طبخة الكذب

الجمعة 2018/02/02

تقيم أغلب الأمهات الدنيا وتقعدها “يا للهول ابني يكذب من أين تعلم هذا السلوك المشين، من علمه ذلك…” وتبرع في اختلاق تمثيلية فاشلة، تنتهي بتسليط شتى أنواع الدعاء على الطفل، وقد يصل الأمر إلى حد عقابه عقابا مبرحا، رغم أن التعامل مع كذب الأطفال بهذه الطريقة قد يفاقم المشكلة بدلا من أن يحلها.

إذا كان الرجل يختلق في اليوم العديد من الأكاذيب ليهرب من أسئلة زوجته المتكررة ورغبتها في معرفة كل صغيرة وكبيرة عن تحركاته، وتستعين المرأة بالكذب لتبرير الكثير من المواقف التي تعتقد في قرارة نفسها أنها لن ترضي زوجها، فإن الطفل سينطبق عليه قول “من شابه والديه فما ظلم”.

وهناك مقولة أخرى شهيرة للشاعر الإنكليزي ويليام ويردسويرث “الطفل سيصبح والد الرجل”، وتعني أن شخصية الرجل تبدأ في التكون منذ مرحلة الطفولة المبكرة.

الطفل لا يختلق الأكاذيب بقدر ما يكتسبها بشكل عفوي من المحيط الأسري والاجتماعي الذي ينشأ فيه، ويوجه تفكيره ويحدد سلوكياته.

وطفل اليوم يعيش في عالم يسهل فيه الخلط بين الحقائق والأكاذيب، بسبب تكرر الأكاذيب أكثر من الحقائق في العديد من الأوساط، وإذا ما نظرنا من حولنا، فإننا سنجد أن جميع الناس قد أصبحوا يستسيغون الكذب ويبررونه.

وبالنسبة للكثير من الأسر لم يعد الكذب ملح الحياة الزوجية بقدر ما هو خبزها اليومي، فالزوجان يمتازان ببراعة فائقة في طبخه لبعضهما بكل أصنافه البيضاء والسوداء، ويكون طفلهما أول من يتذوق وصفتهما، وعندما يجاريهما في ما تعلمه منهما، تكون الطامة الكبرى.

سلوكيات الطفل تتشكّل انطلاقا من الملاحظة والتكيّف مع الواقع المحيط به، حتى من قبل أن يتعلم كيف يعبر عن نفسه بالكلام، ولكن هذا ليس دليلا قاطعا على أن شخصيته ستترسخ منذ الصغر، ولا يمكن أن تتغير وسيكون مريضا بالكذب.

الشيء الإيجابي بالنسبة للطفل أن أكاذيبه لا يمكن أن تنبئ قطعيا بملامح شخصيته عند النضج سواء كانت إيجابية أو سلبية، لأن شخصيته مازالت في طور التشكيل، وستؤثر فيها العديد من العوامل كالجينات وشبكة العلاقات والأصدقاء، والمدارس التي التحق بها، بالإضافة إلى الكثير من التجارب المختلفة التي قد يمر بها.

والجانب المهم في أكاذيب الأطفال بالنسبة للباحثين في علم النفس أنها تكشف عن مرحلة فارقة من تطورهم النفسي، وقد تكون أيضا علامة على ذكائهم.

وقالت إيلينا هويكا، الطبيبة النفسية المتخصصة في مجال نمو الأطفال بجامعة شيفيلد البريطانية “بينما لا يفخر الآباء عادة عندما يكذب أبناؤهم، يمكنهم على الأقل أن يسعدوا لاكتشاف أن أبناءهم يجيدون الكذب، فذلك يعني أنهم سيصبحون أكثر قدرة على التفكير ولديهم مهارات ذاكرة جيدة”.

وشددت هويكا أيضا على أن البالغين يكذبون في نحو خُمس معاملاتهم الاجتماعية، وهو ما يستغرق عشر دقائق أو أكثر، لذلك من المثير للاهتمام أن نعلم الأسباب التي تقف وراء قدرة بعض الأطفال على قول المزيد من الأكاذيب أكثر من الآخرين.

أما لجوء الكبار إلى الكذب فلا مبرر له، حتى وإن كان عن حسن نية وبدافع حماية علاقاتهم أو مصالحهم، لأن حبل الكذب كما يقال قصير، فبمجرد انكشاف الكذبة لا سبيل لإعادة الثقة مع الآخرين إلى نصابها.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

21