طبيعي في حياتنا الثقافية أن يتعرض الكاتب للشطب

كثيرا ما شكلت ثنائية المحور والهامش موضوع العديد من الأعمال الأدبية وخاصة في ظل هذا التقسيم الذي بات واضحا بين الشمال والجنوب، والحقيقة أن أغلب الكتّاب والروائيين حاولوا تفسير هذه الظاهرة التي غلبت على نصوصهم الإبداعية. “العرب” التقت الشاعر والناقد والباحث المصري فتحي عبدالسميع لتتحدث إليه حول التهميش لأحلام الجنوبيين وآمالهم في تحقيق ما يطمحون إليه، وعن تتويجه بعد العراقيل والمصاعب التي تعرض لها، وعن المشهد الثقافي في مصر بعد الثورة، وعن عدّة مواضيع أخرى، فكان الحوار التالي:
الاثنين 2016/08/15
الشعر ضرورة ومستقبله أعظم من حاضره

عرفت مسيرة الشاعر والناقد والباحث المصري فتحي عبدالسميع العديد من الهزات والمعاناة، وكذلك النجاحات، فعلى مدى أكثر من عشرين عاما خطّ عبدالسميع رحلة طويلة كللت بجائزة الدولة التشجيعية في مجال العلوم الاجتماعية عن كتابه البحثي “القربان البديل”، والذي جاء بعد ست مجموعات شعرية، منها “خازنة الماء”، “تقطيبة المحارب”، “تمثال رملي”، “الموتى يقفزون من النافذة”، إضافة إلى كتاب نقدي بعنوان “الجميلة والمقدس”، وكتاب سيرة بعنوان “الشاعر والطفل والحجر”.

قدم فتحي عبدالسميع، الملقب بـ”شاعر الجنوب” الكثير في مجال الدراسات البحثية، وجاء كتابه “القربان البديل” جزءا من مشروع كبير. عن أسباب اختياره لدراسة هذه الظواهر المتعلقة بالجنوب المصري كجغرافيا وتاريخ وبشر، يجيب عبدالسميع “مشروعي البحثي امتداد لمشروعي الشعري، فقد زرع الشعرُ في كينونتي شغفا كبيرا بالعالم المحيط، وتأمله، ورصده، والتفاعل معه تفاعلا إيجابيا، وقد عشت حياتي كلها في الصعيد، ولم تكن علاقتي بالثقافة علاقة مكتبية فقط، بل كان المكان المحيط مكتبا وموضعا للقراءة، كما كنت مهتما بإعداد أنشطة ثقافية. وجاءت بداية البحث في مجال النقد الأدبي لسد ثغرة نقدية كبيرة جدا يعاني منها المكان”.

ويضيف محدثنا “عشت على مدار عقدين وأنا أناقش الأعمال الأدبية في الندوات، أو أتحدث عن موضوعات ترتبط بالأدب، أو أكتب القراءات النقدية حول أدباء الصعيد، مع شعوري الحاد بتهميش الصعيد ثقافيا، وتهميش المؤسسات لقضايا الصعيد، وفشلها في دراسة الصعيد. بعدها تطور اتجاهي البحثي ليشمل مختلف قضايا الجنوب، ومخزونه الثقافي، وكانت قضية الثأر في صدارة اهتمامي، بسبب شعوري بمآسي ضحايا الثأر التي مكثت أقرأها طيلة ربع قرن، وبسبب المغزى الحضاري الذي يعنيه استمرار تلك الممارسات التي تنتمي إلى زمن ما قبل الدولة، وكذلك بسبب اهتمامي بقضية العنف الإنساني بشكل عام، والتي اعتبرها أم المشكلات البشرية”.

وعن الجائزة التي تأخرت كثيرا يشير عبدالسميع إلى أن “ثمة مشكلة تتمثل في عدم التناغم بين الشعبي والرسمي، وبين المعنوي والمادي، فالجائزة التي حصلت عليها جائزة مادية، تخلو من القيمة المعنوية؛ فجائزة الدولة شعبية، بمعنى أن الحركة الثقافية تعترف بنصك وجدارتك بالجائزة، وحصولك على ذلك الاعتراف أهم من كل جائزة، لكن لا يعني حصولك على الجائزة رسميا، وهناك شعراء كثيرون حصلوا على تلك الجائزة الشعبية ولم يحصلوا على جوائز رسمية، فأفضل الشعراء لم يحصلوا على جوائز الدولة”. ويقول عبدالسميع “أشعر بأني حصلت على جائزة الدولة معنويا منذ أكثر من 20 عاما، من خلال شهادة شعراء ونقاد لهم مكانتهم، لكنني لم أحصل على الجائزة رسميا إلا هذا العام، وهذا هو دليل على التفاوت بين الشعبي والحكومي الذي يبدو طابعا على مستوى الحركة الثقافية”.

المشهد العربي يذكرنا بالمشهد الذي ولد فيه الاتجاه السوريالي العالمي، فالدم العربي المسفوك بشكل جنوني يلعب دور البطولة

شطب الآخر

عن الحملات الشرسة للمنادين بقتل الشاعر أو شطبه من قبل آخرين من مجايليه، يقول ضيفنا “إن التعرض للشطب أمر طبيعي في مناخنا الثقافي، لكن الأمر تجاوز فكرة الشطب في الفترة الأخيرة، حيث يمكن تلفيق التهم من قبل زملاء، وتحرير بلاغات أمنية تعرضك للسجن، وبعد قراءة أحد تلك البلاغات في جريدة الأهرام، توقعت اهتمام الأمن في الصعيد، بسبب حساسيتهم تجاه ما يأتي عبر القاهرة، توقعت مداهمة الشرطة لمنزلي والقبض عليّ، وفي البداية قمت بنسخ ما على جهاز الكمبيوتر من مسودات، ومشاريع بحثية، وكتب في مرحلة المراجعة، وكتابات لم تكتمل بعد، وتركت النسخة عند أحد الجيران، خوفا من مصادرة جهاز الكمبيوتر، وانتظرت سيارات الشرطة في شرفة البيت عدة أيام، لكنها لم تأت، والسبب في ظني، يرجع إلى انتفاض نبلاء الحركة الثقافية، ووقوفهم بشكل واضح وشجاع، ضد البلاغات التي استغلت هجائي لعيد الثلاثين من يونيو”.

وعن المركزية التي جعلت من الجنوب المبدع مهمشا يشير عبدالسميع إلى أن الأساس في العلاقة يأتي من المركزية المتوحشة، فتهميش الصعيد ثقافيا يأتي امتدادا لتهميشه على مستوى التنمية، وفي ظل ذلك الوضع توجد حالة من الشعور بالدونية لدى كل المقيمين في الأطراف، وهناك شواهد لا حصر لها تقرن المبدع الصعيدي بالسذاجة الفكرية، وضعف التجربة، ولا أدل على ذلك من مصطلح “أدباء الأقاليم” الذي كرس لهوية فرعية تفرق بين المبدع القاهري وسواه”.

الواقعية والسوريالية

عن مرحلة التحول من الرافض لقصيدة النثر إلى أن يكون أحد حراسها يقول عبدالسميع “بدأت حياتي الشعرية في منتصف ثمانينات القرن الماضي من خلال الشعر العمودي، ثم انتقلت سريعا إلى شعر التفعيلة، وكانت قصيدة النثر آنذاك مطروحة وفق الرؤية التي طرحتها مجلة شعر اللبنانية، وامتدت مع شعراء السبعينات، ولم تكن التجارب المكتوبة وفق تلك الرؤية تختلف كثيرا عن شعر التفعيلة باستثناء الحفاوة الشديدة باللغة، والصور المجازية الكثيفة، ولم أكن أجد مبررا حقيقيا للتخلي عن الوزن، من أجل توليد الصور الشعرية المبهرة. وكتبت قصائد تم اعتبارها حداثية رغم كونها موزونة، وبعد مجموعتين شعريتين، وأرق وأسئلة ورغبة في الوصول إلى تجربة جديدة، قررت أن أبدأ من الصفر، أن أكتب ببساطة دون سطوة الوزن والمجاز، قررت أن أكتب كتابة تخصني، وتخص واقعي وحياتي اليومية، وهكذا بدأت في كتابة مجموعة “الخيط في يدي” التي صدرت بعد انتظار عام 1997”.

عبدالسميع: عشت ربع قرن أقرأ مآسي ضحايا الثأر

وعن نجاح عبدالسميع فى صهر المسافة الفاصلة بين الواقعية والسوريالية، والذي ظهر واضحا في ديوانه “الموتى يقفزون من النافذة”، يقول “بالنسبة إليّ، مجرد الإصغاء للواقع، والتفاعل معه بشكل عميق، دون أفكار مسبقة، والبحث عن المناطق الجديدة، تؤدي إلى صهر المسافة، فالسوريال جزء من الواقع، خاصة في المجتمع الصعيدي الذي أعيش فيه، ولا نبالغ عندما نذهب إلى القول إن الحياة المصرية تعد نبعا سورياليا متدفقا، من خلال ثقافتها التقليدية، ورؤيتها للعالم وما تمتلئ به من عناصر أسطورية وخرافية وغيبية. وهي تتصادم مع الأفق الحداثي، فتظهر التناقضات العجيبة، إذ أننا نتحرك كما لو كنا نستقل عربة عجيبة، تشكل مزيجا من عربة الكارو والسيارة الحديثة، نعاني باستمرار من الشجار السوريالي بين الحمار و”الموتور”، بين الجمل والفيسبوك، وهذا التناقض يشكل قلب الحياة المصرية الآن”.

ويشير عبدالسميع إلى وجود “وشائج بين المنجز العالمي للشعر المنتمي إلى السوريالية والشعر العربي خاصة في مصر، فمنذ بداية ظهور السوريالية كان المصري حاضرا في التجربة، فهناك جورج حنين، وجماعة (فن وحرية)، لكن الحضور تعرض إلى قمع ثم طمس، لكنه بدأ مرة أخرى في فترة السبعينات، من خلال اهتمام الشعراء بالتجربة السوريالية، وفي ظني أن السوريالية تحمل طاقة تمكنها من الاستمرار، وفي تقديري أن المناخ العربي الآن يبدو مساعدا لبعث الحيوية في الرؤية السوريالية للعالم، فنحن نعيش في أجواء تشبه أجواء الحرب العالمية، بعد تحول العالم العربي إلى مسرح دموي”.

ويضيف محدثنا “المشهد العربي يذكرنا بالمشهد الذي ولد فيه الاتجاه السوريالي العالمي، فالدم العربي المسفوك بشكل جنوني يلعب دور البطولة، وهو يتنقل في العالم العربي كما لو كان يرقص رقصة شيطانية”.

وعن سؤال ماهية الشعر وحتمية وجوده يجيب عبدالسميع بقوله “الشعر جزء من المنظومة الكونية نفسها، فخلق الإنسان يرتبط بتعليمه البيان، والشعر حاضر في الحياة الإنسانية منذ أقدم العصور، وفي مختلف الثقافات والطبقات، وهو كائن في الذات الإنسانية من خلال الأحلام، التي أعتبرها المعلم الحقيقي للشعر، وهو موجود في اللغة التي نتحدث بها، وهكذا تتعدد المظاهر التي تدل على عمق الوجود الشعري في الحياة الإنسانية، الأمر الذي دفعني إلى اعتباره غريزة لا ثقافة فحسب”.

15