طبيعة مراوغة تراوح بين قبح وجمال

من خلال الكولاج والفوتوغرافيا واللوحات الفنية، تصوّر أعمال المشاركين في معرض "المدينة العتيقة" تفسير كل منهم المميز لما تعنيه تلك المدينة من جماليات أو تناقضات.
السبت 2018/05/05
عين أجنبية على مدينة مختلفة

القاهرة- “المدينة المعلقة” هو رحلة في الطرق اللانهائية لتصوير الحياة في مدينة القاهرة، وهو يعد أحد أهم العروض الفنية لهذا الموسم، لفكرته الموحية وللمشاركة الواسعة فيه من قبل العديد من الفنانين المصريين والأجانب أيضا، ممّن عاشوا أو عبّروا على مدينة القاهرة وسجّلوا مشاهداتهم لها في أعمال فنية.

ومن خلال الكولاج والفوتوغرافيا واللوحات الفنية، تصوّر أعمال المشاركين في المعرض الجماعي المُقام حاليا في قاعة “مشربية” بالقاهرة تفسير كل منهم المميز لما تعنيه تلك المدينة من جماليات أو تناقضات سواء للفنان المصري أو الأجنبي.

والمعرض المعنون بـ”المدينة المعلقة” يظهر ويقدّم انطباعات عن مدينة القاهرة المزدحمة بأساليب مختلفة ومثيرة، فمن خلال النظرة الفضولية والمتعمّقة لهؤلاء الفنانين يمكن للمتلقي استكشاف الطبيعة المراوغة لمدينة كبيرة كالقاهرة.

 

كيف تبدو مدينة كالقاهرة في عيون فنانيها؟ وما هي هذه الأشياء التي يمكن أن تعلق بالذاكرة عندما ينظر الفنان إلى تلك المدينة المليئة بالمتناقضات؟ وهل من الأفضل أن يعبر عنها في شكل مباشر، أم يكون الاختزال هنا هو الحل الأمثل؟ هذه التساؤلات وغيرها تجيب عليها مجموعة الفنانين المشاركين في المعرض الجماعي الذي تستضيفه حاليا قاعة “مشربية” في القاهرة تحت عنوان “المدينة المعلقة” والمستمر حتى منتصف مايو الجاري

تنوع الأساليب

بأسلوبه الساخر يعيد الفنان المصري هاني راشد صياغة الوجوه والأجساد والعناصر المختلفة من حوله ليشكل بها معالم لوحاته، ويتّبع راشد نفس أسلوبه في الإضافة والاستفادة من كافة الوسائط المتاحة، كالفوتوغرافيا والطباعة والرسم والتلوين.

ويمثل الشارع المصري أهمية كبيرة بالنسبة إليه، بكل ما يموج به هذا الشارع من حركة وعلاقات إنسانية وبصرية، ويستعين راشد في صوغ أعماله بالكتابات العربية واللاتينية، كواجهة يوظفها في سياق الشكل العام للعمل.

ويسير التشكيلي المصري في مسارين معا في ما يخص بناءه للعمل، فهو يملأ عناصره باللون أو يرسمها بخطوط محدّدة مكتفيا بتحديد الإطار الخارجي فقط، ثم يخلط في ما بينهما، ومن ثم يعطي مساحة للفراغ المحيط بالعمل ليملأه تارة بالألوان الحيادية أو الصريحة، وتارة أخرى يغزله مع عناصر ثابتة تتكرّر في الكثير من أعماله كالكتابات والصور وبقع اللون وغيرها من المفردات المصاحبة.

أما مواطنته الفنانة نادية منير فقد شاركت من جانبها بمجموعة من الصور الفوتوغرافية التي ترصد فيها بعض الجوانب الخفية للمدينة، إذ تتجوّل منير بين عشوائيات القاهرة وشوارعها الجانبية الضيقة، لتقدّم للمُشاهد صورة غير معتادة لمدينة القاهرة، هي صورة لا يعرفها العابر عادة.

وهذه الأماكن والأجزاء الهامشية للمدينة تحمل طبيعة أخرى ربما تكون أكثر دفئا للبعض، في حين لا يرى فيها البعض الآخر سوى التشوّه، هنا أبواب متهالكة، وشرفات معدنية صدئة تشهد على تاريخ غابر لأصحاب المكان الذين رحلوا.

وتتبنى نادية منير في أعمالها البحث حول التوظيف الشعبوي للصورة الفوتوغرافية، بعيدا عن الممارسات الفنية التقليدية، مع التركيز على تمثيل النساء في الصور الفوتوغرافية المنتجة والمتداولة في المنطقة العربية واستخداماتهم الاجتماعية المختلفة عبر النظر إلى الأوضاع الاجتماعية والأشكال المختلفة لتداول الصور، هذا إلى جانب اهتمامها بالتوثيق الفوتوغرافي للشارع المصري.

وبين العارضين المصريين أيضا قدّم الفنان عمرو الكفراوي لوحات نفّذها من وحي مشاهداته للناس في شوارع القاهرة، وجوه الكفراوي ذات ألوان حيادية لكنها مبهجة، هو يرسم الناس بلا ملامح أحيانا كنقاط سوداء تتحرّك في فضاء الشوارع والميادين، أو يقترب منهم في أحيان أخرى مؤكّدا على ملامحهم وسماتهم الشخصية.

 أما الفنان أحمد صبري فيلفت انتباهنا إلى هيئة الشارع التي نكاد لا نراها في زحمة التفاصيل، هذه التفاصيل التي ينحيها صبري من المشهد ليرسم لنا شوارع القاهرة خالية تماما من المارة.

سريالية إيطالية

كولاج وفوتوغرافيا ولوحات تسرد هامشية مدينة معلقة
كولاج وفوتوغرافيا ولوحات تسرد هامشية مدينة معلقة

الفنان الإيطالي كارمينيه كارتولانو الذي يقيم متنقلا بين مصر وإيطاليا، لا يبتعد كثيرا في تناوله للقاهرة عن روح السخرية التي ميّزت أعماله السابقة، وذلك عن طريق المواءمة بين الصورة الفوتوغرافية بطبيعتها المباشرة والصورة الذهنية بحيويتها وقدرتها على خلق توافقات غير محدودة أو ملتزمة بمعايير المنطق البصري.

ويتجوّل كارتولانو بين شوارع وسط القاهرة كجزء من نسيجها، بهيئته الأوروبية وخطواته المتعجلة ولحيته الصغيرة التي يطلقها بلا تهذيب، يتجوّل مشرّعا ناظريه في كل التفاصيل، يصوّر ثم يدمج ما قام بإلتقاطه من صور ببعضها مطلقا لخياله العنان.

لا حدود لتلك التوليفات والتوافقات التي يصنعها الفنان الإيطالي على مساحاته الملونة، علامات إرشادية، ودجاجات، وأصابع موز،  ونقاط عشوائية وخطوط بيضاء.. تتقاطع الخطوط وتتشابك مكونة ما يشبه الكلمات، كلمات باللغة العربية التي يتقنها كارتولانو جيدا ويتحدّثها بطلاقة، مثلما ينطق المقابل العربي لاسمه الإيطالي كما صاغه بنفسه “قارم قارت”، هكذا ينطقه ويردّده أمامك، مؤكدا على حرف القاف، فهو أكثر حضورا وفخامة من “كارمينيه”، كما يقول.

ويرسم كارمينيه في أعماله واقعا سرياليا شديد الغرابة، فالرجال الجالسون على المقهى، والغارقون في اللون الأخضر، ينظرون إلى الكاميرا بابتسامة عريضة، غير عابئين بالأولاد المستحمين على صينية الشاي أمامهم على المنضدة، أو بالحصان الأسود المتجوّل بين أرجلهم.

أما هذه الشرفة المشرّعة بين أرجل الرجل ذو الجلباب، والتي يتوسّطها طبق الاستقبال التلفزيوني والمرأة المكتنزة قد لا تلفت الانتباه أكثر من ملامح الرجل الجالس بينهم في المنتصف، والذي يحمل وجه الدمية، ومساحة أخرى ملوّنة فيها تتجوّل القردة تحت سفح الهرم ممسكة بالمظلات الشمسية، أو تتصدّرها دجاجات حمراء مرتديات ربطات عنق سوداء. وترسم الخطوط البيضاء المتقاطعة عبر المساحات مجالا للحركة، تؤكّد على نفس فكرة المتاهة التي يتحرّك عبرها الفنان بحسه الساخر، الذي يعكس مراوحته البصرية بين ثقافتين.

لقد تحوّلت القاهرة بسكانها وزحامها إلى مادة خصبة للمشاركين في معرض “المدينة المعلقة”، فصخبها وطبيعتها وتاريخها وتركيبتها السكانية والاجتماعية التي لا تخلو من التناقض كلها أشياء تدفعك إلى التأمّل ومحاولة الوصول إلى هذا السياق الخفي الذي يحفظ لها تماسكها ومذاقها اللاذع، ثم ذلك الحضور الطاغي للبشر الذي يسيطر على طبيعتها، ذلك الحضور اللافت في معظم الأعمال المعروضة والمتراصة إلى جوار بعضها لتشكّل في النهاية كيانا واحدا متماسكا ومفكّكا في آن.. تائها وحاضرا.. حميميّا وعدائيّا أحيانا.

13