طبرقة جنة مهملة بسطت مرجانها على سواحل المتوسط

الاثنين 2014/10/20
طبرقة التونسية تتميز بشواطئها الخلابة التي تمزج بين البحر والجبال

طبرقة (تونس)- رغم أنها تمتلك مقومات تؤهلها لتكون المدينة السياحية الأولى في تونس إلا أن مدينة طبرقة، التابعة لمحافظة جندوبة، المعروفة بـ”لؤلؤة سواحل الشمال التونسي”، وبحسب الأهالي والمسؤولين، تعاني تهميشا وتنتظر من يرفع عنها غبار سنين الإهمال وهو ما وعدت به برامج عدة أحزاب خلال الانتخابات التونسية المقبلة.

تمتاز مدينة طبرقة التونسية بامتزاج المناطق الساحلية مع المناطق ذات الجبال فهي تطل على البحر الأبيض المتوسّط بجبالها العالية، وتشتهر بأنشطة الغوص في شواطئها الخلابة، كما تصنّف كثاني أشهر السواحل المرجانية في العالم، وبها مطار هو الوحيد في الشمال الغربي التونسي، وعلى مشارفها يرابط “الحصن الجنوي” شاهقا نسبة إلى سكان جنوة الإيطالية الذين سكنوا المنطقة خلال القرنين 16 و17 م.

ويبلغ عدد سكان مدينة طبرقة 16802 نسمة يقطنون في طبرقة، بينما يبلغ سكان ريفها 30484 نسمة، حسب تقديرات المعهد الوطني لإحصاء (حكومي) يوليو 2013.

“كان يجب أن يصبح حال أهل طبرقة أفضل بعد الثورة (ثورة 14 يناير التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي) ولكن المدينة الساحرة لم يتغيّر حالها، فكم يلزم من الزمن لتنتعش، وهل يحمل المستقبل ما يحلم به “الطبرقيّون” (نسبة لأهل طبرقة)؟”.

المرجان سحر مدينة طبرقة

بهذه الكلمات بدأ موظف شاب بالمدينة، رافضا الكشف عن هويته، مشيرا إلى أن “طبرقة الجنة المهملة ستصبح مقبرة إذا لم تجد من يهتم بها”. هذه النظرة المتشائمة إلى مستقبل المدينة لا يشاطرها فوزي، سائق تاكسي بمدينة طبرقة وهو أب لطفلين أكبرهما في العاشرة والثاني في السابعة.

وقال فوزي إن الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة الصعبة قد دفعته قبل سنوات، حين كان في العشرين من عمره إلى الهجرة إلى أوروبا من أجل البحث عن مورد رزق. وبعد سنوات من الغربة والعمل عاد فوزي وكوّن أسرة صغيرة واليوم لا يرغب في أن يغادر نجلاه طبرقة ولا أن يسافرا إلى الخارج.

ويتمنى فوزي بداية أن تتوفر لابنيه ظروف العيش الملائمة انطلاقا من الدراسة والترفيه ووصولا إلى العمل والعيش الكريم، فهو إن كان يرى أن طبرقة كانت أحسن حالا قبل 10 سنوات، إلا أنه أكد أن باب الأمل يبقى مفتوحا على مصراعيه ويمكن أن يتحقق العكس في المستقبل.

وبحسب فوزي فإن الخطوة الأولى لتجسيد هذا الأمل تتمثل في إحداث قطب جامعي بطبرقة ليوفر خدمة تعليمية دون عناء ومن ثم يوفر مكانا للعمل.

ويرى أنه بالإمكان إنشاء معاهد عليا في اختصاصات التكنولوجيا والسياحة والعلوم البحريّة نظرا لتوفر الظروف المناسبة الحاضنة لذلك، آملا أن يتمكّن ابناه من دراسة المرحلة الجامعية في طبرقة بعد 10 سنوات دون الاضطرار إلى السفر خارجها.

ويقتضي ذلك أيضا -حسب فوزي- تحوّل طبرقة إلى عاصمة لمحافظة جندوبة لكونها القلب النابض سياحيّا، مع إمكانية إحداث أقطاب صناعيّة تعتمد على إنتاج قيمة مضافة للمنتجات الغابيّة والبحريّة والطبيعيّة مثل الرمال والصناعات الإنشائية، وكذلك الاعتناء بصناعة المرجان.

وأرسل فوزي خياله بعيدا وهو يرى بعينين حالمتين القطار يمّر فوق الجسر الذي بقي وحيدا بعد قرار زوجة بن علي، ليلي الطرابلسي، بناء نزل سياحي (فندق) فوق السكّة ويخيّل إليه أنه تم هدم النزل الذي توقفت أشغاله وإرجاع القطار إلى سكّته.

ويتوفر بمدينة طبرقة مطار ولكنه موسمي ورحلاته محدودة ومعلقة منذ الثورة حيث شهد المطار غيابا للمسافرين، وكادت تنعدم حركة هبوط وإقلاع الطائرات.

ويلفت فوزي إلى تراجع إيرادات القطاع السياحي وهو ما لمسه من خلال عمله في نقل السياح ومن خلال تراجع إيراداته، “كما زاد غلق بعض النزل البطالة وتراكمت المشاكل وبات ضروريّا إيجاد حلول”.

سليم السعيدي، رئيس جمعية طبرقة للسياحة البيئيّة والصيد البحري التقليدي (مستقلة)، يرى أنه خلال السنوات القادمة ستكون طبرقة حاضنة محترمة للسياحة الثقافيّة التراثيّة.

تراجع إيرادات القطاع السياحي في طبرقة يزيد من تأزم وضع أهاليها

ويشير السعيدي إلى وجود العديد من المشروعات في طور الإنشاء ستساهم في التنمية المستقبلية للمدينة من بينها مشروع سياحي في محيط الحصن الجنوي، وكذلك تطوير مسلك سياحي غابي مهيأ يمكن من توفير خدمات إضافية للسياح إلى جـــانب تحديـــث بيوت الضيافة بالمناطق الأثريّة.

ويوضح السعيدي أن الغوص في أعماق البحر من الأعمال التي تشتهر بها طبرقة محليا بل وعلى الصعيد الدولي حيث يُنظم سباقان دوليان كل عام: الأول سباق الغوص والثاني سباق المراكب الشراعيّة واللذان يشهدان مشاركة عالمية كبيرة.

أما عيسى مرواني، مدير المندوبية الجهوية للسياحة (حكومي)، فيقول إن طبرقة ستعود إلى مكانتها السياحية مرة أخرى قريبا بالتعاون بين رجال الأعمال والحكومة وهو ما بدأ حيث “سيتم افتتاح نزل أيكولوجي (بيئي) قريبا لأول مرة في تونس يحترم كل قوانــين الطبيعة والمحــيط”.

وبحسب مرواني فإن هذا المشروع يشرف عليه رجل الأعمال التونسي، فايز الرويسي، بهدف تطوير السياحة الاستشفائية والايكولوجية بالمنطقة وقد أنجز هذا المشروع بنسبة 80 بالمئة ومن المقرر تفعيل النشاط فيه في الموسم السّياحي (يوليو – سبتمبر) ما بعد القادم.

ويضيف مرواني: “إضافة إلى ذلك سيتمّ تدشين مشروع اقتصادي ضخم يتمثل في قطب سياحي متكامل يوفر كل الخدمات وأهمها مركب رياضي بمقاييس عالمية مطابقة لمواصفات الفيدرالية الدولية لكرة القدم، وكذلك مركب طبي استشفائي وخطوط تليفيريك (المعبر الهوائي) ومترو يربط بين مختلف مناطق طبرقة”.

وتبقى كل المشاريع رهينة الحكومة القادمة وما ستطرحه الانتخابات من نتائج وتحقيق للوعود، فغالبية الأحزاب المرشحة لانتخابات مجلس نواب الشعب في تونس قدمت حلولا خاصة لمدينة طبرقة.

20