طرابلس على وشك مواجهة كارثة عسكرية جديدة

حالة طرابلس ليست خافية على القوى الخارجية المنخرطة مباشرة في الصراع، لكنها تتقاعس عن التدخل عمدا، لأنها ترى أن الظروف لم تنضح بعد، وترتاح لاستمرار الاقتتال بين القوى المسلحة لإطالة عمر الأزمة وترتيب الأوراق جيدا، بما يحقق مصالحها.
الأحد 2018/08/12
صوت الرصاص لن يهدأ قريبا

تتخبط ليبيا في مستنقع من الفوضى السياسية والعسكرية، زادت من تعقيداته حالة المد والجزر في تدخل القوى الغربية للتعامل مع ما يجري في هذا البلد شديد الانقسام والتشتت ولا تلوح في أفقه القريب بوادر القدرة على تكوين نظام سياسي مستدام وقابل للحياة طالما يعجز فرقاء الداخل وقوى الخارج عن إعادة تجميع ليبيا.

القاهرة - كلما تقدمت القوى الليبية الوطنية خطوة نحو تحقيق التسوية السياسية أو إحياء الأمل في جدواها، ضاعفت الميليشيات العسكرية من عمليات العنف لقطع الطريق بضع خطوات على هذا المسار، الذي يكبدها خسائر فادحة ويزعزع المكانة التي اكتسبتها بالدم والنار.

يجد أنصار الفريق الأول في الاتجاه نحو الهدوء سبيلا وحيدا لاستعادة الدولة الليبية من مختطفيها والعمل على تكريس وحدتها واستقرارها. بينما ترى عناصر الفريق الثاني في استمرار الصراعات والتوترات وسيلة للبقاء والنمو وتحقيق مكاسب سياسية ومادية كبيرة.

بين هؤلاء وهؤلاء، تقف قوى خارجية عديدة، بعضها يدعم الفريق الأول وغالبيتها يقف مشدودا للفريق الثاني، لأنه يجد في الحرب ذريعة للمزيد من التدخلات، أملا في أن تنضج الظروف فيقطف الثمار وتتحقق أهدافه كاملة. وتتوقف درجة القرب أو البعد عند داعمي هذا الفريق على حجم المخاطر التي تواجهها مصالح أطرافه الرئيسية.

عندما قامت ميليشيات إبراهيم الجضران في يونيو الماضي، بالهجوم على منطقة الهلال النفطي في الشرق للسيطرة عليها مرة أخرى، لم يتحرك المجتمع الدولي بمسؤولية كافية، لأن هناك قوى فاعلة فيه دعمت الجضران ورفاقه ولا تزال، بل هي التي دفعته للقيام بهذه الخطوة لاستعادة هذه المنطقة الحيوية من سيطرة الجيش الوطني الليبي، واستغلال فرصة انهماكه في تحرير درنة وتطهيرها من الإرهابيين.

وعندما ردّت قوات الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر بقسوة على تلك التحركات بعد أيام قليلة، استنفرت قوى دولية أدواتها السياسية لإدانة الخطوة التالية، دون التفات إلى صمتها على الخطوة الأولى، أي هجوم الجضران.

بعد تدخلات مضنية من فرنسا وجهود كبيرة من مصر، صدر بيان رباعي من الولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا، استخدم لأول مرة لغة ليّنة مع قوات خليفة حفتر، فلم يدنها، كما أنه لم يدن صراحة الجضران أو يصدر موقفا يشي بأنه قام بعمل خارج على القانون.

وقال مصدر لـ”العرب” كان قريبا من الاجتماع الرباعي الذي عقد في روما نهاية يونيو، إن البيان الذي أعدّ أولا كان خطيرا في انحيازه للجضران، وبعد مناقشات طويلة جرى التعديل بما حقق مكسبا نوعيا للجيش الليبي ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية.

شكوك في إمكانية إتمام فكرة مصالحات داخلية خلال الفترة المقبلة، وهي الخطة التي يقودها المبعوث الأممي غسان سلامة

وأرجع المصدر جزءا من الارتباك الغربي إلى عدم القدرة على فهم تعقيدات الأزمة الليبية، والتعامل معها بقدر ما تعكسه من تداعيات سلبية على مصالح القوى الغربية، لذلك تتدخل ضد الإرهاب عندما تقوم عناصره بتهديد مصالحها مباشرة. وضرب المصدر مثلا بالعمليات الانتقائية التي تقوم بها قوات “أفريكوم” الأميركية في الأراضي الليبية وغيرها، حيث تصطاد طائراتها دون طيار أسماء متشددة معينة ارتكبت جرائم ضد مواطنين أو مصالح أميركية في مناطق بعيدة، حتى لو مضت عليها سنوات.

وفي كل الأحوال، تحسّنت مواقف القوى الدولية قليلا وبدت منخرطة بقدر أعلى من الجدية، لأنها وجدت مصالحها مهددة. وكاد تصدير النفط الليبي يتوقف تماما، في وقت مطلوب فيه سد العجز الذي يمكن أن يحدث جراء التوجهات الأميركية الصارمة حيال إيران. ولم ترتح هذه القوى إلا بعد أن أعاد حفتر منطقة الهلال النفطي إلى المؤسسة الليبية للنفط التابعة للحكومة التي يقودها فائز السراج، وتجميد قراره بشأن تبعيتها لحكومة الوفاق في طبرق.

وأصبح من المؤكد أن هذه القوى تتحرك بنشاط عندما تقع كارثة تهدد مصالحها مباشرة. فالقرار الذي أصدرته الدول الأربع حول مراقبة حسابات المصرف المركزي الليبي وطريقة توزيع عوائد النفط غير العادلة، لم يتم تفعيله حتى الآن، بعد أن عادت الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل هجوم الجضران.

كما أن الحديث عن الميليشيات وخطورتها على الدولة الليبية، جرى تجميده مرة أخرى، لأن الأمور عادت إلى المشهد الذي تأقلمت معه غالبية القوى الخارجية، فلا مخاطر كبيرة على حقول النفط والغاز في هذه اللحظة، وكل طرف استعاد تموضعه مع الطرف أو القوة أو الميليشيا التي يدعمها، انتظارا لحدوث كارثة أو تسخين جديد، بعدها تبدأ القوى الفاعلة الضجيج السياسي من خلال خطابات رنانة وتصريحات حادة، ما يجعل عملية التراخي الغربي مثيرة للجدل، في ظل الازدواجية التي تتبناها بعض قواه، وظهرت معانيها بجلاء في ليبيا.

تصعيد في طرابلس

Thumbnail

يبدو أن الكارثة على وشك الوقوع قريبا في طرابلس هذه المرة، وليس في الهلال النفطي، فقد استنفرت مؤخرا الميليشيات الكبيرة قواتها في العاصمة، وأهمها تلك التي يقودها كل من هيثم التاجوري وغنيوة الكيكي (أبوعزة) وعبدالرؤوف كارا وبشير خلف الله المكني، ورفعت من جاهزيتها للمزيد من السيطرة على مفاصل المؤسسات الرسمية في طرابلس، التي أصبحت مختطفة من جانب أصحاب المصالح.

وفي المقابل، بدأت ميليشيات من مصراتة والزنتان وطرهونة والتيارات المؤدلجة، مثل الإخوان والقاعدة والسلفيين، تقف على أبواب طرابلس تتحين الفرصة للانقضاض عليها، لتغيير توازنات القوى في العاصمة، لأن الميليشيات الأولى تضخمت واستأثرت على جزء كبير من ثروات الشعب الليبي، ونسجت شبكة قوية من المصالح مع قوى في الداخل والخارج.

اللافت للانتباه أن خلف الميليشيات القابعة في طرابلس والمتربصة بها تقف قوى خارجية، أبرزها إيطاليا وقطر وتركيا، تقدم دعمها للطرفين بغرض الاستحواذ على المفاتيح الرئيسية في الأزمة الليبية والتحكم في مساراتها الراهنة والمقبلة.

المثير أيضا أن هذه القوى – الميليشيات وجدت في الأزمة استثمارا ماديا، يتجاوز حدود القواعد السياسية والأيديولوجية التقليدية، بمعنى أن فكرة التمسك بمواقف داعمة لتيار على حساب آخر لم تعد موجودة حرفيا، فكل ميليشيا يمكن أن تقلب ولاءاتها من النقيض إلى النقيض لحصد أكبر قدر من المكاسب.

وكشف مصدر على علاقة بالملف الليبي لـ”العرب”، أن وقوع هذه المعركة سوف يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، وينسف الجهود التي بذلت خلال الفترة الماضية لتهيئة الأجواء لمصالحات داخلية بين القوى المتصارعة، ما يمثل انتكاسة لجهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وقال إن خطة رفع أيادي الإخوان ورفاقهم عن مفاصل الدولة، خاصة في الشؤون المالية، سوف تصبح صعبة، إذا لم تقم القوى الدولية (يقصد الرباعي الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا) بدورها في هذه المسألة، لأن الإخوان يديرون هذا الملف بحنكة تضفي عليه صورة قانونية لتحويل الأموال، بشكل خبيث ومنطقي ويبدو مشروعا، للميليشيات الداعمة لهم، والمناوئة لهم لاسترضائها وكل من يحاول ابتزازهم، ما يستلزم وقفة حاسمة من المجتمع الدولي الذي يتشدق بمكافحة الإرهاب وروافده، وهناك قوى داخله تؤدي تصرفاتها إلى مساعدته.

وأوضح المصدر أن ثمة قوى إقليمية ودولية تقف وراء الكثير من هذه الميليشيات، بما يتجاوز مسألة حماية جالياتها ومصالحها، إلى الاستثمار فيها، ومنها من يريد استمرار الأزمة على حالها عبر تغذية الميليشيات المسلحة، ومن يريد امتلاك أوراق للتأثير بالقوة، وهناك من يسعى إلى تخريب خطط قوى مناوئة، هكذا تصاعد دور الميليشيات في ليبيا بصورة قد لا تستطيع القوى التي تدعمها السيطرة عليها أحيانا، لأنها خرجت عن نطاق السيطرة التامة.

وشكك مصدر آخر في حديث لـ”العرب” في فكرة إتمام مصالحات داخلية خلال الفترة المقبلة، وهي الخطة التي يقودها المبعوث الأممي غسان سلامة، لأن قوة الميليشيات التي كونتها القبائل ليست هينة، وخطورتها أن زعماء القبائل عازمون على الأخذ بالثأر، ولدى كل منهم قائمة بمن قتلوا وذبحوا وجرحوا منها وأين ومتى وعلى يد من وهكذا؟ ووفقا للعادات والتقاليد الليبية فمن الصعوبة ترك الثأر بسهولة.

وأوضح أن الحديث عن مصالحة بين مصراتة والزنتان مثلا غير دقيق، والبيانات التي خرجت من هنا أو هناك، تقف خلفها قيادات لا تمثل ثقلا قبليا، وكل ما حدث أن هناك مستفيدين من الأزمة، والمسافة لا تزال كبيرة، ومن الصعوبة أن تطوى إلا في ظل وجود قوة عسكرية مركزية وطنية تسيطر على المفاصل الرئيسية.

وسألت “العرب” المصدر الأول عن إمكانية دخول الجيش الوطني طرابلس لمنع حدوث المزيد من الانفلات وصد الميليشيات العازمة على لخبطة الأوراق، وابتسم الرجل مؤكدا “هذا سيناريو بعيد تماما حاليا، لأنه يمثل انتحارا للمشير خليفة حفتر، الذي يواجه تحديات وعراقيل كبيرة، كما أن الميليشيات المتحكمة في طرابلس والمتربصة بها لديها من القوة والعتاد ما يمكنها من رد هذا السيناريو”.

نوايا حفتر

Thumbnail

أشار المصدر إلى أن الكثير من القوى الغربية تتشكك في نوايا حفتر، ولا تريد له أن يحكم سيطرته على الأراضي الليبية، ناهيك عن وجود قوى محلية رافضة له، والأهم أن خطوة توحيد المؤسسة العسكرية والتي قطعت شوطا جيدا بحاجة إلى المزيد من الدعم الدولي، كي تكتمل ويكون هناك جيش وطني قوى يفرض سيطرته على مقاليد الأمور.

ولفت إلى أن حالة طرابلس ليست خافية على القوى الخارجية المنخرطة مباشرة في الصراع، لكنها تتقاعس عن التدخل عمدا، لأنها ترى أن الظروف لم تنضح بعد، وترتاح لاستمرار الاقتتال بين القوى المسلحة لإطالة عمر الأزمة وترتيب الأوراق جيدا، بما يحقق مصالحها، وخوفا من ارتداد الميليشيات عليها، بالتالي فمعركة طرابلس ستكون اختبارا للكثير من القوى، التي تتشدق بأيهما يجري أولا المصالحة أم إجراء الانتخابات، بينما هناك اقتتال لن يسمح لا بهذه أو بتلك قريبا، وإذا انتصرت رؤية أي من الطرفين، فالنتيجة ستكون أشد أسفا، ما لم يتم التدخل برؤية واضحة تتبناها القوى الدولية ويفرضها على الجميع مجلس الأمن.

4