طبيب وراهب وفيلسوف يبحثون في العالم عن الحكمة

يقضي مبدأ السكون، أو الراحة، في قوانين الفيزياء أن جسما ما يكون في حالة سكون، أو راحة، حين لا تؤثر عليه أيّ قوة، أو أن القوى التي تؤثر عليه متضادة، يلغي بعضها البعض فيصبح مجموعها صفرا. استلهم الفلاسفة هذا المبدأ في بحثهم عن راحة الجسم البشري، فآل بهم التحليل إلى أن هناك نوعين من القوى التي تؤثر على الكائن البشري: قوى خارجية يشعر بها من خلال حواسه، وأخرى داخلية تتمثل في الغرائز والرغبات.
الخميس 2016/09/29
نحن لسنا سوى مسافرين نبحث عن الحكمة (لوحة للفنان زياد دلول)

اجتمع ثلاثة أصدقاء، وهم طبيب الأمراض العقلية كريستوف أندريه، والفيلسوف ألكساندر جوليان والراهب البوذي ومترجم “الدلاي لاما” ماثيوه ريكار، بين أحضان الطبيعة في منزل ريفي لأصدقاء لهم، كي يتبادلوا تجارب الحياة وبحوثهم عن الحكمة والراحة النفسية، وقد كانت صداقة صادقة تجمعهم منذ البداية.

ثلاثة أشخاص مشهود لهم بالتخصص، كلّ في مجال تكوينه، تقابلوا منذ زمن طويل وهم يحلمون بإصدار كتاب مشترك، ليعرضوا فيه حصيلة تجاربهم، وليقدموا عناصر الجواب عن التساؤلات التي تخالج كل كائن بشري حول توجيه وجوده.

التوق إلى الإنساني

هذا الحلم تحوّل إلى حقيقة بعد إصدار كتاب “ثلاثة أصدقاء في بحث عن الحكمة”، وهو عصارة تجاربهم في الحياة، ومحاولة للإجابة عن أسئلة من قبيل: ما هي تطلعاتنا الأكثر عمقا؟ كيف نخفض الإحساس بالانزعاج؟ كيف نتعايش مع الآخرين؟ كيف ننمي قدرتنا على السعادة والإيثار؟ كيف نصير أحرارا أكثر؟ وكانوا حول كل مسألة، يحكون عن تجاربهم، ومجهوداتهم والدروس التي استخلصوها في طريقهم.

وفي كل مرة يقترحون علينا نصائح، تختلف فيها وجهات النظر لديهم، لكنهم يعرجون دائما نحو الأهم.

نشأ الكتاب، الصادر عن دار النشر” ليكونوكلاست”، كما يقول ثلاثتهم “من صداقتنا؛ كانت لدينا رغبة عميقة في محادثة حميمية حول الأشياء التي تعز على قلبنا”، فالكتاب إذن منتوج عملهم الذي يبرز ثلاثة مسالك مختلفة لكنها متكاملة في كتاب شفاف مضيء لتعلم فن الحياة.

الميزة الجامعة لهؤلاء الأصدقاء، على اختلاف تخصصاتهم وميولاتهم، هي التوق إلى كل ما هو إنساني، إذ تحدوهم كلهم الرغبة في تعلّم اللطف والتشبع بالمعروف، فيحكون لنا كيف انبثقت الصحوة الروحانية لديهم، وعن الدور المتواتر والمتنامي للتأمل والنجوى في حياتهم؛ تجربة لرب أسرة عاشها اثنان منهم، وتجربة راهب للثالث وكذلك تجربة شخص في وضعية إعاقة بالنسبة إلى ألكساندر.

هذا الكتاب يستحب تذوقه في مقام كتاب الوسادة؛ بقراءة فصل في كل مرة، مع التأني وأخذ الوقت الكافي لـ”تعلّم الحياة” بما أن حياة برمتها تكفي فقط لنصبح راشدين أو بالكاد بالغين. فكل القراء أجمعوا على أنه من الكتب التي يتوجب أن تكون على مقربة من سرير النوم ليكون متاحا، في أيّ وقت، التعمق في بحره بانتظام عدّة مرات.

“ثلاثة أصدقاء في بحث عن الحكمة”، كتاب هدية وكتاب صديق يمكن اعتباره “حقيبة أدوات” نلجأ إليها كلما ساورنا الشك أو حين نحسّ أن الأمور ليست أبدا على ما يرام. كل فصل يمكن قراءته بشكل منعزل.

ثلاثة أشخاص مشهود لهم بالتخصص، كل في مجاله، تقابلوا وهم يحلمون بإصدار كتاب مشترك ليعرضوا فيه حصيلة تجاربهم

جدوى المكان

يتحلى المؤلفون الثلاثة بروح صدق عالية ومصداقية خالصة وهم يقدمون تساؤلاتهم، والمسالك التي اختاروها للبحث عن أجوبة تقودنا إلى التفكير مليا، لأن المسارات مختلفة وذلك الاختلاف يتيح لنا بالتالي رؤية الأشياء من زوايا مختلفة.

أول درس يمكن أن نستلهمه هو أنه يمكننا أن نكون شخصيات وازنة من العيار الثقيل في كل ربوع العالم دون أن يمنعنا ذلك من الانتفاع بمزايا الصداقة مثلا، كما يمكن أيضا أن نسلك سبلا مختلفة ونبقى على اتصال دائم بما هو جوهري وأساسي. لهذه الأسباب، من دون شك، هم يعاشرون ويقدرون بعضهم البعض. ومن جهة أخرى فإن كتاب “ثلاثة أصدقاء في بحث عن الحكمة ” مدين بولادته إلى خلوة آثر الثلاثة أن يقضوها مجتمعين في منزل ريفي بمنطقة دوردوني زهاء عشرة أيام؛ كان المكان سانحا للتعمق والعودة إلى الذات، ومن ثمّ العودة إلى تقفي خطوات مساراتهم المتبادلة والغوص في ما يساعدهم على عيشة أفضل يوما بيوم.

يمكننا ألّا نشاطر معتقدات أو أفكار هذا أو ذاك لكن لن يخطر قط على بال أيّ أحد أن يجادل في مصداقية هؤلاء الباحثين الثلاثة عن الحقيقة. المؤلَّف قطعة ماس بواجهات ثلاث، تعكس في كل مرة ضوءا مختلفا حول التجربة التي يخوضها كل واحد منهم وجدانيا. أندريه وريكار وجوليان لا يضعون مقارباتهم موضع منافسة بل يتوقون إلى تقديم منظور للمحاكاة إلى القارئ، فلا أحد منهم يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة لكن الفرصة تتاح لكل واحد لتقديم شهادة حول بحثه؛ العوائق التي صادفته والرضا الذي ناله من ممارساته.

الكتاب ألفه ثلاثة رجال، لهم ثلاث مهن، وثلاث كيفيات أيضا لاستعمال العقل وتمرينه. هذا البحث عن الحكمة يُقرأ بسرعة وسلاسة رغم سمكه وحجمه، ننتقل بين النصوص الثلاثة، نستخلص نقاط الالتقاء واختلاف المقاربات، نضحك عند قراءة البعض من النوادر الطريفة، ونستنتج في الأخير أن البحث عن الحكمة بالنهاية هو التزام، في أيّ لحظة، يتطلب القوة والمثابرة من الذات، ومن دون شك الكثير من السماحة و التفهم تجاه الغير.

مشاركة الشخوص ضعفهم

هذه الشهادات المكتوبة تمكننا من استخلاص المادة العضوية لنخاع تلك المسارات الثلاثة، التي بقدر ما هي استثنائية هي في كل الحالات إنسانية للغاية. فبالطريقة التي جعلت هؤلاء الباحثين يجدون في المألوف والمعتاد من الحياة أسبابا للدخول في توافق مع طموحاتنا وانسجام مع مبتغياتنا الأكثر عمقا، لا يمكننا أن نكبح تفكيرنا في حكمة اليونان القدامى، وفي لاو تسو ومونتيني.

معارف متنوعة

وأنت تتابع حوارات الأصدقاء يحضر كمّ هائل من المعارف القديمة، لفلاسفة تركوا بصماتهم، كسبينوزا وديكارت وأفلاطون وكانت، والتي احتفظنا بها في الدولاب مع ذكريات المدرسة؛ بساطة في الكلام عن وضعية الإنسان، بالكلمات والأفكار والأمثلة والمراجع، وقطعا دون أيّ حكم معنوي عن التصرفات.

لا يحسّ القارئ بتاتا أنه على هامش شيء ما أعلى منه للغاية أو يتجاوزه؛ يشارك أصدقاؤنا الثلاثة في هذا المشروع، بحياتهم الشخصية، ولحظات ضعفهم، وتجاربهم وملاحظاتهم. ينصتون لبعضهم البعض، يتكاملون، وتصريحاتهم ليست أبدا دغمائية.

مع ذلك، من خلال عمق التبادل، تبرز دلائل منيرة ضمن البعض من الدروس القصيرة في الحياة، لتساعدنا على ترويض نوبات غضبنا، ولننفتح على الآخرين؛ في تعاطف ورأفة، ورفق وحنو، وعدم التشدد وإلغاء للتعصب، إنها مرتكزات أساسية. إنهم لا يفكون المواضيع الخطيرة ولا المؤلمة، إنهم أصدقاء القراء، ينصحوننا بالتأمل والمناجاة، ونحن في كامل وعينا، حتى نتجرّد وننعزل لزمن عن العالم، حتى ننسلخ عنه، لنصير أفضل مع الآخرين. لعلها دعوة إلى الصلاة.

في هذا السياق علقت قارئة فرنسية شابة بشكل طريف “إن هذه القراءة يجب أن تُكافأ بتعويض من لدن التغطية الاجتماعية لأن المقال بهيج ومضادّ للاكتئاب. على كوكبنا الصغير هذا، ينجح ثلاثة رجال في أن يمزجوا بين أفضل ما لدى الشرق والغرب ليقدموا مساهمتهم لصالحنا المشترك، إنه شيء نادر، خاصة في زمننا هذا حيث التشنجات الدغمائية والتضييق الفكري حول ما يعتبره البعض حقائق؛ شيء ممتع وتفاؤلي. لن يتغير العالم، لكن نظرتنا إليه يمكن أن تتطور. قراءة جيدة!”.

14