طرابلس ترد على النظام السوري..

الجمعة 2013/12/20

أضاءت طرابلس شجرة الميلاد في حضور مسلمين ومسيحيين من أبنائها، وشخصيات من مناطق وطوائف مختلفة تمثّل التنوع اللبناني.

تجسّد طرابلس رمز المقاومة اللبنانية. المقاومة تتمثّل في تأكيد العيش المشترك والابتعاد عن كلّ تطرّف، أيا يكن مصدره. ما نشهده حاليا في طرابلس هو سقوط للمشروع الذي يقف خلفه النظام السوري الذي أراد دائما أن تكون طرابلس مدينة منقسمة على نفسها. بدأ النظام السوري عملية إخضاع طرابلس عن طريق إقامة جيب علوي فيها سُمّي حديثا جبل محسن بعدما كان اسمه بعل محسن.

بقدرة قادر صار هناك تمييز بين مواطن وآخر في طرابلس. هناك علويون انخرطوا في اللعبة. وهناك آخرون رفضوا ذلك. الذين انخرطوا في اللعبة من “الشبّيحة” كانوا في الأصل من مؤيدي رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري الراحل الذي أراد وراثة حافظ الأسد، فيما الأخير لا يزال حيّا. كان رفعت الأسد الذي سّمّي رفعت عيد تيمّنا به من دعاة حلف الأقلّيات الذي عاد إلى الواجهة بقوّة وزخم في عهد بشّار الأسد، علما بأنّه لم يفارق يوما العقل الباطني لوالده.

أمّا العلويون اللبنانيون، الذين يقدّمون انتماءهم الوطني على كلّ ما عداه، والذين يمتلكون حدّا أدنى من المنطق ومن الأخلاق، فقد تذكّروا أنه لم يكن في يوم من الأيام تفريق بين مواطن وآخر في طرابلس بسبب دينه أو مذهبه.

كانت طرابلس في كلّ وقت مدينة جامعة لا تمييز فيها بين مسلم ومسيحي، وبين سنّي وعلوي. كانت طرابلس مثالا على العيش المشترك وعلى الاعتدال. كانت طرابلس في كلّ وقت مدينة جامعة لكلّ اللبنانيين الآتين من الشمال. كانت بالفعل عاصمة الشمال. كان فيها ابن زغرتا وابن عكّار وابن الكورة وابن البترون. كانت طرابلس تتسع للجميع قبل أن يحلّ النظام العلوي في سوريا الذي أراد التفريق بين أبناء المدينة الواحدة والمنطقة الواحدة، على غرار ما فعل في سوريا حيث أصبح بعض العلويين، وليس كلّهم، ينتمي إلى طبقة متميّزة.

كان ردّ طرابلس دائما في حجم الحب الذي تكتنزه المدينة للعيش المشترك. فشلت كلّ محاولات النظام السوري الهادفة إلى إثارة الفتنة الطائفية. كان الرئيس الشهيد رينيه معوّض، ابن زغرتا، من أبرز الذين لعبوا في السبعينات والثمانينات دورا في إطفاء الحرائق التي افتعلها النظام السوري. وهذا يفسّر إلى حدّ كبير اغتياله في الثاني والعشرين من تشرين الثاني- نوفمبر 1989 بعد وصوله إلى رئاسة الجمهورية.

ردّت طرابلس على الفتنة. كان اجتماع قيادات الرابع من عشر من آذار في المدينة يوم الأحد الخامس عشر من كانون الأول- ديسمبر 2013 أفضل ردّ على ما سعى إليه وما يزال يسعى إليه النظام السوري وحليفه الإيراني وأدواته وأدوات الادوات. كانت إضاءة شجرة الميلاد في المدينة دليلا ولا أوضح على أن طرابلس ليست مدينة التطرّف السنّي الذي يبرر التطرّف الشيعي الذي يمارسه “حزب الله”.

لم تقع طرابلس في الفخ. رفضت طرابلس الأمن الذاتي الذي حرّضها عليه النظام السوري وأدوات “حزب الله” بعد تفجير المسجدين قبل أسابيع قليلة. رفضت ذلك على الرغم من تقاعس الدولة ومن سقوط ما يزيد على خمسين قتيلا من أبنائها ومئات الجرحى، وعلى الرغم من كشف الذين يقفون وراء الجريمة بالصوت والصورة.

كان قلب طرابلس كبيرا. كان قلبها كبيرا إلى درجة أنّها لم تردّ حتّى، ولو بكلمة، على النائب المسيحي ميشال عون، الذي ليس سوى أداة من أدوات “حزب الله”، والذي أصرّ المرة تلو الأخرى على أن طرابلس تأوي “التكفيريين” وأنّها مجرّد بؤرة إرهابية و”قاعدة” للمعارضة السورية.

لم تنف طرابلس يوما أنّها مؤيدة لثورة الشعب السوري على نظام فئوي ظالم، هي التي عانت قبل غيرها من جور هذا النظام. هل من يريد أن يتذكّر مجزرة باب التبانة التي أشرفت عليها الأجهزة السورية عام 1986، أي في تاريخ لم يمرّ عليه الزمن بعد؟

بقيت طرابلس وفيّة لطرابلس وللبنان. تذكّرت طرابلس أن حافظ الأسد كان يعتبرها مدينة سورية، وكان على استعداد لاستقبال رجل دين طرابلسي متطرّف ساعات طويلة بغية تحويل المدينة إلى “إمارة اسلامية” لتبرير سياسات معيّنة. اتبع بشّار الأسد الطريق نفسه. كانت طرابلس دائما أشبه بحسكة في حلقه. أراد في كلّ مناسبة الإيحاء بأن طرابلس مؤيدة لكل تيّار إرهابي. لم يتردد في 2007 في إرسال إرهابييه تحت تسمية “فتح الإسلام” إلى مخيم نهر البارد الفلسطيني، غير البعيد عن طرابلس، بغية إظهار المدينة وكأنّها تريد أن تكون عاصمة لـ”إمارة إسلامية” في شمال لبنان.

مرّة أخرى، تردّ طرابلس على المفترين عليها. تؤكّد المدينة أنها ترفض المتاجرين بها. لعلّ أهمّ ما تريد تأكيده هو أن ثمّة حاجة إلى اهتمام رسمي بها. ليس منطقيا أن يكون عدد كبير من وزراء الحكومة الحالية، وهي حكومة “حزب الله” من طرابلس وأن لا يكون بين هؤلاء، بمن في ذلك رئيس مجلس الوزراء، من يحاول إظهار الوجه الحقيقي للمدينة. فطرابلس المفترى عليها هي في أكثريتها مع العيش المشترك ومع الاعتدال ومع كل ما من شأنه كشف حقيقة النظام السوري وأولياء نعمته في طهران الذين يريدون تبرير تصرّفات “حزب الله” بـ”التطرف السنّي” في هذه المنطقة اللبنانية أو تلك.

في النهاية، مشكلة النظام السوري مع نفسه. أنه نظام غير طبيعي في بلد يريد شعبه العيش في بلد طبيعي. أمّا مشكلة “حزب الله” فهي في مكان آخر. إنّها مرتبطة بمشروع إيراني يقوم أساسا على إثارة الغرائز المذهبية في كل بلد عربي.

ما دخل طرابلس في مثل هذا النوع من المشاريع؟ كلّ ما تريده المدينة، التي هي عاصمة الشمال اللبناني، وفي غياب الاهتمام الرسمي، هو العيش في أمان مع بعض المشاريع التنموية التي في استطاعة أبنائها من أصحاب الثروات الضخمة تمويلها، لو سمحت لهم يدهم اليابسة بذلك.


إعلامي لبناني

8