طريق الترجمة

اللغة الصينية صارت تشكل، منذ عقد، اللغةَ الأولى على مستوى ترجمة الكتاب الفرنسي، ساحبة بذلك البساط من تحت أقدام اللغة الإنكليزية التي اعتادت أن تتربع على مجال الترجمة.
السبت 2018/08/18
احتفاء معرض بكين الدولي للكتاب بالمغرب

بحلول يوم السبت، أكون قد وصلتُ إلى الصين. وبرغم جهلي بلغة البلد، أزعم أن خيطا ما يربطني به، وذلك بفضل زياراتي له والعلاقة التي تربطني بعدد من مثقفيه ودور نشره، وأيضا، وبشكل أساس، بحكم الصورة التي تمنحها الصين للآخر، كبلد استطاع إعادة بناء نفسه، متملكا القدرة على اجتياح العالم بفضل قوته الناعمة، بعيدا عن سلطة السلاح وعن منطق ليٍّ الأذرع. ولذلك، كان عاديا أن تشكل الثقافة، وعلى رأسها الترجمة، الضوءَ الذي ينير طريق الحرير، الذي أحيته الصين، بروح جديدة ملائمة للقرن الحالي ولتحولاته.

ويبدو مدهشا أن تتحرك آلة الترجمة الصينية في كل الاتجاهات اللغوية وأن تشمل كل الجغرافيات الثقافية. ولعل كل مسؤولي دور النشر العربية صاروا يحفظون وجوه الشابات والشبان الصينيين الذي يحرصون على التواجد بأغلب معارض الكتاب، تسبقهم أسماؤهم العربية المستعارة، من باب تسهيل التواصل، وعلى التجول في كل الأروقة، بهدف بيع أو شراء حقوق كتاب ما.

ولعل من مؤشرات هذه الحركية، على سبيل المثال، أن اللغة الصينية صارت تشكل، منذ عقد، اللغةَ الأولى على مستوى ترجمة الكتاب الفرنسي، ساحبة بذلك البساط من تحت أقدام اللغة الإنكليزية التي اعتادت أن تتربع على مجال الترجمة.

والأكيد أن ذلك يشكل امتدادا طبيعيا لحجم حركية النشر ببلد كبير كالصين، حيث يتجاوز عدد الإصدارات نصف مليون عنوان سنويا، مع رقم معاملات يضاهي أرقام معاملات مجمل الصناعات الثقافية ببلداننا العربية، بما فيها الكتاب والسينما والمسرح وغيرها.

خلال الزيارتين الأخيرتين اللتين قمتُ بهما إلى الصين، حرصَ الوزير المكلف بالنشر والإذاعة والسينما باستقبالي بنفسه، محاطا بمسؤولي القطاع، وكان الاجتماعان يهمان تدارس اتفاقية تخص الترجمة بين البلدين. إنهم يفعلون ذلك ليس لكونهم لا شغل لهم، بل إن ذلك هو جزء من طريقتهم في التعامل مع الآخر، بعيدا عن منطق التعالي الذي تتلهى الكثير من الدول والشعوب بممارسته.

امتدادا لنفس الروح، كان أمرا مفاجئا أن ينتزع شاب مصري قبل سنتين الجائزة الكبرى التي تمنحها الصين للمتخصصين الأجانب في ترجمة الكتاب الصيني، وذلك من بين عشرين مترجما كانوا كلهم في الستينات وما فوقها من أعمارهم. إنه أحمد السعيد، الذي يتهيّأ لإدخال مؤسسته “بيت الحكمة” إلى البورصة، بعد أن بدأ مشواره كمرشد سياحي بإحدى الدول العربية. وتلك صورة أخرى عن الصين التي تفتح أسوارها أمام نجاحات الآخرين.

قبل أيام، تداولت وسائل الإعلام حديثا لسفير الصين بسوريا عن استعداد بلده لدخول حرب إدلب، مع ما رافق ذلك من تحليلات لكبار المحللين السياسيين عن الوضع الجديد، ليتبيّن في ما بعد أن الأمر يتعلق بخطأ في ترجمة التصريح، وهو الخطأ الذي كاد أن يخلق أزمة على أكثر من جبهة. الترجمة يمكن أن تقود إلى الحرب. بالفعل، وليس من باب المجاز.

بقي أن أشير إلى أنني في الصين قصد المشاركة في احتفاء معرض بكين الدولي للكتاب بالمغرب كضيف شرف لهذه الدورة الجديدة.

15