مارس 09, 2018

طبيعة تبحث عن معنى لصورها في لوحات لبنانية

الفنانة اللبنانية بتينا خوري بدر تشكل دفتر مذكرات من صور متقاطعة في معرض تشكيلي تحت عنوان "طبيعة صامتة" في العاصمة بيروت.
شبه طبيعة صامتة

بيروت – أطلقت الفنانة التشكيلية اللبنانية بتينا خوري بدر على معرضها المقام حاليا بصالة “أرت أو 56 ستريت” عنوان “طبيعة صامتة”، غير أن زائر معرضها سيكتشف أن ما تصنفه بتينا خوري طبيعة صامتة، هو بشكل عام غير المتعارف عليه بأنه كذلك.

وساهمت الفنانة في إرساء هذا الانطباع لدى مُشاهد لوحاتها، عندما قدّمت معرضها بهذه الكلمات “يقول أفلاطون إن الواقع الملموس هو مجرد صورة أو ظل.. العالم الخارجي ينعكس في داخلي ويترك أصداء مدوية، ما هو الكرسي؟ لماذا قماش اللوحة المتروكة على بياضها؟ لوحتي تستكشف أجزاء العالم الخارجي ونثرات من تجاربي الشخصية، ضوء الصباح، الغبار، حجر النرد وعطر وردة..”.

ويشاهد زائر المعرض بضعة لوحات ظهرت فيها أشياء تقف في فضاء اللوحة كوردة وسمكة، وحجرا بلون وردي عنونته الفنانة بـ”قلب من حجر”، وفلكا صغيرا بحجم كرة بيضاء اللون استراح أو على وشك السقوط  من على سطح طاولة لم تستقم متينة على الأرض.

 

بعيدا عن اللوحات التي تتناول أجواء الأزمات وتداعياتها، قدمت صالة “أرت أو 56 ستريت” في العاصمة اللبنانية بيروت معرضا تشكيليا للفنانة اللبنانية بتينا خوري بدر، هو الأول لها في هذه الصالة، تحت عنوان “طبيعة صامتة”، والأعمال المعروضة اختلفت في الأحجام والتقنيات والمواد المستخدمة، لكنها جاءت كلها مُتقشفة الألوان وتعبر عن تقلبات ذهن الفنانة في متاهات التشكيل كطريق للتعبير عن الأفكار، أو في كونه مختبرا يجري فيه تجريب وتفعيل لأنواع مختارة من التقنيات الفنية.

غير أن “طبيعة” بتينا خوري بدر هي في مكان آخر، ربما هي في خاطرة تجول في ذهنها أو مشهد أثر في نفسها كمشهد “صحن مكسور”، قالت الفنانة إنها رأته في إحدى المسرحيات التي قدّمتها المخرجة لينا أبيض.

وقد ساهمت العناوين التي وضعتها الفنانة للأعمال في إيقاع الشرخ ما بين ما هو مُجسد في اللوحات وعين الناظر إليها، ليست في هذا أي إدانة للأعمال المعروضة بقدر ما هو تأكيد على أن الفنانة مازالت في مرحلة إلباس الأشكال أسماء جديدة قد لا تأتي كلّها على مقاساتها، ومحاولة إشراكها في تجاذبات دلالية/بصرية تليق بها وتقدّم للمُشاهد أكثر من مرئيات بألوان قليلة. ومعظم لوحات الفنانة لم تعلق بمفردها، بل وضعتها من ضمن مجموعة لوحات قبل أن تطلق عليها عنوانا موحدا، لعل أجملها وأكثرها دلالة هو “دفتر مذكرات”.

ويمكن اعتبار هذا التجميع غير العشوائي لأكثر من لوحة ما يميز كلية عمل الفنانة، فهي لم تنجز لوحتها في مرسمها، وفي اللحظة التي دمغتها بإمضائها الشخصي، بل حين رأت الآخرين، إن كانوا القيمين على المعرض، أو مُقتني الأعمال كيف “خربطوا” وأعادوا تجميعها بالطريقة التي استساغوها.

رسمت الفنانة حجر النرد في أكثر من لوحة لتؤكد بذلك شعوريا، أو لا شعوريا بأن الحظ أيضا أو الصدفة تتحكم أيضا بالكيفية التي جاورت من خلالها الفنانة لوحة مع الأخرى، وبالتالي تكريس معنى دون آخر للعمل.

وإن كان هناك من ظاهرة ثابتة تقدّمها لوحات بتينا خوري بدر هو أنها، أي الفنانة، ترى العالم عبارة عن أجزاء لصور مفكّكة تستحق الاهتمام للحظة خاطفة، لكنها لم تجد بعد الصيغة الموحّدة التي تودّ أن تظهرها فيها. ولا تعتمد الفنانة الانطباعية في الأسلوب الفني، بل في نوعية النظرة السريعة التي تلقيها على الأشياء لتوثّق حضورها الخاطف المُعرّض للاندثار، إن لم يجد مقرا في طمأنينة المعنى.

وحازت التشكيلية اللبنانية بتينا خوري بدر من الجامعة اللبنانية سنة 2001 ديبلوما، ومن ثم ماجيستيرا سنة 2002 في الفنون الجميلة، لتدخل بعد ذلك معترك التعليم والاشتراك في عدة ورش عمل ساهمت في تطوير ممارستها الفنية.

كما شاركت في عدة معارض جماعية منذ سنة 2000، كان آخرها معرض جماعي اشتركت فيه سنة 2016 في “صالون الخريف” بمتحف سرسق اللبناني.

الفنانة لا تعتمد الانطباعية في الأسلوب الفني، بل في نوعية النظرة التي تلقيها على الأشياء لتوثق حضورها المعرض للاندثار

وقدّمت بتينا خوري بدر في معرضها الأخير أعمالا متقشفة الألوان تكاد تقتصر على اللون الأزرق واللون الأسود واللون الأبيض مع القليل من الأصفر والأحمر، وفي المقابل جاءت أعمالها مشغولة بأساليب مختلفة، فهناك لوحات في منتهى التجريدية أعطتها الفنانة هذه العناوين “كلمات في عمق الأسود” و”نور الصباح”، حتى أن زائر المعرض سيعثر من ضمن هذه المجموعة على أكثر من أسلوب واحد للفن التجريدي إن من خلال ضربات الريشة أو من حيث تركيب اللوحة.

وثمة أعمال أخرى تعتمد التجسيد بشكل واضح كاللوحة التي تظهر فيها سمكة متدلية فوق البحر وبقربه رصيف الكورنيش، واللوحة التي تظهر فيها وردة حمراء مظللة بالأسود مُعلقة في فراغ اللوحة، كما هناك لوحة حضرت فيها هامة إنسانية تقف خلفها فراغ وأمامها فراغ أكبر.

لم يشعر الزائر للمعرض بأن تنوّع أساليب هذه الأعمال له علاقة باختلاف الفترات الزمنية التي رسمتها فيها الفنانة، إذ تبدو كل الأعمال مشغولة في فترة زمنية واحدة قد تمتدّ إلى سنتين لا أكثر. أما تعدّد الأساليب الفنية التي وظفتها بتينا خوري بدر، فهو دليل آخر على أنها في حالة اختبار وتقييم ذاتي لما ستكون عليه لوحتها المستقبلية، وقد تكون أجمل الأعمال التي قدمتها الفنانة هي الصغيرة الحجم والمتماسكة، حيث تكثّفت العناصر البصرية وخفتت وتيرة التأرجح ما بين أسلوب وأسلوب.

وهذا العطش إلى إدخال تفاصيل العالم في لوحات التي لم تتحدّد هويتها بعد، يشي بشوق بتينا خوري بدر إلى تشكيل نص بصري خاص بها وحدها، وفي هذا السياق ربما يكون خيارها مُستقبلا في وضع صيغة فنية متجانسة يبرز فيها فن الفوتوغرافيا، الذي وظفته بجمالية بارزة في أكثر من عمل بتداخل مع فن الرسم، أصوب ما يمكن أن تتخذه.

17