طريقة واحدة لأحبك وألف طريقة لأقتلك

الجمعة 2014/06/20

لم تكن عدوانية “العراقي المعاصر” بحاجة إلى التستر خلف لوحة مفاتيح الكمبيوتر، كي تبدو أكثر فظاعة كما هي اليوم على تويتر مثلا. المواطن الصحفي يعرف طريقة واحدة كي يحب غيره وألف طريقة كي يقتله افتراضيا، وكأن الاختفاء خلف الجهاز مصدر حماية يكتفي من دون أن يكون ثمة رادع أخلاقي ذاتي.

وسائل الإعلام تعول على “المواطن الصحفي” كمصدر خبري في الأحداث الكبرى عندما تفقد مصادرها على الأرض لأي سبب كان، ويبدو مثال الثورة الخضراء التي اندلعت في إيران ضد حكم أحمدي نجاد قبل سنوات مثالا متميزا في ذلك، عندما استقت محطات تلفزيونية دولية ووكالات أنباء أخبارها من مواقع التواصل الاجتماعي، بعد ان فرض ملالي طهران طوقهم الأعمى على المراسلين.

وتكشف أحداث العراق المتصاعدة اليوم بأكثر من اتجاه، درجة من الفشل للدور المرتجى من ذاك المواطن الصحفي، فما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من المدن العراقية التي استولى عليها المسلحون والمدن الأخرى التي تحت سيطرة الحكومة، ليس أكثر من “هراء طائفي” يمثل ما يريده المغرد على تويتر أكثر من عكس صورة واقعية عن الواقع الملتبس، فبدا “المواطن الصحفي” في العراق اليوم معادلا طائفيا لطائفية الميليشيات والأحزاب الدينية الحاكمة أكثر منه مصدرا خبريا مفيدا.

علينا هنا ألا نتردد في تأشير العجز الواضح في وكالات الأنباء الدولية والمحطات التلفزيونية عن معالجة الخبر العراقي وتداعياته المتصاعدة. الأمر الذي يؤول بالضرورة إلى حضور المواطن الصحفي كمصدر إخباري لحدث ساخن. لكن فشل بدرجة كبيرة في ذلك.

فماذا فعل العراقيون على أجهزتهم المحمولة وهواتفهم النقالة أكثر من بث مشاعرهم الطائفية مع وضد المجموعات المتصارعة؟ كم أوجدوا من بدائل لاختراق الحظر المفروض من حكومة بغداد على الإنترنت.

تبدو الإجابة على مثل هذه الأسئلة خيبة مريرة، تعادل الخيبة التي يعيشها العراقيون تحت حكم الأحزاب الدينية والميليشيات. العالم ينظر إلى التصاعد الكبير في الخدمة الخبرية التي يقدمها المشتركون على تويتر وفيسبوك بأهمية حجّمت من مساحة دور محرر الديسك في الصحف والمحطات الفضائية، ولكن باستثناء بعض الأفلام القصيرة المصورة من أحداث الموصل، فإنه لم يتم الاعتماد على ماهو مفيد من ملايين التغريدات التي عالجت الأحداث في العراق.

في وقت أفضت التعليقات في الحال العراقي إلى تهديدات متبادلة بين المشاركين، تحمل معها السؤال عما إذا كانت مثل هذه التهديدات تحميها حرية التعبير، وهل حقا قدم العراقيون صورة واضحة عن قضيتهم للعالم؟ أم دخلوا في فوضى تعليقات كما هي حال بلادهم في فوضاها الواقعية.

لو تسنى لمغرد في عراق اليوم أن يرسل شحنة كهربائية قاتلة مع رده على مغرد عراقي أو خليجي آخر، لفعلها، لكن من حسن الحظ لم توفر التقنية مثل هذه الخدمة إلى اليوم!

لم يفشل المواطن الصحفي على امتداد سنوات عمره القليلة مثلما فشل في العراق اليوم، فظهر المشهد ملتبسا في كل وسائل الإعلام، وبدارسة سريعة لطبيعة خطاب وكالات الإنباء العالمية على مدار الأيام الماضية نكتشف الخط البياني الملتبس في نوعية تغطيتها، بينما ضيع العراقيون فرصة جديدة مضافة لتوضيح قضية بلادهم أمام وسائل الإعلام، تكشف على الأقل أكاذيب السياسيين ورجال الدين في واقع سياسي وإعلامي رث.

18