طبخات رئاسية وحكومية لبنانية باردة في ظل حروب باقية وتتمدد

الأحد 2015/02/22
الجنرال عون سيكون رئيس السيطرة الإيرانية ونبيه بري سيكون الرئيس الشيعي المتماهي مع حزب الله

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن قرب التوصل إلى تسوية في لبنان تأتي بميشال عون رئيسا للجمهورية، وسعد الحريري رئيسا للحكومة، وتبقي نبيه بري على رأس المجلس النيابي.

يقال إن الاتفاق على ترئيس عون سيكون خلاصة تفاهم إيراني سعودي قارب على النضوج، وهو يعنى بتثبيت حيادية لبنان، ومنع النيران المندلعة في محيطه الإقليمي من الوصول إليه.

اللقاء الذي تم مؤخرا في بيت الوسط بين ميشال عون وسعد الحريري والذي اتسم بإيجابية عالية، يقول إن الفيتوات التي كانت موضوعة على وصول الجنرال عون إلى سدة الرئاسة ربما بدأت تتفكك.

كان لافتا كذلك الهجوم الذي شنّته صحيفة الأخبار على لسان أمينها العام إبراهيم الأمين على قائد الجيش عماد قهوجي إثر تصريحه الذي قال فيه “نعم. قائد الجيش، بحكم المركز الذي يشغله، يصبح، تلقائيا، مرشحا رئاسيا بديهيا في معزل عن رأيه، لكنني، شخصيا، أتحدى أيا كان القول إنني فاتحته بشيء يخصّني في هذا الشأن. أما إن حصل تفاهم على اسمي، فلن أتهرّب من تحمل مسؤوليتي الوطنية”.

وأضاف “أقول للعماد عون، لست أنا من يعرقل أو يمنع وصوله الى الرئاسة، بل سأكون في طليعة مهنئيه إذا انتُخب، وربما سأصل قبله إلى قصر بعبدا لتقديم التهنئة له، وما يحول حتى الآن دون ذلك، أن هناك مكوّنات لبنانية تمتنع عن تأييد عون، وهذه ليست مسؤوليتي”.

الأمين اعتبر أن المرحلة لا تتطلب رئيسا توافقيا، وأن فكرة الرئيس التوافقي ليست سوى فكرة سخيفة ينادي بها أقطاب النظام الطائفي كي يضمنوا استمرار زعاماتهم، كما اعتبر الجنرال عون يمثل اليوم رأس حربة المشروع الاستقلالي الحقيقي في لبنان.

إيران تقود حلفاءها من الشيعة العراقيين واللبنانيين والأفغان إلى محرقة متنامية، والسعودية ترى أن ترك إيران تتورط في سوريا واليمن والعراق الطريقة الأمثل لمحاربتها

رفض الكاتب الناطق بلسان حزب الله فكرة أن يكون أي قائد للجيش مرشحا طبيعيا لرئاسة الجمهورية، ورد على تصريح قهوجي مطالبا بتغيير طائفة قائد الجيش إذا كان هذا المنصب يعني اعتبار من يشغله مشروع رئيس جمهورية.

وختم إبراهيم الأمين بدعوة قائد الجيش العماد قهوجي إلى احترام المقامات وخاطبه قائلا “لست أنت يا جنرال قهوجي من يحق له مخاطبة الجنرال عون بهذه اللغة. بل يُفضل احترام المقامات والتراتبية، وأن تذهب إليه، علّه يساعدك على حماية الجيش من جرثومة الوصوليين والانتهازيين، وتأثيرات السياسيين التافهين، وبما يجعلك تختم مسيرتك المهنية، قائدا عسكريا يحمي جنوده بنفسه في أكثر المواقع خطورة”.

إذن الجنرال عون في نظر حزب الله ليس رئيسا توافقيا، بل هو رئيس جبهة الممانعة والصمود والتصدي. كلام الأمين بدا وكأنه توكيد لما كان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله قد نادى به في خطابه الأخير بعدم انتظار أي تفاهمات وحوارات، سواء أكانت أميركية إيرانية أو سعودية إيرانية للشروع في إنجاز الاستحقاقات الداخلية، وحل مشكلة الفراغ الرئاسي.

رئاسة عون المنتظرة لم تأت وفقا لفهم حزب الله إذن نتيجة لتوافقات وتفاهمات، ولن تكون كذلك حتى ولو كانت. إذا ما جاء عون رئيسا فلن يكون ذلك سوى ترجمة طبيعية لواقع انتصار تيار المقاومة والممانعة الذي قد يسمح لسعد الحريري أن يكون رئيس حكومة الحرب على الإرهاب الذي تنحصر مهمته في إدارة هذا الملف ضمن العناوين والمفاهيم التي أرساها الحزب ومن وراءه، والتي تجعل من الإرهابي مفهوما يستحضر حين يستعمل مشهدا سنيا صافيا.

يكمن تنازل الحزب أنه يستثني الحريري من توصيفه للإرهاب ولكن بشرط أن يبذل جدية وفعالية في محاربته، وإلا سيدرج هو كذلك في عداد خريطة ما يصفه هذا المفهوم الذي يسيطر الحزب على منطق تداوله وتأويله، كجزء من منظومة الغلبة التي يحاور الجميع من خلالها.

يرى منطق التفاهم السعودي مع إيران أن أيّ استتباب للأمور في لبنان إنما يصب في مصلحة مشروع الاعتدال. وترى السعودية كذلك أن حزب الله مستعد حاليا في ظل شبكة تورّطاته الواسعة أن يترك إدارة شؤون الدولة في لبنان لتيار المستقبل، طالما ضمن الحفاظ على مصالحه داخليا، وعدم الاعتراض والتدخل في حروبه.

الجنرال عون في نظر حزب الله ليس رئيسا توافقيا، بل هو رئيس جبهة الممانعة والصمود والتصدي

يعتبر المنطق السعودي أن عودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة في ظل هذه الظروف التي تشهد تناميا سريعا لموجة التطرف من شأنه أن يعيد الزخم والبريق إلى مشروع الاعتدال الذي يمكن أن يضمن إعادة إنتاج مشهد إسلام مدني حضاري سلمي، يمكن من خلاله إغواء الغرب والولايات المتحدة لاعتماده بديلا عن الأنظمة الإقليمية التي تسم نفسها بطابع علماني، وتقدم نفسها بديلا عن الإسلام المتطرف.

مقاربة إيران تختلف تماما. يبدو ذلك واضحا في حجم الحذر الذي يبديه التيار العوني على الرغم من وضوح استعداد رئيسه لفعل أيّ شيء في سبيل الوصول إلى سدة الرئاسة. تجلى هذا الحذر في إعادة التذكير بأن أي انفتاح على تيار المستقبل لا يعني نسيان التحالفات والتعهدات السابقة. المقصود بذلك طبعا هو ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار العوني. كذلك يبدو واضحا أن إيران لا ترى في أيّ اتفاق يأتي بالجنرال عون إلى سدة الرئاسة سوى تكريس لواقع تمددها وتوسعها.

الجنرال عون سيكون رئيس السيطرة الإيرانية إذن، ونبيه بري سيكون الرئيس الشيعي المتماهي مع حزب الله لمجلس النواب، ما يدرجه في سياق السيطرة الإيرانية. وسعد الحريري ماذا سيكون في هذه الحالة؟ هل سيكون وحده رئيس الحكومة التوافقي، الذي عليه أن يدير مصالح من يعلنون بوضوح عن عدم توافقيّتهم، أم سيكون رئيس حكومة تشريع مفهوم حزب الله وإيران عن الإرهاب في إطار سياق قانوني.

ربما يكون ما يجمع بين إيران والسعودية في هذه المرحلة هو انتماؤهما إلى مجال البطء، وعدم القدرة على مجاراة العالم وتطوراته. إيران تقدم مشهدا يتوازى مع منطق الانتظار السلبي والتروي السعودي.

إيران تقود حلفاءها من الشيعة العراقيين واللبنانيين والأفغان إلى محرقة متنامية، والسعودية ترى أن ترك إيران تتورط في سوريا واليمن والعراق الطريقة الأمثل لمحاربتها.

تأتي أميركا بعد ذلك بمشروع تدريب المعارضة المعتدلة الذي يستغرق ثلاث سنوات، وهي المدة نفسها التي يستغرقها التفويض الذي طلبه أوباما من الكونغرس لتصميم خطة لمحاربة تنظيم داعش.

عندها سنكون أمام حرب ستطال كل العالم، يتخذ فيها الحلف الأميركي الإيراني عنوان محاربة إرهاب يرتدي وفق الترجمة الإيرانية له، التي وردت على لسان حسن نصرالله طابع الدفاع عن الإسلام كله.

ربما يكون في هذه الحالة تفصيل إيصال الجنرال عون إلى سدة الرئاسة في لبنان بداية لحرب الدفاع عن الإسلام كله، حيث تكمن مهمة سعد الحريري المتطرف للدولة والمؤسسات والجيش في ضبط إيقاع الدولة والمؤسسات، كي تكون قادرة على تأمين الدعم اللوجستي للمقاتلين في هذه الحرب التي يرجّح أن تطول وتطول.

كاتب لبناني
6