طبق الحرية وجبة يومية للموصليين في شهر الصيام

عادت الطقوس الموصلية الخاصة بشهر رمضان بعد تحرير غالبية مناطق مدينة الموصل من سيطرة تنظيم داعش الذي منع الأهالي من الاحتفال بالطقوس الرمضانية الموصلية المميزة. ويؤكد أهالي المنطقة الشرقية من المدينة أنهم الآن يعيشون أفضل رمضان منذ ثلاثة أعوام رغم المصاعب التي تعترضهم في حياتهم اليومية.
السبت 2017/06/10
بهجة الحياة حق للموصليين

الموصل (العراق)- ممارسة الشعائر الدينية بمعزل عن أوامر وتعاليم الدواعش بدأت تأخذ منحى آخر في مدينة الموصل بعدما تحرر الجزء الأكبر منها من سطوة التنظيم الذي حكمها على مدى ثلاث سنوات بحد السيف حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في الأحياء القليلة التي ما زالت تحت سيطرته.

واستبشر الموصليون برمضان وبطعم الحرية بعد أن شهدت المدينة في السنوات الماضية الكثير من الظلم وحرمت العائلات من العادات التي دأبت عليها في رمضان بسبب فرض الدواعش عادات رمضانية تناسب معتقداتهم المتطرفة، كحرمان النساء من التسوق ومنع زيارة الأهل والأقارب وتبادل الطعام والحلويات، وتزيين المنازل، وتحريم لعبة المحيبس اللعبة الشعبية العراقية التي تجمع الموصليين في سهراتهم.

وتعد الموصل من المدن العالمية القديمة ولها عاداتها، وتقاليدها الشعبية التي تزدهر في رمضان خصوصا بين شريحة الرجال والشباب، وتوقفت هذه العادات لسنوات، لكنها عادت الآن.

الحاجة تغيب الأطباق الموصلية اللذيذة

وبعد تحرير الجزء الأكبر من الموصل زينت البيوت شرق الموصل بالمصابيح والأنوار احتفالا بطقوس رمضان التي اعتادها سكانها، داعين إلى تنظيف الأحياء والأزقة، مطالبين الجهات المعنية بالإسراع في إيصال المياه والكهرباء.

وتعج أسواق الموصل منذ الأيام الأولى لشهر رمضان بالمواطنين الذي خرجوا لابتياع احتياجات شهر الصوم، ولأول مرة منذ أعوام لوحظت أعداد كبيرة من النساء في الأسواق.

تقول أم سامر إنها المرة الأولى التي تخرج فيها للتسوق منذ دخول الدواعش، فقد كانت تكلف ابنها بشراء احتياجات المنزل، فقد اختارت الموصليات ملازمة المنزل خشية من بطش المتطرفين. وتضيف “كنا في سجن كله ممنوعات، الآن أنا أخرج إلى السوق دون خمار وقفازات، وأتجول في السوق وأشتري وألبس ما يعجبني”.

وتختم حديثها قائلة “رمضان هذا العام أجمل بكثير، لأننا لم نعد نرى تلك الوجوه الكالحة واللحى الطويلة والشعر الكث للدواعش، كان تجوالهم في الشوارع يثير الخوف والرعب لدى الجميع، أما الآن فقد اختفت إلى الأبد هذه المناظر البشعة”.

ويقول الستيني أبومحمد “لقد عادت مدينتنا التي فقدناها منذ سنوات. عادت لنا الحياة، وبدأنا نتابع أعمالنا اليومية دون ضغوط، ونشاهد التلفاز الذي كان محرما، ونرفع أصواتنا بالأغاني بعد أن كانت تسبب لنا الإعدام والجلد”.

ويقول المدرس محمد محسن “نشعر أن هذا أفضل رمضان يمر علينا منذ ثلاث سنوات، نشعر أن صيامنا يقربنا إلى الله حبا فيه وليس خوفا من داعش. الحمد لله عادت المساجد لتمتلئ مرة أخرى بالمصلين الذين يذهبون إليها بإرادتهم”.

يقول جمال عبدالله “نحن الشباب في الموصل لنا طقوسنا الرمضانية الخاصة ورثناها عن أبائنا وأجدادنا، خصوصا في الليل، حيث هناك ألعاب نمارسها مثل المحيبس، ولنا لعبة خاصة بنا تسمى الفر، كذلك التجمع في المقاهي لتناول العصائر والحلويات، لكن التنظيم المتطرف منع جميع هذه الطقوس واعتبرها بدعة”.

وأضاف “الآن يستعيد أهالي الموصل وشبابها طقوسهم وعاداتهم، ونتمنى قرب تحرير الساحل الأيمن لتكتمل الفرحة وليتم شمل جميع الأهالي خصوصا قبل عيد الفطر لتكن الفرحة فرحتين”.

الإفطار العلني

على نحو غير مسبوق في هذه المدينة المحافظة، رصد مراسل موقع “نقاش” وجود نسبة إفطار عالية في شهر الصيام، والواضح أن ثمة جرأة كبيرة لدى بعض المسلمين في المجاهرة بإفطارهم دون خوف.

عادت البهجة برمضان

لم يحدث ذلك منذ عقود، فقد كانت الشرطة تحاسب من يجاهرون بالإفطار بالحبس البسيط والغرامة، ثم تطور العقاب إلى حد القتل عندما أصبحت اليد الطولى للتنظيمات المتشددة.

الموقف الجديد من التدين برز بوضوح تجاه أهم الفروض الدينية لدى المسلمين وهي الصوم ويفسر بأسباب عدة، فهناك فريق من المفطرين يتعذرون بعدم قدرتهم على الصيام، ومنهم الحاج خضر الحسين (72 عاما).

هذا الرجل قال إنه منذ أن بلغ 18 عاما وهو يواظب على صوم شهر رمضان لكنه لم يفعل هذه المرة. ويضيف “ظروف الحرب والحصار اللذين عشناهما طوال السنوات الثلاث الماضية أثرا سلبا في بنيتي الجسمانية والنفسية إلى درجة لم يعرفني أصدقائي عندما رأوني بعدما تحررنا قبل عشرين يوما”.

“حاولت أن أصوم وعندما أمسكت عن الأكل أقل من خمس ساعات أصبت بالإغماء فاضطررت إلى العدول عن المحاولة، وها هي وصفة الطبيب؛ مقويات ومكملات غذائية”، يقول الحاج بابتسامة علت وجهه الشاحب وهو يشير إلى كيس مليء بالأدوية.

أمثال الحاج خضر كثيرون خاصة بين الناجين الجدد من الجانب الأيمن للموصل، حيث قضى السكان المحليون هناك الأشهر الثمانية الماضية في ظل حصار شديد بسبب بدء العمليات العسكرية، واضطر الكثير منهم إلى تناول وجبة واحدة فقط يوميا.

الفريق الآخر يمثل الشباب نسبة كبيرة منه، هؤلاء يجاهرون بالإفطار من دون عذر أو خوف، ويبدو أن موقفهم جزء من ردة فعل على السلوك المتطرف للدواعش الذين أشاعوا القتل ومصادرة الحريات.

يونس عبدالله (33 عاما)، الذي نجا قبل أسبوعين من موت محقق عندما أطلق الدواعش النار عليه وعلى عائلته لأنهم فروا إلى القوات العراقية، يتناول للمرة الأولى غداءه في مطعم خلال شهر رمضان.

ويعلق على موقفه قائلا “بصراحة كنت ألتزم بالصيام أما اليوم فلست متحمسا لذلك، بل إنني أكثر جرأة على المجاهرة بعدم التزامي بالفروض الدينية ولا أرى المجتمع يلومني على هذا القرار بسبب ما فعل بنا المتطرفون”. ويضيف بعد لحظة صمت انشغل خلالها بوضع لقمة كبيرة في فمه “لو فعلت هذا في رمضان تحت سيطرة داعش لقطعوا رأسي”.

موقف الشرطة

مطعم النجوم في منطقة المجموعة الثقافية شمالي الموصل حيث كان يونس يتناول طعامه كان مكشوفا على غير العادة، فقبل يونيو 2014، لا يسمح إلا لثلاثة أو أربعة مطاعم في مركز المدينة بأن تستقبل الزبائن في رمضان، شرط أن تضع ستارا لتغطية واجهة المطعم لكي لا يرى الصائمون ما بداخله احتراما لمشاعرهم. في عهد داعش لم يكن أحد يجرؤ على فتح مطعمه في أوقات الصيام، وإلا علقوا جثته على أحد أعمدة الكهرباء.

الشرطة لا تتدخل حاليا في فرض الصيام على السكان المحليين، بل أصدرت تعليمات خاصة بهذا الشهر كإجراء احترازي لمنع أي خروقات في المناطق المحررة، لا سيما وأن المدينة تعيش وضعا استثنائيا. وحثت الشرطة أصحاب المطاعم التي تفتح أبوابها في رمضان على مراقبة وتفتيش كل من يدخل إليها خوفا من تنفيذ هجمات إرهابية فيها.

أسواق الموصل

بعد تحرير شرق الموصل عاد الازدحام إلى أسواق المدينة وعادت البهجة برمضان بعد ثلاث سنوات عانى خلالها السكان الأمرين. وتتوفر جميع المواد الغذائية والخضر والفاكهة واللحوم والدجاج، وأسعارها أقل بكثير مما موجود في أسواق العاصمة بغداد، ويرجع الأهالي سبب ذلك إلى تكاتف أهالي الموصل وخاصة التجار الذين يفهمون أنهم لا يستطيعون تحقيق الأرباح العالية على حساب المواطن البسيط.

عندنا إلى المقهى والتدخين

يقول محمد سلمان، وهو سائق شاحنة نقل، “إن مدينة الموصل تحتاج يوميا إلى كميات كبيرة من المواد الغذائية والأطعمة نتيجة قدوم شهر رمضان، لا سيما أنها كانت فارغة من كل شيء”.

آمنة بشير ربة بيت تؤكد أن وجبة الإفطار خلال شهر رمضان في عهد داعش لم تكن الوجبة الموصلية للكثير من الأهالي بسبب الوضع الاقتصادي السيء للناس، حيث فرص العمل قليلة وتعليمات داعش أوقفت الكثير من مجالات العمل، “الكثير من أقربائنا ومعارفنا كانوا يشكون ضيق اليد ولم يكن الموصليون يتنعمون بالوجبات اللذيذة كما باقي الصائمين في العالم”.

ويقول عبدالكريم يونس “لم نعرف طعم رمضان ولم نعرف طعم العيد. كنا محاصرين، الأكل قليل والشرب قليل، لكن تبقى قلة ذات اليد هي العائق أمام متعة الصائمين بالأطباق الموصلية الشهيرة هذه السنة، فرغم الانخفاض النسبي للأسعار، إلا أن القدرة الشرائية ضعيفة”. ويؤكد أبوحسين الذي يعيل عائلة من ستة أفراد أن “الناس لا يملكون القدرة على شراء احتياجاتهم، من أين نأتي بالمال في غياب الرواتب والوظائف؟”.

ويقول أحمد يونس صاحب محل بقالة “نفسية الزبون تغيرت هذا العام نحو الأحسن لشعوره بالأمان والطمأنينة، أما حركة التسوق فهي قليلة، وهذا يعود إلى أن العديد من العائلات لم ترجع إلى منازلها بعد لعدم توفر الماء الصالح للشرب، فالناس لا يزالون يعتمدون على مياه الآبار”، داعيا الحكومة المحلية وحكومة بغداد إلى الإسراع في توفير الماء الصالح للشرب والكهرباء وتعويض العائلات التي هدمت منازلها ليتسنى عودتها إلى ديارها.

لا شك أن فسحة الحرية اليوم أكبر من أي وقت مضى، لكن الوضع ليس نهائيا، قد تتقلص هذه الفسحة أو تزيد، الأمر يتوقف كثيرا على الوضع الأمني، هل يدوم الاستقرار الأمني طويلا أم إنها أشهر عسل تنتهي إلى تدهور آخر خطير؟

أيا كانت النتيجة، وبقدر ما يتمتع الموصليون اليوم بحرية لا بأس بها، ثمة قرابة 150 ألفا من سكان الموصل ما زالوا يعانون الأمرّين بسبب وجودهم حتى الآن تحت سلطة تنظيم داعش، هؤلاء لا يهمهم رمضان ولا أي شيء آخر، هدفهم النجاة من الموت بأي طريقة.

20