طبول الحرب تقرع في لبنان

الخميس 2014/09/04
"حزب الله" يتحجج بخسائر الجيش اللبناني الفادحة في عرسال لإضفاء مشروعية مزعومة على امتلاكه للسلاح

بيروت - تتشابك تعقيدات الثورة السورية وتتفاعل مع أزمة النظام في لبنان في ظل استمرار الشغور في كرسي الرئاسة، وتحت وطأة الابتزاز السياسي المتبادل بين مافيات السلطة التي توافقت على إعادة إنتاج نظام سيطرتها بـ"التمديد لولاية مجلسها في البرلمان"، ومازالت غير متوافقة على باقي التفاصيل بانتظار الإشارات الموعودة من مراكز الهيمنة الإقليمية، المنشغلة أيضا بكيفية تحقيق الاستفادة القصوى من التوسع السريع الواسع لـ"داعش" ولمختلف أشكال "الجهاديات"، التي ابتلعت منجزات الشعبين السوري والعراقي في ثورتيهما ولا يزال.

يبدو أن عوامل عدة قد تقاطعت لتلقي مزيدا من الكوارث على النازحين السوريين في لبنان ومزيدا من الانقسام والخوف لدى اللبنانيين.

من بين هذه العوامل نذكر أولا، أن سحق “النظام الأسدي” للفاعليات المدنية للثورة السورية من خلال التخلص من آلاف الناشطين السلميين بالاعتقال والقتل والتشريد، وبعد أن حوصر الجيش الحر ومنع عنه “أصدقاء سوريا !!” كل مساعدة، أخذت عناصره وكتائبه تلتحق شيئا فشيئا بالكتائب والمنظمات الجهادية (خاصّة “جبهة النصرة” و”داعش”) كونها تتحصل على دعم مادي وتسليحي هائل، ولأنها لا تتعرض كما الجيش الحر للحصار والتجويع، وهكذا سيطرت الجهاديات في غالبية المناطق التي عاد فسيطر على أكثرها “داعش” منفردا، وبذلك زاد قربه من الأراضي اللبنانية وتعاظم الخطر المحدق.

ثانيا؛ فقد دفعت الضربات الجوية التي تشن على مواقع “داعش” في العراق، والتي يبدو أنه فهم الرسالة من ورائها، إلى نقل تركيزه إلى الساحة السورية، طلبا للمزيد من التوسع على حساب الجيش الحر والكتائب المقاتلة الأخرى.

ثالثا؛ تورط حزب الله اللبناني في الصراع إلى جانب النظام في سوريا وتلقيه لضربات متتالية وقوية في معارك القلمون الأخيرة، ما دفعه إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الجيش اللبناني كي يغلق المنفذ الحيوي في منطقة عرسال ويعزل بالتالي منطقة القلمون.

أمّا رابعا؛ عدم اكتراث تنظيمات “داعش” و”النصرة” وسائر الكتائب الإسلامية بمصير ومعاناة النازحين واللبنانيين المقيمين وتعاميها عمّا قد يلحق بهم وبالحاضنة الشعبية من أضرار بالغة وقاتلة نتيجة ممارساتها الوحشية ضد عناصر الأمن والجيش اللبنانيين وصولا إلى ممارسة الجلد بحق أحد ابناء عرسال كتطبيق لـ”حكم شرعي”، وكأنها باتت تسيطر ولم يتبق سوى إقامة مثل هذا (العدل)! وهي بذلك تصرّ على إغلاق المتنفس الوحيد المتاح للقلمون، الّذي لاغنى عنه في الصراع مع النظام والميليشيات الملحقة، ومنها حزب الله..

خامسا؛ الشغور في منصب الرئاسة في لبنان وابتزاز قائد الجيش والتلويح له بهذا المنصب، في رسالة مشفرة موجهة له تفيد بأنّ التورط في الصراع مع الثورة السورية هو بوابة العبور إلى كرسي الرئاسة.

حزب الله الذي ورط اللبنانيين في الموضوع السوري قام بتسليح عشوائي في المناطق الحدودية "لصد خطر داعش"

من جهة أخرى، قد يرى البعض أنّ بعض الكتائب التي تورطت في معركة عرسال ضد الجيش اللبناني والقوى الأمنية كانت قد أخطأت، وهي إذ انسحبت سابقا (مصطحبة معها عددا كبيرا من عناصر الأمن والجيش المختطفين) فإنها قد تراجعت عن هذا الخطأ لتحمي النازحين ولتحتفظ للثورة السورية بالحاضنة المتبقية في أوساط الشعب اللبناني، ولكن بدا أنّ هنالك إصرارا واضحا على تكرار الخطإ، ما يعني أنّ القضية صادرة عن سابق إصرار وتصميم أساسه إمّا غباء مطلق يقوده العمى الأيديولوجي الذي يسيّر هؤلاء، وإمّا اختراق أمني تقوده عناصر لها ارتباطاتها بحزب الله والنظام الأسدي. فهؤلاء هم الوحيدون (شأنهم شأن داعش) الذين أثبتوا عدم اكتراث قطعي بحياة ملايين الناس مشردين كانوا أو معتقلين أو تحت النار.


الانعكاس على الوضع الداخلي


ما إن تمّ بثّ صور نحر أحد الجنود اللبنانيين المختطفين لدى المسلحين، حتى انتفض ذوو المختطفين في جميع المناطق اللبنانية وسرت موجة من التضامن الواسع مع الجيش اللبناني، استغلتها أبواق عنصرية سارعت بنشر الكراهية ضد النازحين السوريين، معتبرة أن التضامن مع الجيش يفرض طرد النازحين أو التخلص منهم بأية طريقة من الطرق، معلنة أن نزوح أيّ سوري إلى لبنان قناع يخفي وراءه “داعشيا”ّ! وعُممت في جميع وسائل الإعلام أخبار كاذبة وشائعات ساهم فيها الإعلام بكل أشكاله بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي والصحف والفضائيات، وكذلك بعض المصادر الأمنية والعسكرية!

وتناقلت وسائل الاعلام المختلفة عن مصادر عسكرية خبرا عن اشتباك بين مسلحين يستقلون حافلة يتم تهريبهم في مناطق سفوح جبل الشيخ، على أنها حادثة جرت بين الجيش من جهة وبين إرهابيين ألقي القبض عليهم وكانوا ينوون القيام بأعمال إرهابية في مناطق لبنانية مختلفة من جهة أخرى.. حتى تبين أنّ المذكورين لم يكونوا مسلحين وأنّ من أطلق النار على حافلتهم ليسوا من الجيش ولكنهم من ميليشيات أحزاب لبنانية متواجدة في المنطقة.

استثارة الحساسيات الطائفية تصب حتما في صالح ائتلاف المافيات الحاكمة فعليا في لبنان، وتصرف النظر عن مسألة إعادة اغتصاب السلطة

وحيث أن سائق الحافلة مع رفيقين له هم من أبناء المنطقة من الذين يقومون بتهريب الأشخاص عبر الحدود، وحيث أن عبور السوريين أصبح اعتياديا منذ ما يقارب الثلاثة أعوام من بيت جن في سوريا باتجاه شبعا في لبنان، فإنّ مثل هذه الأخبار وتداولها بشكل واسع كان له صدى مخيف على المستوى الشعبي المحلي اللبناني وتداعيات خطرة على النازحين السوريين، خاصة أولئك المعدمين المقيمين في المخيمات، في حين أن الأثرياء من السوريين يعيشون معززين مكرمين في بيروت وضواحيها يتمتعون بالبحر والشمس ويقومون بالتسوق ويمارسون الأعمال التجارية والسمسرة على حساب البسطاء في جمعيات الإغاثة العاملة أو حتى الوهمية.


الخطر الطائفي


ولو كان الأمر يقتصر على ذلك لكان يسيرا، ولكن حين يأخذ منحى مذهبيا وطائفيا يصبح أشدّ خطورة. فحرق علم “داعش” في الأشرفية (في بيروت) قد يكون فعلا عفويا صدر عن غاضبين متعاطفين مع الجيش اللبناني، أما إعلان وزير العدل أنّه حوّل طلبا إلى النيابة العامة لملاحقة من أحرق “رمزا دينيا”، وردود الفعل الطائفية الصريحة عليه مثل إحراق الصليب، فكلها عوامل تسهم في جعل الانقسام أكثر حدّية.

وحين نعلم أن من أطلق النار على حافلة جبل الشيخ من طائفة مختلفة عن طائفة سائق الحافلة ومن معه، أيضا لا يخلو الأمر من تداعيات خطرة، خاصة أنّ انتشار السلاح في البلاد أصبح كارثيا.

فحزب الله الذي ورّط اللبنانيين أيّما ورطة في الموضوع السوري قام بتسليح عشوائي في المناطق الحدودية “لصد خطر داعش”، في صفوف حلفائه، كما عرض تسليح القوات اللبنانية (في قرى بقاعية) بقيادة سمير جعجع الّذي يعتبره خصما سياسيا ويكيل له شتى الاتهامات والنعوت.

حادثة عرسال صادرة عن سابق إصرار أساسه إما غباء يقوده العمى الأيديولوجي لـ"داعش"، وإما اختراق تقوده عناصر مرتبطة بحزب الله والأسد

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فبيان جبهة النصرة الّذي أعلن عن إطلاق خمسة عسكريين “سنّة” جاء ليصنف اللبنانيين طائفيا بشكل مقيت.

في محاولة لاستعادة ما تعتقده تلك الجبهة “حاضنة سنية” في لبنان، وليَسِم أتباع تلك الطائفة بتلك السِمة. في حين يحاول السلفيون في طرابلس الاستفادة من حالة التضامن مع العسكريين المختطفين من أجل إطلاق سراح المعتقلين “الإسلاميين” في السجون اللبنانية على خلفية الاشتباكات التي حصلت سابقا مع الجيش اللبناني في مناطق مختلفة من الشمال، بمن فيهم أعضاء في فتح الإسلام وخلايا سلفية أخرى.


النازحون والتداعي السياسي


وهكذا يتم تضييق الخناق على النازحين السوريين، الفقراء منهم تحديدا، كما يضيق الخناق على الجيش الحر المنتشر في المناطق السورية المحاذية للحدود اللبنانية وبتواطؤ جميع القوى المتدخلة في قضية عرسال.

أما في ما يتعلّق بتداعيات الوضع على المستوى السياسي اللبناني، فإن استثارة الحساسيات الطائفية تصب حتما في صالح ائتلاف المافيات الحاكمة فعليا في لبنان، وتصرف النظر عن مسألة إعادة اغتصاب السلطة من ذات القوى التي ثبت عداؤها لمصالح غالبية اللبنانيين الساحقة وتورطها في تبعيات وثيقة لم تجلب للبنان ولا للبنانيين سوى الأزمات الاجتماعية والسياسية وانعدام الأمن والأمان وتهديد الوحدة الوطنية، كما أنّها تغطي على عمق الأزمة المعيشية التي دفعت اللبنانيين موحدين إلى النزول إلى الشارع لفرض إحقاق حقوقهم المشروعة والمسلوبة.

فهل يكون ثمن الوصول إلى كرسي الرئاسة وإعادة اقتسام مغانم السلطة، سببا وجيها وراء وضع المجتمع اللبناني على حافة حرب أهلية وفي أتون خبِره اللبنانيون على مدى خمسة عشر عاما ويزيد؟

7