طريقة جديدة للتعامل مع الأدب المصري والعربي

حظي كتاب “أدب المصريين” للكاتب المصري أحمد سراج بحفاوة نقدية قلّما تتاح لكتاب بحثي، ووصفه البعض بأنه “مشروع مهم في سياق التأريخ الأدبي”، الأمر الذي دفع المؤلف إلى استكمال مشروعه بأجزاء جديدة، منها “أدب المصريين – حوارات وقضايا”، الذي يعكف فيه على إنجاز حوارات كاشفة مع قائمة مطوّلة من الكتّاب المصريين. “العرب” التقت الكاتب أحمد سراج في القاهرة، وكان لنا معه هذا الحوار.
الثلاثاء 2017/10/17
هيا ننتج نظريات منبثقة من ظروفنا

القاهرة- “أدب المصريين”، عمل موسوعي كبير، متعدّد الأجزاء، للكاتب والمسرحي المصري أحمد سراج، صدر الجزء الأول منه في قرابة أربعمئة وخمسين صفحة عن “المكتب المصري للمطبوعات”، بعنوان “شهادات ورؤى”، ويستعد المؤلف لإصدار الجزء الثاني بعنوان “حوارات وقضايا”.

يتضمن الجزء الأول من “أدب المصريين” شهادات لستة وستين كاتبا ومبدعا مصريًّا من أجيال وتيارات مختلفة، مع نص إبداعي لكل كاتب، في إطار الإجابة عن أسئلة مفصلية من قبيل: ما الكتابة؟ لماذا يكتب المبدع؟ كيف يكتب؟ ويسعى المؤلف إلى التعاطي مع هذه الشهادات الأدبية بوصفها جنسا أدبيًّا بحد ذاتها، أملًا في رسم ملامح المشهد الإبداعي الراهن ككل.

الروائيون: إبراهيم عبدالمجيد، سعيد نوح، محسن يونس، وحيد الطويلة، هاني القط، هشام علوان، وغيرهم، وكتّاب القصة القصيرة: أحمد مجدي همام، سعاد سليمان، شريف صالح، شريف عبدالمجيد، وآخرون، والشعراء: أسامة الحداد، عزمي عبدالوهاب، علي عطا، فتحي عبدالسميع، وليد علاء الدين، مسعود شومان، مصطفى الجارحي، يسري حسان، والمئات من الأسماء الأخرى، شكلت مادة خصبة لموسوعة “أدب المصريين”، فماذا يقصد الباحث بجمع شهادات ورؤى وحوارات هؤلاء المبدعين؟

يشير المؤلف أحمد سراج في حديثه لـ”العرب” إلى أن مشروعه البحثي أو التوثيقي، له جانبان، فمن جهة هو يمنح القارئ نصوصا إبداعية في الشعر والقصة وشعر العامية وأدب الأطفال والسرد الروائي، ومن جهة أخرى يكشف ملامح ورؤى وخفايا ستة وستين كاتبا من خلال شهاداتهم المتعمقة، التي تكاد تعطي صورة صادقة ومتطورة عن أدب المصريين.

تجارب السالفين

ربما يبدو للبعض أن أحمد سراج يكرر تجارب السالفين، فيصنع كما صنع أبوتمام حماسته، وكما فعل المفضل في مفضلياته، وكما اجتمع طه حسين والجارم في تقديم مختارات من الأدب العربي بعناوين مختلفة.

وعن ذلك يقول سراج “في هذا شيء من الصحة، فأنا أعمل مستفيدا من تطوّرات العصر، ناهلاً من الحاضر، ناظرا إلى المستقبل، محاولا لفت الانتباه إلى طريقة جديدة للتعامل مع الأدب المصري، والعربي حال نجاح هذه التجربة، نستطيع من خلالها أن نفيد القارئ والكاتب والناقد”، مشددا على أن أهم عنصر لشيوع منتج هو توفره وإتاحته، وهذا ما يطمح إليه من خلال كتاب “أدب المصريين”.

"أدب المصريين" يأمل أن يكون شمعة على طريق جمع المحتوى العربي عامة، والمصري خاصة، لحمايته من الاندثار

يحاول الكتاب، كما يقول سراج، أن يقدّم صورة عن الأدب المصري، متخذا من ثورة 25 يناير 2011 خيطًا للانطلاق والتقويم، ولا يعني هذا إهمال ما قبل ذلك التاريخ، لكن طموح السعي إلى وجود نظرية إبداعية ونقدية عربية دفع الباحث هنا إلى اعتبار حدث الثورة لا يقل أهمية عن عصر النهضة الأوروبية وما واكبه من ظهور الحداثة ونظرياتها.

السؤال الذي يحاول مناقشته: لماذا لا توجد لدينا نظرية نقدية؟ ويقول “ليس جلدا للذات، بل من أجل المستقبل: هيا ننتج نظريات منبثقة من ظروفنا”.

ويرى سراج أن لدى المصريين، والعرب عموما، معايير أساسها جودة الكتابة، وإخلاصها، ويقول “لدينا الجنس الأدبي (كثابت)، وما طرأ عليه بعد الثورة (كمتغيّر). مثلا، حدث انفجار روائي، وخرجت أسئلة من عيّنة؛ لماذا تحوّل الشعراء إلى الرواية؟ ولماذا تحتل الرواية الأكثر مبيعا؟ في حين أن الفكرة التي أريد اختبارها هي: لماذا سادت الرواية كتابة وقراءة ونقدا؟

من هنا، كما يفسّر سراج، جاء القسم الخاص بالرواية، يحمل عنوان “أنهار الرواية المصرية”، ومن هنا كان المؤلفون يشتركون في ما يشبه الطفرة الكمية والكيفية في الكتابة بعد الثورة، ويلاحظ أن العمل بدأ في هذا الكتاب في الربع الأول من 2015، وهذا يعني أننا على بعد أربع سنوات، ما يسمح من الاقتراب من ثورة 2011، حتى لو بحذر.

ولأن هناك معيارا لما جرى للجنس الأدبي، فهناك عيّنة غير مستهدفة، رغم أنها من علامات هذا الجنس، فالكتاب ليس معنيا بتقديم أشخاص، وليس هذا تقليلا لهم، بل استجابة لمعيار محدد، يمثل خرقه شربًا للخمر وسط الصلاة، وفق المؤلف أحمد سراج، الذي تساءل: هل يمكن لمصري أن يكتب كما يكتب غربي عاش الحرب العالمية الأولى وعاناها أسبابا ووقائع وآثارا وتداعيات؟

لا يظن سراج أن هناك اختلافا كبيرا على إجابة لهذا السؤال، ويقول “الأحرى أننا سنجد أنفسنا أمام سؤال: ألم يتأثر المصريون بثوراتهم وحروبهم؟ ولأن هذا محال؛ فإن علينا أن نسأل عن جناية من سبقونا في إهدار فرصة لإنتاج مدارس أدبية ونقدية وسياسية واجتماعية، وعلينا إذن أن ننحني إكبارا لأولئك الأُول الذين أنتجوا عمود الشعر وحماسته وموازناته. لكن الأهم أن لدينا فرصة، وأن لديّ أملاً محددا”.

مشروع توثيقي

محتوى رقمي

يرى أحمد سراج أن توفير محتوى رقميّ لأي عمل بحثي وموسوعي أمر ضروري، قائلا “ما نسبة المحتوى العربي على الإنترنت؟ ثلاثة بالمئة على الأكثر! كيف نتعامل مع الكمبيوتر؟ نلعب؟ نقضي فراغنا؟ نتحاور؟ نضيع أوقاتنا؟ هل يمكن أن يلفت هذا الكتاب النظر إلى وجود تأثير وتأثر بما جرى على أرض مصر في ثورة 25 يناير المجيدة وقبلها وبعدها؟ وهل يمكن اعتبار هذه الثورة مرتكزا لبزوغ مدارس إبداعية ونقدية وفلسفية وسياسية واجتماعية واقتصادية؟”.

من طموحات سراج كذلك أن يسهم “أدب المصريين” في توفير شمعة على طريق جمع المحتوى العربي عامة، والمصري خاصة، لحمايته من الاندثار، وإتاحته لمن يرغب في التعامل معه في أي وقت وأي مكان، وأن يكون هذا الكتاب بذرة في هذا الصدد، من خلال إيجاد بنية قريبة من عضو الواقع الافتراضي.

ويتطلع المؤلف إلى أن يكون “أدب المصريين” بداية لتطوير الاهتمام بالمحتوى العربي عبر صياغة نموذج أولي، يعوزه التطوير لبشريته، وينقصه الكثير لطبيعة وعائه الورقية وحدود قدراتها.

وأكد سراج أن الكتاب المطبوع له حدود وقدرات، ويظن أنه ساعٍ إلى أن يصبح الكتاب موقع تواصل اجتماعيّ على شبكة الإنترنت، إذ يمكن ساعتها مثلا إضافة الكتب بموافقة أصحاب حقوق الملكية، وإجراء حوارات تفاعلية بين الكتاب والقراء، مضيفا “أغمض عيني فأرى كتابنا بكتبهم وآرائهم ودور نشرهم”.

لم يحلل أحمد سراج شهادات المبدعين في “أدب المصريين”، ولم يشتغل عليها. ويراهن على أن قارئ الكتاب سيجد وجهًا من الوجوه يرضيه، موضحا لـ”العرب” بقوله “المهتمون، مثلًا، بدراسة الأدب نفسيًّا، سيجدون أمامهم ما يمكنهم من دراسة المبدع سيكولوجيًّا، من خلال اعتراف مكتوب/ استبطان الذات، وهو ما قامت عليه مدرسة الجشطالت (من المدارس التي اهتمت بدراسة علم النفس)، وما لا تهمله النظريات النفسية، وسيجدون نصًّا له، والأهم أنهم أمام فرصة عظيمة لدراسة أمة المصريين في لحظة فارقة.

ماذا بعد الكتاب الورقي {أدب المصريين}؟ يجيب سراج: هناك صفحة إلكترونية تحمل العنوان ذاته، يتم بث المشروعات والتجارب عليها، تمهيدا للموقع الإلكتروني، ويقول “هناك كذلك: أدب المصريين/ حوارات وقضايا، الذي يتناول حوارات مع الكتاب والنقاد أصحاب المشاريع الكبرى ممن ولدوا بين 1940 و1960، وقد تم بالفعل إنجاز حوارات مع أحمد شمس الدين الحجاجي وسليمان العطار ورفعت سلام وشاكر عبدالحميد، ويجري الإعداد لبقية الحوارات”.

15