طريق البغل

الحَمَلُ تحوّل إلى جَمَلٍ ثم إلى بَغلٍ في طريق بعض الأعراب.
الجمعة 2020/09/04
“ع هدير البوسطة”

عادت فيروز إلى محبيها الأسبوع الماضي مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لها في بيتها لتناول وجبة خفيفة وفنجان قهوة. وعادت أغانيها التي لم تغب في الواقع عن يوميات الناس، لكن أخذت تُسمع أكثر وربما بطرق جديدة. حتى أن بعض المتنمّرين ركّب مقطعا من أغنية “ع هدير البوسطة” على صورة الرئيس ماكرون وزوجته “في واحد هو ومرتو، ولو شو بشعة مرتو”. وهكذا والله المستعان.

لفيروز أغنية فريدة الدلالات والمعاني من بين المئات من القطع الفنية الرقيقة التي رافقت وترافق صباحاتنا، غير أن هذه الأغنية تحمل مضامين غير عادية، تلاحق فيها فيروز حشرة صغيرة الحجم، في مساراتها ودروبها. إنها أغنية “طريق النحل” التي كتب كلماتها الأخوان عاصي ومنصور رحباني عام 1972.

وتقول كلماتها “إنت وأنا ياما نبقى، نوقف على حدود السهل، وعلى خطّ السما الزرقا، مرسومة طريق النحل، أنا ومتكيّة ع بابي مرقت نحلة بكّير، غلّت بزهور الغابة وصارت تعمل مشاوير، وتعن العنين حزين ومش حزين. وبسكوت الضهرية تكسّر الحنين. إذا رح تهجرني حبيبي، ورح تنساني يا حبيبي. ضل تذكرني وتذكر طريق النحل”.

أما طريق المستمعين إلى ابنة ماردين المولودة في بيروت، منذ ظهورها أول مرة على أثير إذاعة دمشق عام 1953، فكانت طريقا مختلفة عن طريق تلك النحلة الذكية الهميمة التي تبجّلها الأمم. وكلما استمعتُ إلى تلك الأغنية أتذكر ما حدث حين ذهب أهل الكوفة في العراق إلى المدينة، يشتكون من أميرهم سعد بن أبي وقاص، للخليفة العادل عمر بن الخطاب. استمع إليهم ثم قال “لأُبْدِلَنَّكُمْ حَتَّى ترضَون، ولو هَلَكَ حَمَلٌ مِنْ وَلَدِ الضَّأْنِ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، ضَائِعا؛ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عنه”. ولكن المخيلة العربية الغاضبة آنذاك لم توصل، في الطريق ما بين الحجاز والعراق، الكلام الذي قاله عمر كما هو، بل أعطاه الرواة جرعة من السخرية للتعريض بالشخص المعني حينها، سعد، لتصبح صيغته “لَوْ مَاتَ جَمَلٌ ضَيَاعا عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُ”. وقبل أن تصل قوافل العائدين إلى الكوفة، رفعوا العيار أكثر، فصار الكلام هكذا “لو عثرت بغلة في طريق العراق لسألني الله عنها لِمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟”.

وهكذا تحوّل الحَمَلُ إلى جَمَلٍ ثم إلى بَغلٍ في طريق بعض الأعراب. وظلّت طريق البغل تنتظر من يصلحها من تلك الأيام وحتى أيام ماكرون، وظلّ ذلك البغل الخالد مصرّا على طأطأة رأسه والمشي في أي طريق مهما كانت وعرة متعرّجة حتى لو قادته إلى الهاوية.

24