طريق الثقافة إلى الديمقراطية

الجمعة 2014/06/06

من حين لآخر أعود إلى كتابات المفكر البرازيلي البارز باولو فريري الذي يؤكد في معظم مؤلفاته بدءا من “بيداغوجيا المضطهدين” و”بيداغوجيا الحرية” وبيداغوجيا القلب” و”بيداغوجيا الأمل” إلى “التعليم من أجل الوعي الناقد”، إن السائر إلى الديمقراطية لا بدّ أن يمرّ من فضاء بناء الوعي الثقافي النقدي على مستوى الفرد والجماعة معا.

فالنقد هنا لا يعني البحث عن الأخطاء والمثالب للتشنيع بها بل إنه يعني أساسا انخراط الفرد في عمليات التحويل الشامل للقيم التي تعرقل التقدم وللعناصر الثقافية المتخلفة السائدة في مجتمعه وغربلتها بما يؤدي إلى فرزها على ضوء بصير التحليل العلمي للواقع.

وهكذا فالديمقراطية لا تعني مجرّد تكوين الأحزاب التي لا تظهر إلا في المناسبات وفي مواسم الصيد في ماء الانتخابات العكر، وإنما هي فعل شيء ما ينفع الناس وبه تتمّ المساهمة في قهر التخلف من جهة، وفي توفير أسباب كرامة الإنسان من جهة أخرى.

من أسس الثقافة الديمقراطية في نظر باولو فريري تدريب الشعب على الحوار والمشاركة في التصوّر وفي العمل والنقد الذاتي الشجاع للنقائص أثناء الممارسة.

في هذا السياق يقترح فريري ترسيخ فكرتي الحوار والمشاركة، بما لا يعني -كما يتبادر إلى ذهن المتشبثين بالأفكار الليبرالية اليمينية- إلغاء الفرد المستقل والحرّ بل إنهما يعنيان التصدّي لكل وعي فردي مغلق ونابذ للروح الجماعية التي لا يختلف اثنان أنها شرط ضروري لنمو وازدهار الإرادات الفردية ضمن الشعور بالمصير المشترك.

حسب باولو فريري فإن مهمة النقد تتمثل في التربية التي لا تستبعد “الوعي الخلاق الذي لا مندوحة عنه لظهور نظم ديمقراطية حقيقية”.

في هذا السياق أيضا يحذرنا فريري من النظرة الفردية “لشؤون حياتنا” وهي الفكرة التي وصفها أحد الكتاب بأنها تؤدّي في حالة تكريسها إلى جعل “كل أسرة تمثل جمهورية بذاتها” تعادي “الخبرة بشعور الجماعة أو المشاركة في حلول المشكلات التي تمسّ الصالح العام” الأمر الذي يعرقل “تعمّق هذه الخبرة في الوعي الشعبي وتتحوّل إلى معرفة بالديمقراطية”، كما يشدّد هذا المربي البرازيلي اللامع في ضوء ما تقدّم على أن ندرك بأن الأزمة المتمثلة في التخلف والديكتاتورية في بلداننا ليست إذن أزمة أشخاص سلبيين فقط، وإنما هي أزمة ثقافية وأفكار شاملة ومركبة ومعقدة يتطلب حلها تغيير النسق الثقافي والفكري الذي هو مصدرها وأصلها وفصلها.


كاتب من الجزائر

15