طرق روسيا الشائكة في سوريا

روسيا، التي ربطت كل مصالحها ببقاء النظام، ماضية اليوم في فرض حلّها بالقوة، وعليها تحمّل عبء الضغوط الدولية وحالة عدم الاستقرار وتقديم التنازلات لإيران.
الأحد 2018/02/25
بوتين يبني مجده على جثث السوريين وركام مدنهم

قصفت القوات الأميركية عناصر الشركات الأمنية الروسية “فاغنر”، وما يرافقها من ميليشيات للنظام وإيران عندما حاولوا الاقتراب من أحد حقول النفط التي تسيطر عليها شرق دير الزور، لتعلن بذلك أن شرق الفرات خطّ أحمر!

وزادت واشنطن عدد القوات الموالية لها 50 ألف مقاتل، ورصدت موازنة 500 مليون دولار لحماية الحدود مع العراق وتركيا. وأدركت روسيا أنها خسرت ثلث مساحة سوريا، أي مناطق الجزيرة، الغنية بالنفط والغاز والأراضي الخصبة، الأمر الذي يناقض ما كانت تطمح إليه منذ اتفاق جنيف1، بأن سوريا هي منطقة نفوذ لروسيا.

لم يكن تمرير الوقت، بتعطيل روسيا أي حلّ سياسي، لمصلحتها؛ إذ فُتح الطريق أمام تنظيم داعش للتدفق إلى سوريا، كما العراق، ثم أتى التحالف بقيادة الولايات المتحدة بحجة محاربته، لتسيطر واشنطن على مناطق الثروات في سوريا، بمساعدة قوات سوريا الديمقراطية.

اعتمدت الاستراتيجية الروسية في سوريا على إبقاء بشار الأسد، وتمكينه من السيطرة على المناطق “المحررة”، فتدخلت موسكو في سبتمبر 2015، بموجب عقود وقّعتها معه، ولا تزال إلى اليوم تشارك بالقصف الهمجي والحصار، والضغط على المعارضة للقبول بالتسليم، كما حصل في حلب وحمص والغوطة الغربية، ويحصل اليوم في الغوطة الشرقية.

لم يتوصل مؤتمر سوتشي “الهزيل” إلى فرض مسار حلّ سياسي يقوده النظام، بعد رفض هيئة التفاوض، وغالبية المعارضة السورية الحضور، بالتزامن مع ذلك، تفاجأت بتحرك أميركي في عمّان، حيث التقى وزير الخارجية ريكس تيلرسون برئيس وفد هيئة التفاوض نصر الحريري في 14 فبراير الجاري، وتم الحديث عن مقترح الدول الخمس، والذي عُرف “باللاورقة” لإحياء العملية التفاوضية في جنيف، أي نسف كل مقرّرات سوتشي، في محاولة أميركية جديدة للتضييق على روسيا، لتقديم تنازلات جديدة.

روسيا تختار الطرق الشائكة لحسم ملف الغوطة لمصلحتها، فالظرف مختلف الآن، فيما تخطط واشنطن والقوى الأوروبية المعنية بالملف السوري لوضع اللّمسات الأخيرة على تقاسم الحصص في سوريا

تبدو الولايات المتحدة مرتاحة في سوريا، بعد أن حصّنت مكاسبها في مناطق شرقي الفرات، وتبقّى لها التفاهم مع تركيا حول منبج، وفيها قاعدتها العسكرية، وهي لم تمانع تدخّل تركيا والفصائل التي تدعمها في عفرين في ما يسمّى بعملية غصن الزيتون، التي تمت بموافقة روسية أيضا.

دعمت الولايات المتحدة الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابيا من قبل تركيا والناتو، إضافة إلى ملفّ عبدالله غولن الموجود في أميركا والذي يتهمه نظام رجب طيب أردوغان بمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا؛ كل ذلك دفع تركيا إلى الانضمام إلى الحلف الروسي الإيراني في سوريا.

كثَّفت الولايات المتحدة، المرتاحة في سوريا، تحركاتها الدبلوماسية مع الأتراك؛ حيث زار مستشار الأمن القومي الأميركي هربرت ماكماستر تركيا، وكذلك فعل تيلرسون، ثم التقى وزيرا دفاع البلدين في بروكسل قبل أيام، وهو ما يقلق روسيا.

تسربت أنباء عن اتفاق يقضي بخروج القوات الكردية ودخول النظام إلى عفرين بموافقة تركية. وبالفعل تجري محادثات بين دمشق وقيادات قوات حماية الشعب الكردية، لكن الأخيرة ترفض الخروج من عفرين، ودعت النظام إلى التدخل، مقابل تسليمها له أحياء الشيخ مقصود والأشرفية والحيدرية، التي تسيطر عليها في حلب.

هنا روسيا لا تأمن جانب النظام نفسه، وكذلك تخشى من تنسيق أميركي مع تركيا، ومن خسارة حليفها الاستراتيجي في سوريا، أي تركيا، والتي لا تزال متمسّكة برحيل الأسد.

عملت روسيا على قلب الطاولة في عفرين، بإرسال ميليشيات تابعة للنظام إليها تحت مسمّى “قوّات شعبية”، والتي تبيّن أنها ميليشيات طائفية من نبل والزهراء، ما يعني أن إيران أيضا لها دور، وهي كانت رافضة للعملية التركية في عفرين.

لا تقبل تركيا بغير انسحاب قوات حماية الشعب الكردية إلى ما وراء الفرات، وهدّدت بقصف الميليشيات التابعة للنظام في عفرين. والآن ازداد الوضع تعقيدا في عفرين، وأمام الولايات المتحدة مهمة إيجاد صيغة تفاهم ترضي الجميع بشأن منبج ومعها عفرين.

يأتي التصعيد الأخير والعنيف على الغوطة الشرقية أيضا في إطار الفشل الروسي في الضغط على الفصائل للمشاركة في سوتشي، والرضوخ للرغبة الروسية في بسط سيطرة النظام على كامل الأراضي السورية. وهي تَعتبِر، وفق مخرجات سوتشي، أن “كل سلاح خارج السلطة هو إرهاب ويجب محاربته”، وبالتالي تسعى روسيا لفرض سيطرة النظام على الغوطة الشرقية بالعنف المفرط والتهجير على غرار ما فعلته في حلب، دون أن تتعرض للمساءلة.

تختار روسيا الطرق الشائكة لحسم ملف الغوطة لمصلحتها، فالظرف مختلف الآن، فيما تخطط واشنطن والقوى الأوروبية المعنية بالملف السوري لوضع اللّمسات الأخيرة على تقاسم الحصص في سوريا، وبالتالي القضم من النفوذ الروسي.

في كل الأحوال، مسألة حسم الغوطة ليست بالأمر السهل على روسيا والنظام وحليفهما الإيراني؛ ولا إخراج المدنيين للتخلص من عبء الضغط الغربي. الأمر يحتاج إلى حرب طويلة قد تستنزف قوّاتهم بريا، والوقت ليس في صالح الروس لإطالة أمد المعارك؛ فضلا عن أنّه حتى لو تمكّنت روسيا من إخلاء الغوطة من المسلحين، فقد تضطر إلى التنازل عنها لحليفها الإيراني على أرض المعارك، ومنافسها على عقود الاستثمار، خاصة أن أمامها مفاوضتها في ما يتعلّق بأمن إسرائيل.

وبالتالي لا يبدو أن حصة روسيا، في أحسن الأحوال، ستتجاوز مناطق الساحل السوري، حيث القواعد العسكرية في طرطوس وحميميم، إضافة إلى ما حصلت عليه من عقود استثمار للفوسفات والغاز في مناطق حمص.

أميركا والدول الأوروبية، وحتى تركيا، شركاء، ولا يمكن لروسيا وإيران تجاهلهم في تقرير مصير سوريا؛ والحل الروسي المتعلق بإبقاء بشار الأسد بات غير مقبول بالنسبة لتلك الدول، حيث الرأي العام فيها يرى النظام مجرم حرب.

روسيا، التي ربطت كل مصالحها ببقاء النظام، ماضية اليوم في فرض حلّها بالقوة، وعليها تحمّل عبء الضغوط الدولية وحالة عدم الاستقرار وتقديم التنازلات لإيران.

5