طريق الآلام

السبت 2015/07/04

بعد مرور فترة طويلة على عمليات خطف الإيزيديات العراقيات من قبل عصابات داعش، ما زالت الأعداد ترتفع بوتيرة غير منطقية، في إحصاءات متباعدة وغير دقيقة وعلى مسؤولية ناشطين مدنيين وعاملين في منظمات إنسانية محلية ودولية، فقد تم تحرير بضعة مئات منهن عن طريق دفع الأموال وتكليف وسطاء لـ”شراء” الفتيات في مزادات البيع و”أسواق النخاسة”، التي تنظم بين الحين والآخر في المدن التي تسيطر عليها العصابات. تحرر الفتيات لغرض إرسالهن إلى ذويهن أو لمجرد إبعادهن إلى مناطق تقع خارج نطاق سيطرة التنظيم الإرهابي، خاصة أن الأغلبية الساحقة من المواطنين العراقيين الإيزيديين تبعثروا في مدن النزوح واللجوء وعدد كبير من ذوي الفتيات المختطفات قتلوا في سلسلة من عمليات تصفية شنيعة.

قصص وحكايات مريرة تتجاوز كثيرا حدود الخيال، رافقت بعض الناجيات في طريق عودتهن إلى استئناف رحلات نزوح جديدة، وأغلبهن تم إنقاذهن بعد فوات الأوان، مجرد جسد منتهك الحرمات لا روح فيه، فقد كل الأسباب التي تربطه بالحياة الإنسانية إلا من جنين يملأ أحشائهن كشاهدة قبر تؤرخ لبداية وخطوة أولى على طريق الآلام.

تنظر المرأة المسكينة إلى جارتها بحسرة وحيرة، في زيارة خاطفة بعد مرور بضعة أشهر على اختطافها وهي تحاول مداراة خجلها وقلة حيلتها من مشهد بطنها المنتفخ. ترى، كيف ستقضي بقية شهور الحمل وكيف سترضع طفلا تحبه لكنها ترفض وجوده، وماذا لو لم تتمكن من الهرب من مخالب قاتل جديد استولى عليها عنوة بعد أن فقدت والد جنينها في مستنقع الإرهاب؟ لماذا لا تقتل نفسها والجنين والقاتل معا، فتريح وتستريح؟

يحدث الأمر هكذا، يجوب القتلة قاعات تعرض ضحايا للبيع، ويتم الاختيار والمفاضلة بين الوجوه المتعبة؛ فهذه فوق الثلاثين وتلك أم تصطحب طفلها الرضيع، وهناك الزوجة والأرملة والفتاة الصغيرة، حتى تتم صفقات البيع ومن ترفض ينتظرها عقاب الرجم وتسبغ عليها التهم التي تفصل على مقاس كوابيسها.

أما الجميلة التي اختارت الترجّل عن ركب الضحايا وأحرقت وجهها وجسدها، عن أن تدنس بأيدي المغتصبين، فلم تعد جميلة بعد أن تحولت ملامحها إلى كومة من الجلد واللحم النافر، لكنها ما زالت معلقة بحبال الخلاص في انتظار من وعدها بعمليات ستجرى لها في مراكز تجميل ستعمل جاهدة على إصلاح وترقيع الملامح المبعثرة. في رحلتها الطويلة هذه خارج أرض الوطن قد تجد من يرمم لها أجزاء مبعثرة من وجهها وجسدها، لكن من سيجمّل الروح التي شوهتها التجربة؟

خوفا من مصائر مجهولة، اختار الآلاف من الإيزيديين الفرار من بطش ما يعرف بتنظيم “دولة الخلافة” في اتجاه الحدود العراقية التركية، ليتناثروا مجموعات عشوائية في مخيمات اللجوء على مشارف المدن والقرى التركية ولشهور طويلة، لكنهم عانوا الأمرّين من أوضاع إنسانية صعبة، إضافة إلى تضييق الخناق على حرياتهم. ليبدأوا -مرة عاشرة- رحلات نزوح جديدة عبر المناطق التركية باتجاه الحدود، لمواصلة اللجوء إلى أوروبا. بيد أن الأبواب الوهمية للحدود الجديدة بقيت مغلّقة في وجوههـم، كما هي أبواب العودة.

وما زال الناجون من القتل والتنكيل والاغتصاب وانتهاك الروح والجسد، أطفالا ونساء وشيوخا، يقفون هناك في اللامكان وعلى مفترق طرق الآلام وعيونهم تتنقل بين أرضين؛ أرض غريبة لا ترحّب بمقدمهم، وأرض عزيزة لا تنتظر عودتهم.

21