طبرقة وعين دراهم سياحة متنوعة للفصول الأربعة

طبرقة مدينة تونسية تتمدد في حضن عجيب ذراعه الأولى بحر والأخرى جبال وتغري بالزيارة في جميع الفصول.
الأحد 2019/04/07
إطلالة تسكن البال

لا يكفي البحر ولا الغابة ولا الخدمات الجيدة لاستقطاب السياح الذين كثرت طلباتهم وتنوعت خياراتهم، فلم تعد السياحة الترفيهية التي تتمثل في فندق فخم مطلّ على البحر تلبي رغبات سياح القرن الحادي والعشرين، خاصة وأن هناك سياحا يفضلون البحر، وآخرين يبحثون عن الهدوء في الغابات وأجواء الطبيعة الخلابة، وفريقا آخر من السياح يبحث عن شواهد التاريخ وثقافة الشعوب، كل هذه المتطلبات متوفرة في منطقة الشمال الغربي من البلاد التونسية، لكنها تحتاج إلى تعامل جدي من قبل سلطات البلاد المشتغلة بهذا القطاع لتنمي جميع أصناف السياحة في كل فصول السنة.

جندوبة (تونس) - “لا يفصل بيننا في تونس وبين الجزائر سوى جبال وغابات من الصنوبر وشجر السّنط والفلين والزعتر والإكليل، ومع ذلك لا تصلنا أزمة الجزائر السياسية، ولن تؤثر على النشاط السياحي خلال موسمي الربيع والصيف في طبرقة المدينة التونسية التي تتمدد في حضن عجيب ذراعه الأولى بحر والأخرى جبال”، هكذا يستهل الشاب قيس الذي يعمل نادلا في أحد النزل الفخمة حديثه للردّ عن المخاوف من تراجع قدوم الأشقاء الجزائريين إلى أقرب مدينة لهم من ناحية البحر.

ويضيف الشاب الذي يبدو في حديثه وكأنه محلل سياسي يتابع كل صغيرة وكبيرة، أن الأشقاء الجزائريين يأتون إلى تونس ليرتاحوا من ضغوط الحياة اليومية، “هم بيننا دائما ليمرحوا، ولا تحتوي حقائبهم على متاعب، لذلك أتوقع أن يزداد عددهم بعد الأزمة التي فُتحت لها نوافذ الانفراج”.

ولا تستقبل مدينة طبرقة التي تنام على سفوح جبال خمير الجزائريين فقط، بل يأتيها التونسيون والأشقاء الليبيين وحتى من دول الخليج، وكذلك الأجانب الذين يجتمعون حول نغمات موسيقى الجاز في الصيف.

صحيح أن الإقبال السياحي على هذه المدينة المطلة على البحر المتوسط تراجع بعد الثورة، لكن هذا التراجع لم يكن كارثيا لأن الأشقاء الجزائريين لا يغيبون عن المدينة الجارة حتى في الشتاء، ففي احتفالات رأس السنة تمتلئ كل الفنادق وتعم اللهجة الجزائرية الفضاءات الترفيهية والمطاعم والشوارع على مدى أيام، ولا يطول سباتها الشتوي ليحل فصل الربيع ويعود الجزائريون ومعهم التونسيون والسياح العرب في العطل المدرسية، كما أن الليبيين صاروا يقبلون على المدينة في فصل الشتاء، خاصة وان مدينة عين دراهم الرابضة فوق الجبال والقريبة من طبرقة لبضعة كيلومترات، تلبس حلة العريس البيضاء.

لوحة من البحر والأفلاج والجبال
لوحة من البحر والأفلاج والجبال

وعلى الرغم من أنها تفتقد لمسارات تزلج، ولأن القليل من السياح العرب من يحسن أو حتى يعشق رياضة التزلج، فإنهم يأتون للعب بالثلج والاستمتاع ببياضه الذي يكسو الأشجار الخضراء، هي متعة بارزة من خلال ما نشاهده من صور على مواقع التواصل الاجتماعي.

يذكر أن طبرقة وعين دراهم الواقعتان في محافظة جندوبة شهدتا خلال الثلاثية الأولى من 2019 توافد حوالي 70 ألف سائح مقابل 57 ألف وافد خلال نفس الفترة من 2018 بزيادة تقدر بـ19.8 بالمئة وفق مصادر رسمية.

غرب أخضر  مهمل

يقول المرشد السياحي سمير، إن طبرقة وعين دراهم ومدنا صغيرة أخرى تقع غرب البلاد التونسية تمتلك مقومات كل أنواع السياحة، فالجبل المطل على البحر يوفر السياحة الترفيهية وطبرقة ذات الساحل المرجاني توفر متعة السباحة ورياضة الغطس في الصيف، لكنه ينتقد وعود السلطات المشرفة على هذا القطاع بعدم إكمال مشاريعها الكثيرة والمخطوطة على الورق.

ويكتفي سمير في حديثه بذكر مشروع التلفريك كمثال، والذي يربط بين طبرقة وعين دراهم وهو مشروع يمتد على نحو 25 كلم عبر الجبال، وقد تحدثت عنه وزارة السياحة والمسؤولون السياسيون في الحكومات المتعاقبة منذ 2011 كلما حلوا زائرين للمنطقة دون أن يدخل حيز التنفيذ إلى حدّ الآن.

كل العاملين بالقطاع السياحي في المنطقة يتفقون على أن مثل هذا المشروع يمكن أن يجعل المنطقة مع مخزونها الطبيعي قطبا سياحيا يشع على محيطه المغاربي والأفريقي ويفتح آفاقا جديدة على سياح جدد.

الغابة الكثيفة والقرى المتفرقة في جبال خمير هي أيضا تفسح مجالا رحبا لعشاق السياحة البيئية وهواة رياضة المشي وركوب الدراجات الهوائية لاستنشاق هواء نقيّ ورسم اللحظات الجميلة في الذاكرة أو في آلات التصوير والهواتف من خلال صور السيلفي التي صارت اليوم بهجة الشباب الذين يبحثون عن أماكن فريدة يسجلون حضورهم فيها وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي.

زوار عين دراهم يلاحقون العريس الأبيض
زوار عين دراهم يلاحقون العريس الأبيض

الحديث عن هذه المناطق لا ينتهي كما يقول سمير الذي يسهب في تاريخ منطقة الشمال الغربي من البلاد التونسية، معتبرا محافظة جندوبة من أهم المعاقل للسياحة الثقافية في البلاد التونسية، فغير بعيد من مدينة طبرقة وحتى من العاصمة التونسية تنتصب مدينة بلاريجيا التي عرفت أوجها في القرنين الثاني والثالث الميلاديين ومن أشهر معالمها الحمامات العمودية والمسرح والمنازل ذات الطابقين؛ السفلي للسكنى شتاء والعلوي للسكنى صيفا. وغير بعيد عن مدينة بلاريجيا تنتصب مدينة شمتو الأثرية والتي تعود إلى الفترتين النوميدية والرومانية ويمكن تلخيص تاريخ هذه المدينة التي عرفت بمدينة الرخام الأصفر عبر متحفها الذي يصور تاريخها العريق.

ولا يمكن بحال من الأحوال اختصار السياحة الثقافية التاريخية في محافظة جندوبة على مدينتي بلاريجيا وشمتو، فهناك معالم أخرى منها الظاهر ومنها المخفي على غرار آثار قرية بلطة بوعوان وقرية سيدي الهميسي، وتبقى كلها في حاجة إلى حفريات تمكن من اكتشاف المزيد عن الحضارات التي تعاقبت على الجهة.

ويأسف سمير الذي يعرف قيمة هذه المواقع التاريخية ودورها في تنمية السياحة الثقافية، فعلى الرغم من أن بعضها حظي بالصيانة، إلا أن أغلبها يعاني من الإهمال مثل المواقع الأثرية بطبرقة، كما تتواجد ببعض المناطق الريفية مواقع هامة لكنها تعاني أيضا من عدم الاهتمام بها وعدم استغلالها سياحيا رغم المحاولات اليائسة من بعض الجمعيات إلى حد الآن على غرار الحوانيت المتواجدة بقرية سيدي رمضان والتي تعود إلى ما قبل العهد الروماني.

ويضيف المرشد قائلا، لو أعدّ المشاريع السياحية الموجودة على الورق والتي نسمع عنها دائما في الاجتماعات واللقاءات السياسية، ولم نر منها شيئا بعد لقلت أن محافظة جندوبة جنة سياحية على الأرض، رغم أن كل ذلك ليس صعب التحقيق لو أنجزت الحكومة ما وعدت به، من ذلك مشروع ساحل المرجان الذي يتكون من ميناء ذي مياه عميقة لاستقبال الرحلات البحرية الضخمة في طبرقة وميناء خاص باليخوت الكبيرة ومركّب ثقافي ورياضي ومركّب صحي.

الشمال الغربي في تونس قطب سياحي رائد لو أنجزت الحكومة ما تعد
الشمال الغربي في تونس قطب سياحي رائد لو أنجزت الحكومة ما تعد

 وكذلك مدينة ألعاب تمتد على نحو خمس هكتارات وكورنيش يمتد على قرابة كيلومترين وطريق تجارية وتلفريك داخلي وسط مدينة طبرقة وثان يربط بين مدينتي طبرقة وعين دراهم، ومسالك سياحية وصحية وترفيهية داخل الغابات وإحياء الخط الحديدي الرابط بين تونس وطبرقة، وربط المطار بمدينة طبرقة عبر المترو وإنجاز متحف ضخم بمدينة بلاريجيا وبعث قطار بالعجلات المطاطية يربط بين بلاريجيا وشمتو ومناطق أخرى في إطار تنشيط السياحة الإيكولوجية، كل هذا يفتح باب التساؤل متى يتم ذلك؟

رياضية وعلاج

محمد المرسني صاحب وكالة للأسفار، يؤكد أن القطاع السياحي في المنطقة لا يبعث على التشاؤم، ولكنه يحتاج إلى المزيد من الاهتمام من الوزارة المسؤولة، فالسياحة الاستشفائية ما زالت تحافظ على سمعتها مثل محطة حمام بورقيبة في عين دراهم والتي ما زالت تستقبل الزائرين من الجزائر وليبيا وحتى من دول الخليج طلبا لخدمات استشفائية بالمياه المعدنية الحارّة لعلاج أمراض المفاصل بطرق متطورة، هذا في انتظار ما ستقدمه محطة الاستشفاء بالبخار في قرية بني مطير حين تدخل حيز العمل.

ويضيف المرسني أن السياحة العلاجية توفر 25 بالمئة من جملة الليالي المقضاة بالجهة وهو رقم قابل للتطور بدخول محطة بني مطير طور العمل واستغلال الحمامات الطبيعية الأخرى.

ولا تقل السياحة الرياضية في محافظة جندوبة أهمية عن بقية النشاطات السياحية التي يمكن أن تجعل المنطقة قطبا سياحيا متنوعا وخلال كل فصول السنة، ويؤكد عيسى المرواني مندوب السياحة في المحافظة، أن السياحة الرياضية بدأت تأخذ حظها دوليا وإقليميا، من خلال ما تقدمه مراكز التربصات المخصصة للفرق الرياضية بالمركب الدولي بعين دراهم وحمام بورقيبة للفرق الرياضية من تونس والجزائر وليبيا والخليج، في انتظار العمل والترويج لهذين المركزين على الصعيد الأوروبي خاصة وأن التكاليف اقل قيمة من المراكز الرياضية الأوروبية.

تبقى زيارة طبرقة لا تحتاج إلى تخطيط مسبق فهي تغري بالزيارة في كل الفصول كما أن المناطق المجاورة لها تعود بسكان المدن إلى أجواء السكينة والهدوء في أحضان الطبيعة.

16