طرد الشعراء من المدينة الفاضلة أدى إلى فنائها قبل أن توجد

الخميس 2014/07/24
إن كان لمدينة فاضلة أن تنشأ فعليها أن تنصّب على رأسها شعراء

إن الشعر خطاب جمالي بالأساس، بل هو مصدر جماليات الخطاب عامة، ومنشأ جماليات عدة كالمسرح مثلا، لكم أن تتخيلوا حال لغة دون جمالية، لكم أن تتخيلوا الإنسان -كائن الوعي الذي يقترح لأبسط أفعاله تمثلا جماليا باختلاف درجاته- دون خطاب جمالي، الخطاب الجمالي الذي لطالما كان دوره حاسما على مدى التاريخ الإنساني سواء في الحرب أو السلم، مع الفرد أو الجماعة.

الشاعر، تلك الشخصية الغريبة والمرتبطة عادة بالجنون والشذوذ عن المعايير، اجتماعية كانت أم فكرية. كلنا يعلم قصة نشأة الشعر العربي، الذي يقرنه الأوائل بجن وادي عبقر، هذه الكلمة “جن” أخذت أبعادا عدة. فـ”جن” عبقر أفرز جنونا ما، ولد بدوره لغة مجنونة تسير على غير هدى المعايير المرسومة سلفا، فكان الشعر. نفس الكلمة تنسحب على لغات أخرى لتمثل في كلمة “جني” الاختلاف الخارق والشذوذ عمّا هو موجود. كل شاعر مجنون، نعم هو كذلك، لكن هل أن كل مجنون شاعر؟

إن العمل الفني والشعري خاصة يتطلب وعيا حادا ونافذا، لكنه وعي منطلق دون حواجز أيا كان مردها مجتمعا أو دينا أو فكرا إلخ… نعلم جيدا أن الشعر تحول منذ القدم من تمثلات صرفة لذات مصابة بالجنون، أي الاختلاف والشذوذ، إلى رؤية متجاوزة تنطلق من ذات مرتبطة أشدّ الارتباط بواقعها ومحيطها، رغم قطيعتها ظاهريا، فتؤثر فيه كما يؤثر فيها، بخطاب مختلف عن المعايير العادية نافذ ومؤثر بشدة، رغم شبهة الجنون والشذوذ التي تخيّم عليه باستمرار.

لعل وظيفة الشاعر العربي لسانا لقبيلته وناطقا باسمها، فيلغي حروبا ويشن أخرى ويصلح بين القبائل ويربط علاقات جديدة بأخرى فيمدح ويهجو ويرثي ويفخر، أبرز الأمثلة على تميز شخصية الشاعر وقدرة خطابه النافذ. أو ربما نرى في الشاعر المؤرخ الملحمي، كهوميروس في إلياذته مثلا، عين الإنسانية وذاكرتها. إذن الشاعر ليس ذلك المجنون الفاقد لدفة الوعي، بل هو أشدّ الكائنات وعيا، وإنما وعي يرج المفاهيم المعيارية الجامدة، ويحاول أن يوسع من دائرة الوعي الجماعي والجمالي بمنطق متجدّد، كما يفتح آفاقا جديدة أمام الإمكانات والقدرات الإنسانية بشكل عام. ربما اعتبر الشعر محاكاة للواقع وتنصلا منه بتهويمات وخطاب واهم، ينفصل عن الحقيقة ليقيم بشكل مختلف في عالم الأخيلة الحالمة، حيث يولد ألفاظا وعلاقات لغوية خارجة عن المنطق والاتفاق المعياري بين الدال والمدلول، ما يزعزع النظام الدلالي اللغوي، وهو النظام الأساسي الذي تقوم عليه اللغة.

بذلك يمثل الشعر خطرا على اللغة التي يستخدمها الإنسان أداة لرؤية وكشف حقيقة العالم وهو، بالتالي، خطر على الفكر والمنطق. وفق هذا المنظور طرد أفلاطون الشعراء من مدينته الفاضلة الشهيرة، التي ظل يحلم بها وينظر إليها، تلك المدينة التي تتسق مكوناتها وتتآلف من أجل إنسان أرقى، إنسان ينحت حقيقته، ويبني عالمه بحجارة الوعي وأعمدة الحكمة. هذا ما يجعل من الشعر التراجيدي أو الكوميدي مثلا، ضربا من الوهم والزيف، فكلاهما ينفخ عالما من الوهم ويهيم به خارج الحقيقة والواقع. نعلم أن اللغة كائن يولد وينمو ويتطور ثمّ يموت، لنتخيل الحضارة الإنسانية، التي تعدّ اللغة أهم اكتشافاتها، دون شعر.

الفن مقياس حضاري للشعوب على امتدادها التاريخي

لا حضارة خارج الفن، وهو الذي يعتبر مقياسا حضاريا للشعوب على امتدادها التاريخي. تلك الرسوم البدائية على جدران الكهوف، ما هي إلا محاكاة للواقع حينها، محاكاة تعكس الواقع لكنها ليست الواقع، فالإنسان مصفاة من الوعي حتى في تقليده ونقله للواقع كما هو، إذ لا بدّ لكل من يمرّ به أن يصطبغ بوعيه الذاتي ورؤيته هو. إذن حتى تلك الرسوم الضاربة في القدم لا تمثل الواقع كما هو. بل أبعد من ذلك، فحتى في يومنا هذا، إن نقل حدث أو مشهد بعين كاميرا ليس الواقع كما هو، إذ تقف خلف تلك العدسة عدسة أخرى، هي العين البشرية التي يحركها ويحكم زواياها الوعي الإنساني، فأن أنقل لك صورة لمشهد ما، ولو بكاميرا، هو أن أنقل لك تصوّري وتمثلي أنا لتلك الصورة أو المشهد.

الشعر فن، وحتى نكون أكثر تمثلا تاريخيا له، فهو أقدم الفنون على الإطلاق منذ اكتشاف الإنسان للغة. ربما حاكى الشعراء الواقع وابتعدوا عن ملامحه الحقيقية، ربما هام أغلبهم، ومازالوا، في تشكيلات وتصورات خيالية بعلاقات دلالية ولغوية شاذة ومختلفة، ربما اختلق بعضهم عوالم لا وجود لها من أصله، إلى حدّ أن العرب قديما كانت تربط جمالية الشعر بالكذب، تحت مقولة “أجمل الشعر أكذبه”، لكن أحقا الشاعر كاذب ومزيف حقائق حالم؟

لطالما عرف عن الشاعر أنه ضد المعايير التي يختلقها مجتمعه أو بنو جنسه، فهو يظل دائما تلك الذات التواقة إلى التحرر، تلك الذات المسكونة بالرفض والتمرد تنشد عالما مغايرا. تلك الذات غريبة الأطوار بالنسبة للآخرين، الذات الفوضوية والمزاجية المتقلبة. ذات الشاعر وكأنها مزجت من نار وثلج، من وحل وزلال، ومن كل متناقض يحمله العالم في جوفه.

ربما كان الشعر محض خيال، لكنه ليس خيالا أجوف، فخيال الشاعر وحده من خلق للغة إمكانات لفظية ودلالية جديدة ومتجددة، تمكنت من خلالها اللغة من أن تضخ هواء آخر في مفاصلها. فمن غير الشعراء يجدد في الدلالة داخل النظام اللغوي؟ من غير تلك الكائنات المندفعة بجنون ضدّ تيار النظام الدلالي المعياري المتفق عليه سلفا، ذلك النظام الذي، وإن كان ضروريا، بركوده يصبح قاتلا للغة، أي بالضرورة قاتلا للفكر، وبالتالي قاتلا للإنسانية؟ من غير الشاعر تجرّأ على تحمل النبذ والاتهام بالشذوذ والجنون واللاقيمة، لينطلق باللغة إلى مجاهل ومشارب جديدة؟

هنا نتبين أن الشعر ليس مجرد محاكاة جوفاء، بل هو خلق شجاع، يصهد ذوات مبدعيه بنيران الحقيقة كما لم يرها أحد غيرهم، ويفتتهم بين متناقضات العالم. فالشاعر هو ذلك الكائن الهش الذي يخترقه عالمه فيؤدي إلى ارتجاجه بعنف، إلى حدّ الجنون أحيانا، لكنه في المقابل هو ذلك الكائن الذي يجسّد الوجود التاريخي النوعي للغته. من دون الشاعر فما كان للغة أن تتطور، وبالتالي، ما كان للإنسانية أن تتطور. فإن كان لمدينة فاضلة أن تنشأ فعليها أن تنصّب على رأسها شعراء.

إقرأ أيضا:



* الشغف بالشعر يوحّد الفن والفكر والتاريخ

15