طرفا النزاع في جنوب السودان يرتكبان "فظاعات"

الأحد 2014/01/19
إعدامات ومجازر ارتكبها طرفا القتال في جنوب السودان

جوبا- دارت معارك عنيفة بين القوات الحكومية والمتمردين في جنوب السودان في وقت قالت الأمم المتحدة إن عددا من الجنود الأطفال يقاتلون في النزاع الدائر منذ شهر مع ارتكاب الجانبين لفظاعات.

وصرّح مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إيفان سيمونوفيتش في ختام زيارة له للبلاد أن “المعلومات التي تصل إلينا تتحدث عن مجازر واسعة وإعدامات خارج إطار القضاء ودمار على نطاق واسع وعمليات نهب وتجنيد أطفال”.

كما ذكر تسجيل عمليات اغتصاب وخطف واعتقال تعسفي ودمار على نطاق واسع ونهب.

وأضاف أن النزاع، يمكن وصفه بـ”النّزاع المسلح الداخلي”.

وقال إنه رأى جثثا كانت مكبلة الأيدي قبل إطلاق النار عليها ملقاة في الشوارع في مدينة بنتيو الشمالية التي تمّت استعادتها من المتمردين الأسبوع الماضي.

ممن جهة أخرى لا يزال الجيش الذي يتنازع السيطرة على مدينة أميلكار الاستراتيجية مع المتمردين بزعامة نائب الرئيس السابق رياك مشار، يلقى صعوبات في التواصل مع قيادته فيها.

وكان جيش جنوب السودان أقر، الجمعة، بأنه فقد الاتصال مع قواته في ملكال، أحد أبرز ميادين المعارك مع المتمردين منذ بداية النزاع في جنوب السودان.

ويعيش جنوب السودان منذ 15 ديسمبر حالة حرب انطلقت شرارتها الأولى عندما اتهم الرئيس سلفا كير(من قبيلة الدينكا) نائبه السابق رياك مشار( من قبيلة النوير) بالتدبير لانقلاب.

ولئن اعتبر شق من المراقبين الأحداث الجارية في هذا البلد حديث العهد صراعا عرقيا، إلا أن مراقبين محليين يرون في هذه القراءة تجاوزا لجملة من الحقائق الموضوعية. فالصراع، الذي اندلع منتصف ديسمبر الماضي، بين القوات الحكومية ومسلحين مناوئين لها على خلفية اندلاع قتال بين وحدات مختلفة من الحرس الرئاسي في العاصمة جوبا، والذي امتد لاحقا إلى أنحاء أخرى في البلاد، جاء تجسيدا لاحتقان سياسي طويل، ومتجذر داخل “الحركة الشعبية لتحرير السودان”، التي تمثل الحزب الحاكم في جنوب السودان، والذي يضم في قيادته العليا كوادر تنحدر من شتى أنحاء البلاد، ومعظمهم ساهم فيما يعرف بـ”حرب التحرير” (1983-2011)، التي انتهت بانفصال جنوب السودان عن شماله.

فريك مشار قائد المعارضة المسلحة كان يشغل منصب نائب الرئيس، حتى يوليو 2012، وبدأ خلافه بتوجيه انتقادات للرئيس سلفا كير ميارديت بصفته عضوا في المكتب السياسي للحركة الشعبية، ونائبا لرئيسه على المستوى القومي.

وشارك مشار في موقفه المناوئ للرئيس، مجموعة من قيادات الحزب، الذين ينحدرون من خلفيات إثنية مختلفة؛ منهم الأمين العام السابق للحزب باقان أموم الذي تعود أصوله إلى ولاية أعالي النيل (شمال شرق)، وربيكا قرنق عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية، وأرملة الراحل جون قرنق رئيس الحركة، وتنحدر أصولها من ولاية جونقلي (شرق).

ويرفض عدد من المحللين توصيف الحرب بـ”الإثنية” (العرقية)، ويدللون على ذلك بأن مجموعة المعتقلين السياسيين الذين يطالب مشار بإطلاق سراحهم قبيل توقيع اتفاق في أديس أبابا لوقف الحرب، ينتمي معظمهم لقبيلة الدينكا – مسقط رأس سلفا كير- ومنهم مجاك أقوت نائب وزير الدفاع السابق، ودينق ألور كوال وزير مجلس الوزراء السابق، وعضو المكتب السياسي للحركة الشعبية، وغيير شوانق ألونق وزير الطرق والمواصلات السابق، ومدوت بيار وزير الاتصالات السابق، وخميس عبد اللطيف مستشار وزير الداخلية السابق.

من جهته أوضح الصحفي والمحلل السياسي بصحيفة المصير (أول صحيفة ناطقة بالعربية في جنوب السودان) كندي نيمايا، أن ما يحدث الآن في جنوب السودان ما هو إلا تجليات لصراع قديم داخل الحركة الشعبية، قائلا: “هو صراع على السلطة استفحل بعد القرارات الأخيرة، التي أصدرها الرئيس كير، بحل الحكومة، وتجميد أجهزة الحزب العليا”.

ومضى كندي بالقول: “في بداية الأزمة حدثت تجاوزات إثنية في مناطق إقامة قبيلة النوير، وكذلك الحال بالنسبة إلى المدنيين من قبيلة الدينكا، الذين تعرضوا للاستهداف في ولاية الوحدة التي يقطنها أغلبية من مجموعة النوير، لكن الآن وبعد بدء التفاوض بدأت الأزمة تأخذ بعدها السياسي”.

أما أيونق ماثيو، وهو مثقف ومفكر جنوبي، فقد وصف المشهد بأنه “مشكلة سياسية، أراد لها بعض القادة أن تكون إثنية في أسبوعها الثاني، وهي إحدى إشكاليات المجتمعات الهشة.

وقال ماثيو “وارد أن يتحول الصراع إلى شكل إثني، ومن هنا يصعب على المراقب الجزم بأنه صراع سياسي، دون إضافة تأثير عنصر الإثنية عليه، ولو نظرنا لأطراف النزاع نجدهم يشكلون قيادة الصف الأول للحركة الشعبية، وهم في نفس الوقت رموز في مجتمعاتهم القبلية”.

وبحسب مراقبين فإن البعد الإثني (نحو 63 مجموعة إثنية)، لم يكن وليد الأزمة الراهنة بجنوب السودان، لكنه متجذر منذ الحرب الأهلية التي اندلعت في خمسينات القرن الماضي، وأضعف معه روابط الانتماء القومي.

البعض يرى في تجربة الكفاح المسلح، وتكوين الجيش الشعبي لتحرير السودان (الجيش الحكومي القومي حاليا)، مؤشرات على وجود نواة مشتركة، يمكن أن يقوم عليها بناء وطني متكامل، خاصة في أوقات الأزمات السياسية.

لكن يظل صراع السلطة، وعدم اكتمال بناء المؤسسات، وعدم تحول الجيش من حركة كفاحية، إلى مؤسسة قومية، بجانب تعثر خطوات انتقال الحركة المسلحة (الحركة الشعبية)، إلى مؤسسة سياسية مدنية، كلها عوامل فجرت الصراع داخل الدولة الوليدة، التي عاشت، ومازالت تعيش، حالة من الاحتقان.

5