طريق الألف ميل إلى الكتاب تبدأ بقارىء

السبت 2014/08/09
مؤلفون بريطانيون واعمالهم: حتى المقاهي في بريطانيا تساهم في تشجيع نشر الكتب من خلال الجوائز التي تقدمها على شاكلة جائزة "كوستا"

شهدت دور النشر البريطانية خلال الخمسين عاما الأخيرة تحولا بسيطا في آليات عملها، فبدلا من أن تستلم المخطوطات مباشرة من أصحابها كي يقرر محرروها قبولها أو رفضها، تحوّل جزء مهم من هؤلاء المحررين إلى “وكلاء أدبيين” Literary Agents يقومون بغربلة ما يقدم إليهم من كتابات -في حالة قبولهم بها- قبل بدئهم في البحث عن دار للنشر تتبنى مخطوطاتهم.

عادة ما يكون السؤال الجوهري الذي يطرحه الوكيل الأدبي على أيّة مخطوطة تصله -أو جزء صغير منها-: هل يمكن أن تتحول إلى سلعة مربحة؟ وإذا كان الجواب بالنفي، يتم إخبار المؤلف، السيّئ الحظ، برفض مخطوطته.


الوكيل الأدبي


الطريف في الأمر، أن العديد من مخطوطات الروايات التي فازت لاحقا بجوائز أدبية رفيعة في بريطانيا، قد رفضت من أكثر من وكيل أدبي، قبل أن يتبناها مغامر تنبأ بحدسه ما تحمله من جاذبية للقارئ المفترض.

ومع تعدد أصناف الكتب، أصبح الوكلاء الأدبيون أنفسهم متخصصين في مجالات محددة، مثل الأدب القصصي أو الخيال العلمي أو المذكرات أو الدراسات العلمية وغيرها.

من جانبه، يعمل لدى كل وكيل أدبي عدد من “القراء”، وهم من الشباب المتخرجين للتوّ من جامعات راقية، ككمبردج وأكسفورد حيث درسوا في اختصاصات لها علاقة بأصناف المخطوطات المقدمة إليهم. وهم في عملهم هذا يكتسبون خبرة تمكنهم مستقبلا أن يصبحوا محررين بدورهم.

في مراجعة المخطوطة يقدم “القارئ” عرضا مفصلا عنها، مبينا نقاط الضعف والقوة فيها وما يجب عمله من قبل الكاتب لتحسين هذا الجانب أو ذاك، هذا إذا كان هذا “القارئ” مقتنعا بأن المخطوطة تصلح أن تكون سلعة رائجة.

في حال موافقة الوكيل الأدبي على المخطوطة، يبادر بإعادتها إلى صاحبها مع جملة ملاحظات، تهدف إلى إجراء تعديلات طفيفة عليها هنا وهناك. وعندما يستلمها كاملة يبادر بإرسالها إلى عدد من دور النشر البارزة.

بعد هجمات 11 سبتمبر، شهدت سوق الكتب الأميركية والبريطانية ارتفاعا هائلا في النصوص المعنية بالإسلام


درب الألف ميل


لا يكفي للمخطوطة أن تكون متكاملة كي تقبلها دور النشر، فهناك عامل أساسي يلعب في اختيارها للنشر: إنه الاهتمام العام بهذه القضية أو تلك.

بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، شهدت سوق الكتب الأميركية والبريطانية ارتفاعا هائلا في النصوص المعنية بالإسلام والمجتمعات العربية، وأصبح استكتاب الأكاديميين المتخصصين في هذا الحقل ظاهرة منتشرة، حيث جندت دور النشر الكبرى أفضل المترجمين للتعامل من نصوص قديمة وحديثة ذات علاقة بالإسلام وتاريخه.

من بين الكتب التي عرفت رواجا واسعا ترجمة جديدة للقرآن الكريم، قام بها الأكاديمي الفلسطيني طريف الخالدي لصالح دار بنغوين. وفي هذه الترجمة الجديدة، سعى المترجم إلى تقليد الأسلوب الأدبي للقرآن، وتبنى لغة أنكليزية معاصرة، على خلاف التراجم السابقة التي تبنت لغة كلاسيكية عند ترجمتها للقرآن.

لكن قبول دار النشر بالمخطوطة لا يعني إلا الخطوة الأولى في درب الألف ميل بالنسبة إلى المؤلف؛ فبعد قراءة المحرر لها، ستعاد المخطوطة إلى صاحبها مع قائمة طويلة من الاقتراحات. إذا كانت رواية، ستشمل الاقتراحات تطويرا لهذا المشهد أو ذاك، وحذفا لهذا الفصل أو ذاك، وتطويرا لهذه الشخصية أو تلك، وأحيانا يطلب المحرر من المؤلف إجراء تغييرات بنيوية في عمله، قد يضطر الكاتب إلى العمل ليل نهار، لتنفيذها، وأحيانا تستغرق التعديلات أكثر من عام.

بعد انتهاء هذه المرحلة، يدخل عدد من المحررين المتخصصين في مجالات أخرى، مثل اللغة، ووضع الهوامش، ودقة المعلومات والإشارة إلى المصادر التي اقتبس المؤلف منها جملة ما، قبل المرور إلى المحرر القانوني الذي يساهم في تغيير أيّ جزء قد يضع دار النشر موضع المساءلة القضائية.

أخيرا، يأتي دور الفريق الفني- الإعلامي المعني بشكل الكتابة والحروف وحجمها وطريقة توزيعها على متن الكتاب، ما هو العنوان المناسب للرواية، كي تكون أكثر جاذبية، وما هي صورة الغلاف المناسبة للتسويق، وأي خط يصاغ به اسم الرواية واسم مؤلفها.

قبول دار النشر بالمخطوطة لا يعني إلا الخطوة الأولى في درب الألف ميل بالنسبة إلى المؤلف

شبكة علاقات


قبل صدور الطبعة ذات الغلاف السميك، تصدر دار النشر طبعة مصغرة “خشنة” لا تزيد نسخها غالبا عن الثلاثمئة، وهذه توزع على الصحف والنقاد والمؤلفين المشهورين. وفي هذه المرحلة يبدأ الوكيل الأدبي بأداء دوره لترويج الكتاب، من خلال شبكة علاقاته الأدبية. ويطلب من الروائيين أن يكتبوا جملة ما عن العمل الجديد، إن هم أحبوه لطبعها على جلد الغلاف. وإذ تتهيأ دار النشر إلى إصدار الطبعة الأنيقة الأولى بعد تصحيح كل الأخطاء المطبعية التي برزت في الطبعة “الخشنة” المصغرة، يكون الكتاب قد حظي بقدر من الإعلان عبر المقالات التي نشرت في الصحف الوطنية البارزة.

مقابل صدور الكتاب، يحصل المؤلف على سلفة من دار النشر تتراوح ما بين 1000 ومئة ألف جنيه. ومنها يحصل الوكيل الأدبي على عمولته التي تبلغ عادة 15 بالمئة من كل جعالة مخصصة للمؤلف -النسبة المحددة للمؤلف من كل كتاب تحصل عليها دار النشر-. وعمل الوكيل الأدبي لا ينتهي بصدور الكتاب، بل هو يراعي مصالح المـــؤلف بشكل كامل، كي يتفرغ الأخير ويركز جهوده على كتابة عمل جديد.

وهنا تجدر الإشارة إلى نشر الكتاب بطريقة أخرى مختلفة عن الطريقة التقليدية، فهناك اليوم النشر الرقمي، عبر مؤسسات إلكترونية، مثل أمازون، حيث يغطي المؤلف تكاليف إصدار كتابه رقميا. وعادة تتبنى أمازون طبعه ورقيا في حال وجود عدد مقبول من الطلبات عليه. لكن حظوظ النجاح في توزيع الكتاب ضئيلة، إذا علمنا أن هناك أكثر من 250.000 عنوان كتاب في خزانات أمازون الإلكترونية.

لذلك فإن نشر كتاب في العالم الأنجلو- ساكسوني لا يعني الكثير، إذا لم يجد صدى له بين قطاع من القراء، من خلال اقتنائهم له كسلعة فاخرة، يتنقل معهم في رحلاتهم وغرف نومهم ويدخل في أحاديثهم مع شركاء حياتهم وأصدقائهم.

هذا الطريق الذي ظلت دور النشر ملتزمة به ضمن بقاء نوعية للكتاب عالية، وذائقة للقارئ راقية، وهي غير مستعدة للمساومة على التخلي عنه.

17