طرابلس الرهان الأخير للإخوان

مع اقتراب الجيش الوطني من تحرير طرابلس، ارتفعت أصوات الإخوان محذرة من انهيار الجدار الأخير، وبدا واضحا أن الجماعة شعرت بالخطر وأدركت أن وصول المشير خليفة حفتر إلى قاعدة بوستة أو طريق السكة، يعني نهاية طموحات الجماعة في حكم ليبيا.
الاثنين 2020/05/11
رهان خاسر

كل أنظار الإخوان في المنطقة والعالم منصبة حاليا على غرب ليبيا، وكل أصواتهم وأقلامهم وأبواقهم وجيوشهم الإلكترونية مجندة لقلب الحقائق، وإظهار الجيش الوطني الليبي في صورة المعتدي الآثم، والميليشيات الإرهابية في صورة القوة الوطنية المدافعة عن الحرية والديمقراطية ومقومات الدولة الوطنية، وتصوير الدخيل التركي على أنه نصير الشعب الليبي الذي لا يهمه إلا نصرة الدين والدفاع عن حقوق المضطهدين، ومرتزقته المستجلبين من شمال سوريا على أنهم مناضلون من أجل تحرير ليبيا من جيشها وشعبها.

كان الإخوان في العام 2011 ينظرون إلى ليبيا على أنها ستكون بيت مال الخلافة والرابطة بموقعها الجغرافي المؤثر بين مشرق الوطن العربي ومغربه، وساحلهم الممتد المفتوح على جنوب أوروبا، وبوابتهم  المفتوحة على دول الساحل والصحراء وعموم القارة الأفريقية التي لا تخلو بدورها من فروع للجماعة، ولعل الجميع يذكر دعوة يوسف القرضاوي بعد يوم من مقتل معمر القذافي، إلى إعلان قيام اتحاد الجمهوريات الإسلامية بين مصر وليبيا وتونس، في انتظار التحاق بلدان أخرى بالركب.

ولكن بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان في مصر في الثالث من يوليو 2013، أصبح هناك رهان آخر على ليبيا، وهو أن تتحول إلى خنجر في خاصرة مصر، لينطلق منها مشروع ضرب أرض الكنانة والثأر من شعبها الذي أطاح بالجماعة والجيش الذي سانده في ذلك، وتحول الشرق الليبي إلى ملجأ للإرهابيين من كل دول الجوار، وساحة للتآمر على الدولة المصرية، وكانت درنة، بالذات، منطلقا للإعداد لتشكيل ما سمي آنذاك بـ”الجيش المصري الحر” على غرار الجيش السوري الحر، بدعم قطري تركي لم تكن إيران بمعزل عنه، لكن إطلاق عملية الكرامة في منتصف مايو 2014 سارع بالقضاء على المشروع.

تحرر شرق ليبيا من الإرهاب وأسقط الجيش حسابات الإسلام السياسي في ماء البحر المتوسط، أو دفنها في الصحراء الشرقية، وقام في بداية العام الماضي لتحرير الجنوب، وانطلق في أبريل 2019 لتحرير العاصمة، وصادف أن تزامن ذلك مع إطاحة السودانيين بحكم الإخوان الذي كانت له أياد ملوثة بدماء الليبيين، فأصبح الرهان على منطقة غرب ليبيا مضاعفا، خصوصا وأن إقليم طرابلس مجاور لتونس الخاضعة بدورها لحكم الإخوان من خلال حركة النهضة الإسلامية، والتي لا يمكن فصلها اقتصاديا أو اجتماعيا عن جارتها الجنوبية الشرقية، وبات هناك يقين لدى الإخوان في العالم أن خسارة الحكم في مصر والسودان لا يجب أن يتدعم بخسارة النفوذ في ليبيا.

يعتقد إخوان تونس أن وصول الجيش الليبي إلى الحدود المشتركة قد يمثل خطرا على مصالحهم، خصوصا أن المزاج الشعبي التونسي وخاصة في مناطق الجنوب قد يتغير، وأن التعاون الاقتصادي والتجاري قد لا يعود إلى ما كان عليه سابقا أو حتى إلى ما هو عليه الآن، وهذا يعني أنهم سيتأثرون سلبيا باستبعاد الإسلاميين من حكم طرابلس.

بدوره يعتقد النظام التركي الذي أفسد علاقاته بأغلب الدول العربية وخاصة ذات الثقل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي كمصر والسعودية والإمارات، أن سيطرة الجيش على ليبيا ستنهي أحلامه ببسط نفوذه عليها، وعلى قرارها السيادي وثرواتها، وستطيح بتطلعاته إلى نيل القسط الأكبر من  صفقات مشاريع الإعمار والتبادل التجاري، وستجعله يخسر المجال الليبي سواء كان بحريا يختزن ثروات الغاز والنفط، أو صحراويا مفتوحا على دول الجوار الأفريقي.

أما قطر فلا تريد أن تفقد ما بقي لها من أطماع القيادة والريادة في مستوى دول ما سمي بالربيع العربي، خصوصا وأنها فشلت في سوريا، وانهزم مشروعها في مصر، وخرجت من اليمن تجر أذيال الخيبة، ووجدت في تونس قوى مدنية سياسية ونقابية منعتها من التغلغل في الدولة والمجتمع إلا بمقدار، ثم خسرت موقعها في السودان، ولم تبق لها إلا ليبيا التي طالما راهنت على أنها تجعل منها دولة تابعة بقيادة راضحة لأوامر ديوانها الأميري.

مع اقتراب الجيش الوطني من تحرير طرابلس، ارتفعت أصوات الإخوان محذرة من انهيار الجدار الأخير، وبدا واضحا أن الجماعة شعرت بالخطر، وأدركت أن وصول المشير خليفة حفتر إلى قاعدة بوستة أو طريق السكة، يعني نهاية طموحات الجماعة في حكم ليبيا، كما يعني انتصار محور الاعتدال العربي الذي يناصبه الإخوان العداء، لذلك أعلنت الجماعة أن الحرب حربها سواء من خلال التدخل التركي الأردوغاني بالسلاح والمرتزقة، أو من خلال التدخل القطري بالمال والأبواق والمساومات السياسية، أو من خلال الحملات التي يقودها الإخوان في كل مكان ضد الجيش وداعميه، ومحاولة التأثير في الرأي العام الداخلي والخارجي بالافتراءات التي لم تعد تجد من يصدقها.

إن طرابلس اليوم هي الرهان الأخير للإخوان، وبتحريرها ستكون قوى الإسلام السياسي لا انهزمت فقط، وإنما عادت إلى حجمها الحقيقي. فالإسلاميون وإن كان لهم وجود في دولة كليبيا، فإنه لا يعطيهم شرعية الحكم، نظرا لضعف حضورهم، ورفضهم من قبل الأغلبية الساحقة من المجتمع، ولارتباطاتهم بمشاريع عابرة للحدود لا تضمن سيادة الدولة، ولا وطنية القرار، وكذلك لثبوت تورطهم في الإرهاب وهدر مقدرات البلاد والاستعانة بقوى خارجية لمقاتلة أبناء وطنهم.

يراهن الإخوان على طرابلس، وهم يجهلون أو يتجاهلون أن رهانهم مبني على حرب يخوضونها ضد الشعب الليبي بدعم من أطراف خارجية، ولذلك فلا أمل لهم في كسبها، وسيأتي اليوم الذي يتأكدون فيه من أن رهانهم خاسر، وطموحهم خائب، وأنّ لا القطري ولا التركي من يقرر مصير ليبيا، وإنما يقرره الشعب بإرادته الحرة وبدماء أبنائه الذين يقاتلون من أجل سيادة دولتهم وكرامة وطنهم ووحدة مجتمعهم وحماية مقدراتهم.

9