طرق باب الحكم لا يستثني حتى جثث الأحزاب التونسية

رغم خسارتهما في الانتخابات الحبيب الجملي يمنح حزبي المسار الديمقراطي الاجتماعي والتكتل من أجل العمل والحريات، فرصة المشاركة في الحكومة القادمة.
الاثنين 2019/11/25
فصل جديد من ديمقراطية الإكراهات

لمن فاته فصل في أبجديات ممارسة الديمقراطية، فما عليه الآن سوى أن يربط حزامه قبل أن تحلّق طائرة الإبداعات وألاّ يُفوّت فرصة تثقيف نفسه بالمجان قبل أن ينتهي عرض تشكيل الحكومة التونسية الجديدة.

ولمن يريد أن ينعش ذاكرته ويراجع أفكاره أو حتى يتمرّد عليها، فما عليه الآن أيضا سوى أن يفتح عند غروب كل يوم المحطات التلفزيونية التونسية، ليغنم الجديد والثمين بالنهل مما ستحدّثه به مفاوضات تشكيل حكومة الحبيب الجملي من بدع ليس لها مثيل حتى في أعتى الديمقراطيات.

يمكنك متابعة الجديد في تونس، بمجرّد نقرة بسيطة على لوحة مفاتيح الكمبيوتر تُبحر بك في المواقع الإلكترونية التي تتداول صور الحبيب الجملي رئيس الحكومة المكلف من قبل حركة النهضة الإسلامية بتشكيل الحكومة وهو يتفاوض مع حزبين دخلا الانتخابات التشريعية بصفر من المقاعد البرلمانية وخرجا منها بصفر آخر لا يتيح لهما في أفضل الحالات سوى البقاء في المعارضة والتأمل في ماضيهما وأخطائهما لإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان.

طرح الجملي على حزبي المسار الديمقراطي الاجتماعي والتكتل من أجل العمل والحريات، فرصة المشاركة في الحكومة والمساهمة في إعداد برامجها السياسية، عرض سياسي كان يمكن أن يكون منطقيا لو اكتفت المشاورات بالاستئناس بأفكار حزبين سليلَي عقود من النضال زمن الدكتاتورية، لكن أن يتحوّل الحديث عن إمكانية دخولهما الحكومة، فهذا الحدث وحده قد يحيل المتابع إلى إعادة مراجعة حساباته بالتساؤل عن فائدة خروج الناخبين للانتخابات.

ليست المشكلة هنا في الاستماع إلى كوادر الحزبين، فحزب المسار يعد أقدم حزب على الساحة السياسية التونسية وهو سليل الحزب الشيوعي التونسي، كما للتكتّل أيضا من التاريخ والعراقة اللّذين يشفعان له ليقدّم النصائح، فهو حزب تقدّمي معروف بمواقفه الحداثية منذ عقود وكان يرأسه مصطفى بن جعفر الذي ترأس أول برلمان تونسي اُنتخب بعد ثورة يناير 2011.

إن طرح هذه المسألة في أصلها، يتعلّق أساسا بما وصلت إليه الديمقراطية التونسية من فوضى مصطلحات ومفاهيم مزوّقة منذ سنوات بشعارات التوافق والوحدة الوطنية، فالناخبون مازالوا لم يستوعبوا بعد كيف تجمع مفاوضات تشكيل الحكومة كل الأطراف البرلمانية بالرابح فيها والخاسر على قدم المساواة، فما بالك بأن يقدّم لهم الجملي اليوم فصلا جديدا من ديمقراطية الإكراهات عنوانه “حتى من لم ينجح سيحكم”.

الخوض في العرض السياسي المقدّم من مرشّح النهضة لتشكيل الحكومة، لم يأت من قبيل التخمين أو كنتاج لمحاولة تحليل إعلامي دون وقائع، فهذا التصور أكّده الأحد خليل الزاوية القيادي بحزب التكتل من أجل العمل والحريات الذي قال مباشرة لدى خروجه من جلسة التفاوض مع الجملي ” في صورة التوافق حول برنامج حكومي فإن حزب التكتل مستعد لدعم الحكومة وتكوينها والنظر في المشاركة فيها”. بل وأكد أن الحزب يشارك في اللجنة المكلفة بإعداد برنامج عمل الحكومة المقبلة.

على عكس الزاوية، حاول فوزي الشرفي الأمين العام لحزب المسار التقليل من الجدل، بقوله “نحن غير معنيين بالمشاركة في الحكومة، ما نريده فقط تحييد وزارات السيادة خاصة وزارتي العدل والداخلية”.

سياسة النهضة لا تبنى إلا على تذويب الأحزاب  وتفكيكها
سياسة النهضة لا تبنى إلا على تذويب الأحزاب  وتفكيكها

هذا الحدث الجديد، قد يؤكد أن خرافة التوافق في تونس تأبى مغادرة جسدها المريض، فحركة النهضة تدفع بقوة لإعادة الفشل مهما كانت الطرق، فالمهم لديها بعد رميها بالجملي وتقديمه بصفته “مستقلا” في قلب المعركة أن تتشكّل الحكومة اليوم قبل الغد ولكل حادث حديث في ما بعد.

لكن، في كل هذا اللغط ألا يُدرك الجملي المغمور سياسيا، كما هذه الأحزاب التي تناور بها النهضة، أن ما سيتم تقديمه مستقبلا هو فقط أشبه بإعادة إطلاق مسميات جديدة على أطراف كانت شريكة في الحكم؟

إن حزب المسار دخل في حكومة الوحدة الوطنية التي مكّنت أمينه العام في عام 2016 سمير الطيب من منصب وزير للفلاحة، ليجد  نفسه بعد ثلاث سنوات من الحكم خارج اللعبة السياسية بعدما تمرد الطيّب عليه واستقال منه لينضم إلى حزب “تحيا تونس” الذي يتزعمه يوسف الشاهد.

نفس التجربة مر بها حزب التكتل، فبعدما كان في مطلع الثورة من الأحزاب الموثوق بها شعبيا ورّط نفسه عبر رئيسه مصطفى بن جعفر في أواخر 2011 بالدخول في حكومة “الترويكا” التي قادتها النهضة، وأتت انتخابات 2014 ليجد التكتل نفسه على الهامش بل وأشبه بجثة حزب هامدة لا تفارقه تهمة التحالف مع النهضة.

في كل هذا، يبقى السؤال الأهم هو من سيربح ومن سيخسر؟ الرابح سيكون بكل تأكيد حركة النهضة، التي تدفع لمواصلة السير في إنتاج منظومة حكم واسعة كي تتجنّب المساءلة، مثلما حصل في الماضي، أما الخاسرون والضحايا، فهم بالجملة، أولهم الشعب الذي سيندم على الخروج إلى انتخابات لن تنتج برامج تلتقفه من جحيم أزمة الاقتصاد، وكذلك الأحزاب التي قد لا تتّعظ من تجاربها، فتأخذها حماسة الحكم لتجد نفسها بالنهاية تصارع شبح انقراض تتحمله وحدها لأنها لا تكف عن نشر تناقضاتها عند الخسارة بالتأكيد على أن سياسة النهضة لا تبنى إلا على تذويب الأحزاب  وتفكيكها.

6