طرابلس.. براءة الفقر ومصابيح نعمان عيسى

كيانات منفصلة يوحّدها ضوء طفولي في زهوة روح الجماعة المنتفضة.
الجمعة 2019/11/22
حوار خافت بين الفتاة ومصباحها

ما انفكت الثورة اللبنانية تقدّم منذ انطلاقها في أكتوبر الماضي بكافة ساحات البلد، جماليات فنية غير مسبوقة في مثل هكذا انتفاضات شعبية، ربما يكون غرافيتي الشارع أهم عناوينها، لكن الحس الجمالي للمواطن اللبناني الثائر لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى أشكال بصرية أخرى مُشبعة بالضياء والأمل.

بيروت – توافدت الحشود الشعبية من مختلف المناطق اللبنانية إلى طرابلس، عاصمة شمال لبنان، لكي تشهر انتسابها إلى الثورة ضد الفساد والطائفية في مدينة عانت أقسى أنواع الإهمال والفقر، وتُهم الإرهاب حتى أطلق عليها، افتراء “قندهار لبنان”.

ولكن الجماهير التي توافدت إليها، لتفتح لها المدينة ذراعيها، لم تكن مدركة أنها ستشارك في بناء مشهد فني عامر ينبض بالحياة ويعيش على وقع نفس الثوار المتصلين ببعضهم بعضا كخلطة لونية مُشعة يستكين وينتفض ضياؤها كشهيق وزفير بصري وفق صُناع المشهد الشامل، وهم هؤلاء الشبان الذين توافدوا بشكل عفوي على منصة “ساحة النور”، ومن قلب أكثر الأحياء بؤسا واتصالا بمزاج طرابلس.

فن تفاعلي

برز اسمان من هؤلاء: الأول وهو محمد إسماعيل شاب في الثلاثينات لُقب بـ”مايسترو” الثورة، وشاب آخر في العشرينات معروف بـ”مادي كريمة” واسمه الحقيقي مهدي كريمة.

جاء الأول “أولا” ليعتلي المنصة بشكل عفوي أوصلته إليها من ناحية حماسته الشديدة ومن ناحية ثانية دراسته في “علم التواصل الجماهيري”. وأول ما اعتلى محمد المنصة صدح بصوت جهوري “جبَار! هيدي (هذه) مش ساحة النور، هيدي ساحة الحرية.. يا ثوار.. يا أحرار.. سمع سمع سمع!”.

من هنا كانت انطلاقته مع جمهور ردّد معه الشعارات الثورية التي صنعت مضمونها الثورة، وشكّل صورتها “الفنانون” الثائرون من أمثاله. نذكر من كلماته “صوتك يا بلادي: ثورة.. وحدة وطنية، ثورة شعبية/ ضدّ التبعية.. لا طائفية”.

وبدا محمد إسماعيل فنانا رائدا ابتدع فنا تفاعليا مهّد لقدوم الفنان الثاني مادي كريمة “الدي جي” المعروف في طرابلس بإحيائه حفلات محدودة. وضع عشقه للموسيقى في خدمة مدينته، وأدخلها مُعدَلة إلكترونيا ليشعل بها حماسة الناس حتى إيصالهم إلى حالة الذوبان مع الجماعة، داعما بذلك شعار الثورة الأهم “كلن يعني كلن”.

وبين كل وصلة موسيقية وأخرى هتف لتُردّد هتافه الجماهير المحتشدة “نحن لسنا دعاة فوضى.. لن يُخيفنا الزعران”.

ما تلا تلك الكلمات هو تشكيل بصري عارم اكتسح في ذات الوقت شبكات التواصل وشاشات التلفزيون، ممّا ساهم في إعطاء جرعات نارية إضافية غذّت الثورة في جميع المناطق اللبنانية.

الأضواء تحوّلت إلى دعوة للتبصّر في براءة الضوء في أيادي أطفال/ كبار سجوا طويلا تحت نير الظلم والاضطهاد

التشكيل البصري تمثل برفع وإنزال موحد لمصابيح الهواتف الجوالة في أيادي الجماهير على وقع كلمة “ثورة”. تحوّلت الأضواء، أمام الناظر عن بعد، إلى تيارات كهربائية تدفّقت في الساحة الشاسعة تدفّق الموج في بحر هائج تغشاه الظلمات حينا ليس إلاّ لتحتدّ إنارته بعد ذلك. أما عن قرب، فتحوّلت تلك الأضواء إلى دعوة للتبصّر في براءة الضوء في أيادي أطفال/ كبار سجوا طويلا تحت نير الظلم والاضطهاد.

في الساحة كان الناس فرادى في فرحهم الشفاف/ الطفولي الذي لا ولن يعرفه ممارسو الظلم. استحالت الطيبة ضوءا، والمرارة ضحكة مخنوقة خفقت على وتر ضوء الثوار الذين أيضا، نعثر عليهم، في مجموعة محددة من لوحات الفنان السوري نعمان عيسى.

أفراد لا عمر محددا لهم وإن تميزوا بملامح طفولية. يحمل كل واحد منهم في لوحة واحدة “بطارية مصباح”. منهم ما يلقي بضوئه إلى نفسه وكأنه لأول مرة تماما، كما فعل الطرابلسيون على لسان أحد الثوار “ننظر في وجوه بعضنا، وكأننا أيضا نتعرّف على مدينتنا من جديد”. ومنهم من ينظر إلى محيطه في اكتشاف أو احتكاك مع آخر يقترب إليهم من خارج اللوحة، أو من مدينة أخرى في قلب الوطن الواحد.

الشحنات الشاعرية التي مدها الفنان إلى شخصياته لم تدل فقط على دراية فنية بل تدل على فنان لم يزل طفلا في ثنايا ذاته الخبيرة. هي لأجل ذلك تنضح بعاطفية قصوى نراها في الثوار المتحدين مع مصابيحهم كدموع متأججة.

شخوص الفنان لم تغادر الدهشة وجوههم، مثلهم مثل الثوار. وإن غادرت فثمة حوار خافت تعقد أواصره ما بينهم والمصابيح.

روح الجماعة

لم يكن “مادي” هو الآخر خارج منظومة “المصابيح” هذه، إذ ذكر لأحد الصحافيين “انتابني شعور غريب، عندما استدار المتظاهرون نحوي شعرت بقشعريرة تسير في كل أطرافي. أنا جزء من الثورة، فأنا ابن هذه المدينة وأعرف أوجاعها وكل ما هتف به المتظاهرون يُنادي به كل شريف في هذه الجمهورية”.

اللغة التي تكلمت بها شخوص الفنان نعمان عيسى هي المصابيح. مصابيح من دونها سيجفل حاملوها ليغرقوا في تعاستهم ومخوافهم التي نفذ إلى دواخلها الفنان.. بكل سلاسة.

أما بالنسبة للثوار، فربما شكلت تلك المصابيح منقذتهم من الذوبان الخطير في المجموعة. ظلوا أفرادا. كيانات منفصلة في زهوة روح الجماعة المنتفضة.

قدّم “مادي” عرضا فنيا تفاعليا تواصل به حتى الذوبان مع الجماهير، يخرج منها حينا ليدخل حينا آخر كما يفعل كل فنان، كنعمان عيسى أمام لوحته المُتشكلة تحت ريشته.

وإن كان يرى البعض في حالة “الذوبان في الجماعة”، كما في كتابات سيغموند فرويد، نوعا من الرجوع إلى حالة الطفل الذي لا يعي الحدود بين كيانه المنفصل وأمه، فإن الحالة التي يعيشها الجمهور المدعومة برغبة شاهقة في التصديق بما يحدث على الأرض ليست تراجعا أو هروبا إلى الوراء بقدر ما هي تقدّم يعيد تشكيل نظرته إلى المستقبل المُوحد في وطن واحد.

عندما استخدم المفكر سبينوزا تعبير “كوكبة” ليصف البنية الاجتماعية التي تُعقد خلالها الصلات بين أفراد المجتمع الواحد، هل كان يعلم بأنه باستحضاره لمشاهد الأجرام السماوية وصف بشكل مباشر ما يحصل في غنائية الساحات اللبنانية؟ ساحات أشرقت على خطوط ضوئية خافقة موحّدة لأول مرة في تاريخ لبنان معاصر.

17