طرائق إدارة التراث

الجمعة 2015/05/22

هناك عدد لا يستهان به من الدراسات النقدية الأدبية والفكرية المنصبة على تحليل ونقد مخزون التراث العربي الإسلامي، فضلا عن عناصر أخرى تخص تراث المكونات الإثنية الكثيرة والمتنوعة في الفضاء الممتد من المحيط إلى الخليج.

من بين هذه المشاريع يمكن الإشارة بسرعة إلى محاولات كل من محمود أمين العالم، وحسن حنفي، وأدونيس، وحسين مروة، وزكي نجيب محمود، وعلي زيعور وغيرهم. لقد كان القصد المعلن أو المضمر من وراء إنجاز مثل هذه المشاريع على اختلافها وتنوعها على صعيد التوجه السياسي أو الأيديولوجي أو في أساليبها ومناهجها في إطار ما يسمى بالإحياء الثقافي والفكري للذات التاريخية والحضارية لمجتمعاتنا.

في هذا السياق يلاحظ أن جزءا كبيرا من طقوس العودة إلى مخزون التراث الوطني والإقليمي خاصة قد تميّز بالتمترس بداخله إلى حدّ النكوص الدافع لتحويله إلى مثال الأنا الفردية أو الجماعية على نحو مغلق ومثبت في الغالب. لا شك أن اللحظة التاريخية الدرامية المتمثلة في ثنائية الاستعمار الغربي لبلداننا وعواصف الحداثة الغربية قد كانت ولا تزال بمثابة هزة كبرى مست وزحزحت بقوة مكونات الهوية في مجتمعاتنا، وفي مثل هذا المناخ تم النظر إلى التراث باعتباره سياجا يحميها من التغريب والتحطيم.

هكذا وجدنا أن قضية التراث هي من أكثر ما شغل اهتمام مثقفينا النقاد والدارسين والمبدعين، إذ يحس المرء أن النظر إلى التراث كمثال للأنا هو من أكبر وأخطر المشكلات المطروحة على الفكر العربي وأن هذا التوجه هو المسؤول غالبا على إفراز الأصوليات المتطرفة سلوكا وفكرا، وعلى حجب السبل المؤدية إلى ولادة الفكر النقدي الجذري.

أذكر أن حواري مع محمود أمين العالم بباريس في عام 1981 قد فتح أمامي نافذة مختلفة أنظر منها إلى التراث. قبل ذلك كنت أعتقد لفترة طويلة أن التراث موجود هناك وأنه بإمكاننا أن نحركه ونوظفه كما نشاء، ولكن الصديق الراحل محمود العالم قد نبهني إلى ضرورة فهم التراث ضمن شروطه التاريخية، وأن لا نبحث فقط عن شخصيتنا فيه “لأن الشخصية لا يبحث عنها، وإنما تصنع وتصاغ وتشكل في غمرة العمل والنضال والإبداع″. كما أدركت أن للموروث بكل أنماطه سلطة على الأفراد والجماعات وأنها تحركهم وتتحرك في طبقاتهم اللاواعية غالبا، وأنه لكي نعقل هذه السلطة ونتمكن من التحكم فيها وفي إدارتها فإنه لا بدّ لنا أن نقيم مسافة عنها، وأن نهندس العقل النقدي الذي يعيها ويدرك كيف يشتغل الموروث/ السلطة بداخلنا، وفي مختلف بنيات مجتمعاتنا. في هذا الإطار أيضا لقد عدَلت فهمي للعلاقة بالتراث حسب رؤية فرانز فانون الذي أكد بقوة أنه “إن أردت أن تلتصق بالتقاليد، أو أن تحيي التقاليد البالية، فإنك كنت تعاكس تيار التاريخ بل كنت تعاكس شعبك”.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15