنقاذه وإنقاذ مئات العائلات من الإفلاس والجوع.

اللعب مع الكبار

افتقاد ميسوم للرصيد والسند السياسي جعله لقمة سائغة في أفواه خصومه في الحكومة، لكنه استجدى الرأس التي تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن وجود الذين يطاردونه، بوتفليقة ذاته
افتقاد ميسوم للرصيد والسند السياسي جعله لقمة سائغة في أفواه خصومه في الحكومة، لكنه استجدى الرأس التي تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن وجود الذين يطاردونه، بوتفليقة ذاته

لم يندم ميسوم على عهدته النيابية، التي تحول فيها إلى ظاهرة تضاربت حولها الآراء، بين من اعتبرها جرأة على انتقاد كبار المسؤولين في الدولة وبين من وصفها بـ“البهلوانية وهواية الأضواء”.

وقال ميسوم المكنّى بـ“سبيسيفيك” في رسالة نشرها على صفحته الرسمية في موقع فيسبوك إنه “إذا كان شخص لا بد وأن يحاسب في هذه البلاد، فلا بد أن يكون الذي يستهدف استثماراتي ويقطع الرزق عن المئات من العائلات التي تقتات منها. لقد أفقرت وحوصرت وطلبت في رأسي، وحتى أبقاري لم أستطع بيعها بسبب التآمر”.

وحتى هذه اللحظة لا يزال ميسوم متواريا عن الأنظار، بسبب الملاحقات الإدارية والبيروقراطية والانتقام من حملة الانتقادات التي دوى بها صوته في قبة البرلمان خلال العهدة الماضية، واستهدافه لوزراء ومسؤولين كبار في الحكومة، على خلفية ملاحقته لمن كان يسميهم بـ“رؤوس الفساد والتخلف واللوبيات التي تنخر الاقتصاد الوطني”، بأسلوبه البسيط والعفوي المميز، ما أكسبه شهرة تعدّت حدود محافظته ووصلت إلى مختلف ربوع البلاد.

رغم حدة المظالم المسلطة عليه من طرف دوائر إدارية ورسمية بإيعاز من جهات فوقية، فإن افتقاد ميسوم للرصيد والسند السياسي جعله لقمة سائغة في أفواه خصومه في الحكومة، فاكتساب التعاطف الشعبي لا يضمن هيبة الشخصية الكاريزمية، فكما أضحك ميسوم الفئات الاجتماعية في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ذرف الدموع واستجدى الرأس التي تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية للذين يطاردونه، وهو ما يجعله في وضع من يمضغ الماء، لأن الرجل الذي يستنجد به هو الآخر محل استفهام.

وأسرّ مصدر مطلع لـ“العرب” بأن “رئيس حكومة سابق، أكد لمقربيه بأنه سينتقم من النائب ميسوم وسيضغط عليه إلى أن يفلس، انتقاما من جرأته الزائدة في انتقاد مسؤولين كبار ووزراء وكوادر وتحويلهم إلى مهازل أمام نواب البرلمان ووسائل الإعلام والرأي العام”. وهو الوعيد الذي لا يزال يطارد الرجل منذ أن تم الإيعاز للجهات الإدارية في محافظة المدية، برفض ملف ترشح ميسوم للانتخابات التشريعية التي جرت في شهر مايو الماضي، ليتم الاستفراد به وإرغامه على دفع فاتورة انتقاداته.

شجاعة بلا رصيد

يرى متابعون أن الذي أغاظ خصوم ميسوم، ليس الانتقادات في حد ذاتها، بل طريقته البهلوانية وأسلوبه الساخر، فالبساطة هي التي صنعت شعبية وتعاطف الشارع مع النائب المغدور به، وليست المواقف المفصلية والحساسة، فلم يسجل له أنه صوّت ضد مشاريع القوانين المعروضة على البرلمان أو وقف في وجه المحطات التي مررتها السلطة دون الأخذ برأي الشعب، كما هو الشأن بالنسبة لدستور 2016.

ويشهد لميسوم أنه أسال العرق البارد وجعل وزراء يطأطئون رؤوسهم أمام الملأ، على غرار وزير التجارة عمارة بن يونس ووزير الصناعة والمناجم عبدالسلام بوشوارب، خاصة مع استقدامه لكرسي البرلمان لمواد كمالية كانت تستنزف رصيد البلاد من النقد الأجنبي، كمأكولات الحيوانات الأليفة، للاستدلال على ما أسماه بـ“رعاية الوزير للفساد وتبديد المال العام”.

الرأي العام الجزائري يشهد لميسوم أنه أسال العرق البارد، وجعل وزراء يطأطئون رؤوسهم أمام الملأ على غرار وزير التجارة عمارة بن يونس ووزير الصناعة والمناجم عبدالسلام بوشوارب، خاصة مع استقدامه لكرسي البرلمان لمواد كمالية كانت تستنزف رصيد البلاد من النقد الأجنبي، كمأكولات الحيوانات الأليفة
 

ويعرف عنه إعادته قصة “القط بشبش وصديقه مشمش”، التي كانت تدرّس في برامج التعليم الابتدائي في سبعينات القرن الماضي إلى مخيّلة الجزائريين، وإسقاطه لعبرة التحايل واللصوصية التي تنطوي عليها على ممارسات وزارة التجارة واستشراء الفساد في مؤسساتها، ولم يتوان في دعوة وزير الصحة ومدير البنك المركزي للاستقالة.

ذهب ميسوم أبعد من ذلك مع الوزير عبدالسلام بوشوارب الذي شكك في ماضي أسرته، وهي العقدة المثيرة لمشاعر الجزائريين قياسا بالموقف الجمعي تجاه من يعرفون بـ”الحركى”، أي الجزائريين المتعاونين مع الاستعمار الفرنسي أثناء حرب التحرير، والذي يمثل لوبيا غير معلن لإجهاض الاستقلال الوطني منذ العام 1962. ما أربك الوزير أمام زملائه في الحكومة والنواب والرأي العام.

رفعوه عاليا ليسقط بعنف

يعتبر رفض مصالح محافظة المدية لملف ترشح الرجل لعهدة برلمانية ثانية في العام الماضي المنعرج الحاسم في مساره. فبمجرد نهاية الحصانة النيابية تكثفت الملاحقات والمطاردات الإدارية والأمنية بغية تصفية حسابات متراكمة مع الرجل، الذي وجد نفسه يدير ملبنة مشلولة ومحطة توزيع وقود محاصرة بالتقويمات الضريبية، ومزرعة متهالكة، ومئات من العمال في حالة بطالة.

وهو ما اعتبره ميسوم تكالبا عليه من طرف شخصيات نافذة في السلطة، واستغرب قرار رفض ملفه رغم لجوئه إلى القضاء لاستعادة حقه، وأن القضايا المرفوعة ضده من طرف بعض المصالح لم يتم الحسم فيها بأحكام نهائية، وعليه فإن قرار الإدارة لا يمكن أن يكون سوى مقدمة لمرحلة جديدة، لكنه لم يكن يتوقع أن تكون بهذه الحدة التي وضعته على حافة الفقر بعد الثروة والحصانة.

وكان الرجل قد تعرض بدوره إلى حملة شعبية على شبكات التواصل الاجتماعي على خلفية تصويته على التعديلات الدستورية التي أجراها الرئيس بوتفليقة في 2016، في الحين الذي كان لا يتوانى في انتقاد الوزراء ورئيس الحكومة، واعتبره البعض “لعبا على الحبلين”، لكن الحاصل أن الرجل وقع ولم يمسك بأي حبل.

وقال الكاتب باي حميدو “لم تكن دموع ميسوم، دموع تماسيح ولا تمثيلية. بل كانت دموعا صادقة مثلما كانت مداخلته المدوية في البرلمان حول القط المشهور بشبش صادقة، وحتى تصويته بنعم على الدستور كان صادقا، جميع مواقف هذا النائب كانت صادقة. هذا النائب لم يخدع ولم يراوغ أحدا، فقد تصرف وفق ما تمليه عليه طبيعته ووفق أخلاق وطبائع الوسط الذي أتى منه”.

الدهماء هم من صنعوا ظاهرة “سبيسيفيك” زعيما قوميا، وهم أنفسهم من يشنقونه الآن، فقد كان ميسوم صوت الدهماء الصادق، وهم من انتخبوه وجعلوا منه نجما، ثم ما لبثوا أن أحرقوه، وهذه هي طبيعة الدهماء
الدهماء هم من صنعوا ظاهرة “سبيسيفيك” زعيما قوميا، وهم أنفسهم من يشنقونه الآن، فقد كان ميسوم صوت الدهماء الصادق، وهم من انتخبوه وجعلوا منه نجما، ثم ما لبثوا أن أحرقوه، وهذه هي طبيعة الدهماء

وأضاف أن “اللوم كل اللوم على الدهماء الذين رأوا في تصويت ميسوم، بنعم على الدستور قضية رأي عام وخيانة عظمى لثقة الشعب، وهم أنفسهم من جعلوا من النائب بطلا قوميا في ملاحم التهريج، وقبل هذا وذاك هم أنفسهم من انتخبوه وجعلوا منه نائبا برلمانيا، وهم أنفسهم من ينصبون له المشانق حاليا، لكن الحقيقة هي أن جميع هؤلاء هم مشاريع ‘طاهر سبيسيفيك’ مستقبلية، فقط لم تتح لهم الفرصة بعد”.

ليبدو للمتابعين أن الدهماء هم من صنعوا ظاهرة “سبيسيفيك” زعيما قوميا، وهم أنفسهم من يشنقونه الآن، فقد كان ميسوم صوت الدهماء الصادق، وهم من انتخبوه وجعلوا منه نجما، ثم ما لبثوا أن أحرقوه، وهذه هي طبيعة الدهماء “يصعد بك إلى مواقع النجوم حتى يكون السقوط أشد إيلاما وقاتلا”.

مفرزات المشهد السياسي

ظل ميسوم وفيا لمنهجه رغم كل ما وقع له. ما أثار جدلا برلمانيا في الأشهر الأخيرة من العهدة الماضية، بعد إحالته على لجنة تأديب داخلية، قضت بمنعه من حضور ست جلسات متتالية، وهو ما اعتبر خرقا صارخا لحقوق ودور النائب البرلماني. وقال زميله لخضر بن خلاف “إذا كان ممثل الشعب ممنوعا من الحضور لبرلمان الشعب، فمن يمثل هذا الشعب ومن يتكلم بالنيابة عنه؟، في حين حاول النائب عن حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بهاء الدين طيلبة، الاعتداء عليه جسديا واستفزازه لفظيا”.

ومن بين التهم التي وجهها ميسوم إلى وزراء ومسؤولين كبار التردد على العرافين والمشعوذين، فور سماعهم بأي تغيير مرتقب، بغية قراءة مستقبلهم لأنهم يخافون خسارة مزايا السلطة والنزول من أبراجهم العالية. حينها وعد بكشف أسمائهم، لكن أقدار السياسة كانت أسرع منه.

ميسوم الكئيب حاليا بقصته هذه كان قد اشتهر بمواقفه الطريفة، حيث يذكر في أحدها “أخرجت لوزير الصحة عبدالعزيز زياري قارورة ماء فارغة كان يستعملها المرضى في مستشفى بلدة بني سليمان في محافظة المدية بديلا لقوارير السيروم”.

وأضاف “وواجهته بحادثة موت ثمانية مواطنين من بلدة قصر البخاري في عيادة خاصة، وقلت له بأن الجنرال وقائد أركان مؤسسة الجيش محمد العماري مات إثر خطأ طبي، حسب ما أخبرتني به زوجته التي أكدت أن سيارة الإسعاف التي نقلته لم يكن فيها جهاز للتنفس، وقلت للوزير إن الصحة مريضة وليست مجانية مادامت التحاليل  المهمة والأدوية يشتريها المريض من الخواص ليعطيها   للمستشفى، ولو  كانت لديك أنفة لبنيت مستشفى لرئيس الجمهورية. وبعد يوم من سؤالي جاءت مصالح الأمن لمصنعي للحليب ومشتقاته ببلدة قصر البخاري واتهموني بسرقة المياه”.

ميسوم عيّنة من إفرازات المشهد السياسي الجزائري الهش في المؤسسات المنتخبة الفاقدة للشرعية والشخصية. ومع ذلك يبقى نموذجا حيّا لما يتعرض له كل من يعترض على ممارسات مسؤولي النظام، وعلى حدة التعسف والانتقام المنتهج من طرف لوبيات المال والسياسة في البلاد، فكل من يتمرد على نفوذ هؤلاء، يكون مصيره كمصير طاهر ميسوم، إذ لا مجال لمضايقة المصالح والنفوذ حتى ولو كان بطل القصة نائبا برلمانيا يحظى بالحصانة وبالشرعية الشعبية.

12