طبخ الأمهات مع أطفالهن يجعل حياتهن أسهل

الطهي يكسر الجليد عندما لا تكون هناك أرضية مشتركة بين الوالدين وأبنائهم.
السبت 2019/09/21
الطهي يعلم الأطفال التعاطف

يمكن أن تأخذ مشاركة الأطفال في عملية الطهي منذ الصغر مجهودا أكبر مما يستحق، عندما يكون الوقت ضيقاً، ولاسيما عندما تجلس الأم أطفالها لمشاهدة التلفزيون لتجنب مناقشتهم حول من كسر البيضة، بل وتوفر لها وقتاً أقل لإزالة الأوساخ التي تركوها خلفهم. إلا أن مشاركة الأطفال في طهي الطعام تنعكس بالإيجاب خاصة عندما يساعدون على تقليل وقت ومجهود الطهي لما يكبرون.

لندن - دشن رئيس الطهاة البريطاني جامي أوليفر منذ سنوات حملة من أجل تطبيق معايير أفضل للتغذية، وثمة سؤال يثير حماسه بوجه خاص ويدفعه إلى العمل وهو “كيف نحافظ على استمرار الطهي على قيد الحياة؟”.

ويعتقد أوليفر أن البداية لتحقيق هذا الهدف تكمن في مرحلة الطفولة. ومنذ عام 2017 بدأ أوليفر يروج لنشر نوع أفضل من التغذية في المدارس البريطانية، عن طريق تحسين الوجبات المدرسية وأيضا تخصيص حصص دراسية لتعليم الأطفال فنون الطهي ليعدوا الأطعمة لأنفسهم.

ويرى أوليفر الذي يعد نجما في التلفزيون البريطاني أن الكثير من الأطفال لا يتعلمون الطهي سواء في المنزل أو في المدرسة، مما يعد عاملا مهما يؤدي إلى تناول الطعام غير الصحي.

ويقول إن “لغة الطهي والثقة فيه وحقيقة أنه يماثل التنفس أو المشي، كل ذلك تلاشى”. ويوضح قائلا “إن الطهي لم يعد جزءا واضحا من الحياة اليومية، ولكنه ينظر إليه بدلا من ذلك على أنه حدث أو فعالية”، ويضيف “الكثير مما أفعله يتمثل في كيف يمكننا أن نمكّن الناس -خاصة الأطفال في المدارس- من القيام بالمزيد من أعمال الطهي؟”.

وتابع أوليفر -وهو أب لخمسة أطفال- قائلا “إن هذا الأمر أصبح نوعا من النضال الصعب، وهو نضال تلعب فيه العوامل الاجتماعية دورا كبيرا”، وأضاف “إننا كافحنا ودشنا حملات توعويّة لصالح الصغار حتى يتاح لهم التعلم لمدة 18 ساعة على الأقل من خلال الممارسة العملية للطهي في المدارس، الأمر الذي نجحنا في تنفيذه، ولكن الأطفال ليس لديهم نقود لشراء الطعام”.

وعلى الرغم من ذلك كله يشعر أوليفر بتفاؤل مشوب بالحذر، ويقول “إننا نلحظ تغير العادات الغذائية للأفراد، كما نرى أن الشركات بدأت تسلك سلوكا أفضل وتنظف مكونات المنتجات الغذائية التي تطرحها للتداول، ولا تعتمد على المواد المضافة، مع وضع المزيد من الخضروات والفاكهة في منتجاتها”.

ونجح أوليفر في الحصول على مساندة من بعض الأشخاص لآرائه القوية حول تعليم الأطفال الطهي في المدارس ومتاجر السوبرماركت ووضع البيانات على العبوات الغذائية، ومع ذلك يتم توجيه الانتقادات الحادة إليه من وقت لآخر على مواقع التواصل الاجتماعي، غير أنه لا يعيرها اهتماما.

ويقول إن “تويتر لا يعد مقياسا جيدا لأفعال الناس، ولا أعني بذلك أن تتجاهله، ولكني أعتقد أن ما أفعله من أجل الحصول على نفقات العيش هو أمر بسيط للغاية، وأنا أمارس نفس العمل طوال 20 عاما”.

وتقول عالمة الطب الشرعي والإكلينيكي، شونا إنيس، “إن إشراك أطفالك معك في المطبخ يساعد أكثر من مجرد وضع الأسس لتنشئة طهاة محترفين”، مضيفة أن “الطهي يساعد الأطفال أيضا على اكتساب المهارات الحياتية الأخرى مثل إدراك العواطف والسيطرة عليها”.

وأفادت إنيس بأن ذلك “يحدث عن طريق تحديد العواطف وتنظيمها عندما تسوء الأمور ’لقد أسقطت البيضة! أشعر بالغضب حيال ذلك. حسنًا، إنها ليست مشكلة كبيرة’، وكذلك حل المشكلات ’سأنظف هذه الأوساخ وأحضر بيضة أخرى من الثلاجة’. ومن خلال ذلك، يمكن للأطفال التغلب على بعض عقبات الطبخ واكتساب المهارات وبناء القدرات”.

العمل جنبا إلى جنب مع المراهقين، بدلا من المواجهة، ولاسيما في أوقات الطهي، يمكن أن يجعل الأمر ممتعا لمشاركتهم أمور حياتهم

وأكدت قائلة “ليس هناك شك في أنه من الأسهل بالنسبة لنا أن نتعامل مع أرضية ملطخة بالبيض بشكل أكثر إيجابية عندما يتوافر لدينا الوقت. لذلك يعتبر إنجاز الطهي مع الأطفال في الأوقات الأقل ازدحاما فكرة رائعة، لأن إحداث الفوضى هو جزء أساسي من العملية الإبداعية”، منبهة “لكن بنفس القدر، إذا وجدت أن أطفالك يشعرون بالضيق بسبب انتظارهم لتناول العشاء، فإن تركهم يساعدون على إنجاز شيء -مثل تقليب الصلصة أو إعداد الأطباق- سيجعلهم في الواقع أكثر سعادة”.

وأوضحت “بالطبع يعد التنظيف جزءا من العملية الإبداعية ويجب إشراك الأطفال في ذلك أيضا، إن التنظيف والطهي يمكنهما أن يساعدا الأطفال على تعلم التعاطف”، حيث يقول الطفل مثلا “سأقوم بتنظيف هذه الأوساخ حتى لا تتسبب في انزلاق أحد على الأرضية”، أو “جدتي ستحب هذه الكعكة اللذيذة لأنها تحب الشوكولاتة، وهذه الكعكة تحتوي على الشوكولاته”.

وتحدثت ربين كووك الخبيرة في التثقيف الغذائي الصحي عن تجربتها مع أبنائها قائلة “عندما يعجب الأطفال بخبز الكيك، يأتي بعد ذلك غسل الخضروات واستخدام مقشرة الخضار لتحويل القطع الكبيرة إلى قطع أصغر لتحضير وجباتهم”. وتابعت “كنت أضع كل ما أطبخه، في أواني الطهي، مباشرة على الطاولة وأترك الجميع يساعدون بعضهم البعض. وهذا يقلل العمل بالنسبة لي، ويزيد من اعتمادهم على أنفسهم”.

واستطردت قائلة “في عمر 14 سنة، كان أطفالي يقومون بطهي وجبة واحدة في الأسبوع لعائلتنا. وعندما كانت مات في المدرسة الابتدائية ولويس في المدرسة الثانوية، بدأت العمل مع مؤسسة ستيفاني ألكساندر غاردن كيتشن. أخذت هذه الوظيفة الكثير من وقتي حتى أنها أبعدتني عن منزلي، وكنت أسافر بانتظام إلى المدن المختلفة لتعليم المعلمين كيفية طهي الطعام الطازج مع طلابهم”.

وأضافت “تولّى زوجي جون على مضض مهمة إعداد الطعام في المطبخ، بينما كنت بعيدة وأصبح هو الطاهي الرئيسي. وعندما رآه أبنائي، صمموا على أن يكونوا قادرين على مساعدته في المطبخ، وكانوا سعداء بذلك، لأنهم اعتقدوا أن الرجال قادرون على دخول المطبخ وطهي الأطعمة”.

وأفادت كوك “اختار أبنائي الطبخ كموضوع للدراسة في المدرسة الثانوية، وشعروا خلال مشاركتنا الطهي بالإثارة الكافية التي فاقت عناء التفكير في شراء الأطعمة للطهي بشكل أسبوعي، وبحلول سن الرابعة عشرة، أصبحوا يقدمون وجبة كاملة مرة في الأسبوع، وكنت سعيدةً جداً بتقديم الدعم عند الحاجة”.

وأكدت قائلة  “حتى مع ذلك، كان أبنائي يرتكبون الكثير من الأخطاء؛ على سبيل المثال، في إحدى المرات صنع مات صلصة بولونيز مركزة بعد أن أصر على إضافة الكثير من مسحوق المرقة. وكنتيجة لذلك، قمنا بتجميدها في قوالب الثلج وأضفناها بعد ذلك إلى صلصات البولونيز الأخرى. أنا أكره إهدار الطعام وأردته أن يرى أنه حتى مع ارتكاب أكبر الأخطاء، يمكننا حل المسألة”.

وتقول إنيس “يمكن أن تكون المحادثات الصعبة أسهل عند الطهي، إن العمل جنباً إلى جنب مع المراهقين، بدلاً من المواجهة، ولاسيما في أوقات الطهي، يمكن أن يجعل الأمر ممتعاً لمناقشتهم ومشاركتهم أمور حياتهم”.

ويتفق أليسون بروك -الرئيس التنفيذي في مؤسسة “ريليشنشيب أستراليا”- مع هذا الرأي، حيث أفاد بأن “التركيز على الطهي يساعد على كسر الجليد عندما لا تكون هناك أرضية مشتركة بين الوالدين وأبنائهم. يحتاج الأطفال إلى معرفة أن آباءهم مهتمون بهم ويريدون قضاء بعض الوقت معهم، والطهي هو أنسب نشاط لإثبات ذلك”.

وختمت كوك “لقد ناقشنا معاً مشكلات مثل، عدم وجود أصدقاء، وضرورة التعامل مع معلمين قساة أثناء إعداد وجبتنا”، منبهة إلى أن “التعامل مع المراهقين ليس بالأمر السهل، لكن الطبخ هو أحد الأشياء التي ساعدت ولا تزال تساعدنا طوال هذه السنوات الصعبة”.

21