طرابلس.. جدل التعيينات وسياسات الأمر الواقع

هناك إمعان في التنصل من الحل، بل هناك أشكال متعددة من الاستفزاز الذي لا يدفع إلا إلى مزيد تعميق الجراح والبلاد على مشارف نهاية العام الثالث من عهدة اتفاق الصخيرات.
الخميس 2018/10/11
الإخواني علي العيساوي.. تعيين يثير الجدل

التعيينات المعلنة من قبل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية، المعترف بها خارجيا، وغير المعتمدة داخليا، لا تزال تثير جدلا واسعا، خصوصا بالنسبة لوزير الاقتصاد الجديد علي العيساوي، المتهم وفق أجهزة القضاء واعترافات الجناة وشهادات أعضاء المجلس الانتقالي، بالتورط في اغتيال رئيس المجلس العسكري أثناء أحداث 17 فبراير 2011 عبدالفتاح يونس، في يوليو من العام ذاته، عندما قام متشددون إسلاميون كانوا يقودون حرب الإطاحة بالقذافي، بالقبض على يونس وتعذيبه وقتله والتنكيل بجثته.

وقد تبيّن آنذاك أن العيساوي، القيادي الإخواني الذي انضم إلى سلطات العهد السابق من خلال مسؤوليات عدة، قاده إليها سيف الإسلام القذافي في إطار مبادرته للانفتاح على قوى الإسلام السياسي، هو من أعطى أوامر القبض على يونس، وفق شهادة لرئيس المجلس الانتقالي المستشار مصطفى عبدالجليل.

وفي نوفمبر 2011، قال يوسف الاصيفر المدعي العام العسكري في المجلس الانتقالي إن علي العيساوي، الذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة محمود جبريل الانتقالية، مشتبه به رئيسي في جريمة القتل.

وكان العيساوي يشغل منصب سفير ليبيا في الهند عندما انطلقت أحداث فبراير، فسارع إلى الانشقاق عن النظام لينضم إلى المتمردين في شرق البلاد، والذين كان أغلبهم من المنتمين إلى جماعة الإخوان والجماعة المقاتلة الذين تلقوا السلاح والتمويلات من نظام الدوحة، في ظل مشروع تمكين الإسلاميين من السيطرة على منطقة شمال أفريقيا وخاصة بعد الإطاحة بنظامي زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر.

كان في مقدمة المقاتلين المتقدمين لمواجهة النظام آنذاك، إسلاميون متشددون شاركوا سابقا في عمليات إرهابية في الداخل والخارج، أو تمردوا على السلطة المركزية خلال تسعينات القرن الماضي، ووقف ضدهم وزير الداخلية آنذاك اللواء عبدالفتاح يونس، وهو أحد أعضاء مجلس ثورة سبتمبر 1969، حيث قاد عمليات تطهير الجبل الأخضر وأحراش درنة وبنغازي منهم، وتم الزج بعدد كبير منهم في السجون، قبل أن يطلق سيف الإسلام القذافي مبادرته التي أطلق بموجبها سراحهم ليعودوا إلى ديارهم دون أن يتخلوا عن أفكارهم.

وقد كان من بين هؤلاء الإرهابي أحمد أبوختالة، المقيم حاليا في أحد السجون الأميركية بعد أن صدر في حقه حكم بالسجن لمدة 22 عاما، والذي تتهمه أطراف ليبية بأنه كان وراء تنفيذ جريمة قتل عبدالفتاح يونس، رئيس ما يسمّى بجيش التحرير لثورة 17 فبراير، أما أسباب الاغتيال فمنها ما يتعلق بالثأر من تاريخ القتيل، ومنها ما يتصل بالشك في أن يكون على صلة خفية مع النظام، ومنها ما يفسّره البعض بعدم الرضا عليه من قبل القطريين الذين كانوا يقودون الحرب، خصوصا وأنه لا ينتمي إلى جماعات الإسلام السياسي التي كان يراهن عليها نظام الدوحة، ويرى أنها الأجدر بأن تحكم ليبيا بعد الإطاحة بالقذافي.

والعودة اليوم إلى الحديث عن حادثة اغتيال عبدالفتاح يونس، سببها تعيين أحد المتهمين بالتورط فيها وزيرا للاقتصاد في حكومة السراج، وهو ما أثار حفيظة البرلمان وأغضب قبيلة العبيدات التي ينتمي إليها اللواء المغدور، ودفع بوجهائها وشيوخها إلى التحذير من عواقب وخيمة لمثل هذا التعيين قد تصل إلى الحرب الأهلية.

ويبدو أن مسألة التعيينات المشبوهة التي يقرها المجلس الرئاسي لن تتوقف. فقبل أسابيع عبّر جانب كبير من الليبيين عن سخطهم من تعيين الإخواني صالح المحزوم سفيرا في السنغال، وهو المتهم بالمسؤولية عن التشريع للهجوم الإرهابي الذي نفذته ميليشيات المؤتمر الوطني في أكتوبر 2012 على مدينة بني وليد، عاصمة قبيلة ورفلة أكبر القبائل الليبية، والذي أدى إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة.

وقد كان مخزوم يشغل آنذاك منصب نائب أول للمؤتمر الوطني العام، وتؤكد رابطة أعيان بني وليد أنه المسؤول عن إصدار القرار الظالم رقم 7 القاضي باجتياح مدينتهم، وأن المجلس الرئاسي كافأه على ذلك بتعيينه سفيرا في دولة السنغال تكريما له على سفك دماء أطفال بني وليد ونسائها وشيوخها وتهجير السكان الآمنين في واحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها ليبيا.

الغريب في الموضوع، أن يتم تعيين إسلاميين وميليشياويين متهمين بارتكاب جرائم خلال مرحلة ما بعد 2011 في مناصب مهمة، ويحظى بعضهم بتمويلات حكومية مجزية، بينما لا يزال مسؤولون من النظام السابق لم تثبت إدانتهم، قابعين وراء السجون، والأغرب من ذلك أن يتصالح البعض مع الإرهاب، دون أن يقبل بمد يده إلى المختلفين معه سياسيا، تماما كما يحدث حاليا بين غرب البلاد وشرقها.

وقد يقول البعض وما الغرابة، إذا كان المبعوث الأممي غسان سلامة، أكد منذ أيام قليلة وجود 200 ألف مقاتل في التشكيلات العسكرية قدّمت لهم الدولة الليبية منذ خمس سنوات نوعا من الغطاء، وقال “يتقاضون رواتب من الدولة، ولكن يأخذون أوامرهم من زعماء الميليشيات”، ولكن من هم زعماء الميليشيات؟ إنهم أولئك الذين يسيطرون على المشهد السياسي والاقتصادي في المنطقة الغربية، ويصرون على استمرار التجزئة والتشتت إلى ما لانهاية، ويتحكمون في مفاصل الدولة من وراء الستار، وأحيانا من أمامه مباشرة.

بمعنى آخر، هناك إمعان مقصود في التنصل من الحل، ورغبة في استمرار الأزمة في ليبيا، بل وهناك أشكال متعددة من الاستفزاز المقيت الذي لا يدفع إلا إلى مزيد تعميق الجراح، والبلاد على مشارف نهاية العام الثالث من عهدة اتفاق الصخيرات الفاشل الذي كان محددا بعام، فأضحى بلا سقف زمني، والذي كان يشترط حصول حكومات الوفاق على ثقة البرلمان، فإذا بها تتشكل وتعمل دون تزكية، في غياب الترتيبات الأمنية المصادق عليها.

وما تعيين الإخواني علي العيساوي في منصب وزير للاقتصاد إلا دليل على أن لا أحد يهتم بنفاذ القانون ولا بحرمة القضاء ولا بمشاعر جانب مهمّ من الليبيين الذين لا تزال جراحهم تنزف، كما أن لا أحد يسأل عن الحل طالما أن الوضع بات محكوما بسياسات الأمر الواقع المفروضة من أصحاب المصالح والحساب الضيقة.

9