"طريق الحرير" كما يراه كتاب وباحثون عرب وآسيويون

الاثنين 2014/03/10
طريق الحرير مثل حياة كاملة محمولة فوق ظهور القوافل وعابرة للجغرافيا

يمتدّ “طريق الحرير” على سبعة آلاف ميل رابطا بين الصين وبلاد فارس والجزيرة العربية وتركيا، وقد مثّلت رحلاته سبيلا إلى تعزيز الحوار بين الشرق والغرب، إذ مشت فيه القوافل، منذ 100 سنة قبل الميلاد وحتى نهايات القرن الخامس عشر ميلاديا، محمّلة بالحرير ومعه حملت المصنّفات الأدبية والفكرية والحكمة والقيم والعادات والأديان.

ولا شكّ في أنّ رحلات طريق الحرير قد أغنت ذاكرة شعوب هذه المناطق، وهو أمر ناقشته مداخلات مجموعة من الباحثين ضمن ملتقى مجلة “العربي” الثالث عشر الموسومة بـ”الثقافة العربية على طريق الحرير” والتي انعقدت مؤخرا بالكويت. وقد توصّلت “العرب” بملخّصات للورقات البحثية وستعرض أبرزها اليوم وغدا.

الكويت - مداخلات المشاركين في فعاليات ملتقى مجلة “العربي” الثالث عشر الموسومة بـ”الثقافة العربية على طريق الحرير” انصبّت على تبيّن مجموعة من المحامل الفنية والأدبية والتاريخية المتصلة بتفاعل الحضارات والشعوب ضمن فضاء “طريق الحرير”.وسنتناول هنا آراء أشرف أبو اليزيد وشهاب غانم وسيد جهانغير.


دعم ثقافة الحوار


كان الأمن والخطر يتقاسمان طرق الحرير. وكان من الطرق ما هو محفوف بالمتاعب أكثر من سواه، مع وجود تقلبات سياسية عديدة. وقد سبق للصينين بأقوامهم الغالبة وأقلياتهم على حدّ سواء، ممارسة التبادل الاقتصادي والثقافي مع الأمم القاطنة في آسيا الوسطى وغربي آسيا قبل أسرة هان (206 ق.م- 220م)، حاملة مع قوافل الإبل أفضل المنتجات لكل برٍّ تعبره. فمن الصين جاء الحرير والمخترعات الأربعة (البوصلة والبارود والورق والطباعة)، حيث ستعود بالعنب والجوز.

أشرف أبو اليزيد الهنود الذين أسلموا في أقاليم السند كانوا يتحدثون إلى العرب بلغتهم وكانوا يرتدون زيهم

قد يكون طريق الحرير مسلكا فوق الرمال، وممرا بين الجبال، وقد يكون دربا يقطع الفيافي، أو جسرا عابرا للأنهار، فإنه حياة كاملة فوق قافلة تمضي شهورا من مكان إلى آخر، لكنه قبل ذلك كله هو صنيعة الإنسان.

لكن التوثيق المصوّر لطريق الحرير قد بدأ بعد اندثار ذلك الدرب الشهير بقرون، فنحن نتحدث عن عصر بدأت فيه الحدود السياسية، والنزاعات العرقية، والهيمنة المعولمة تتحكم في جسد البشرية فتقطع أوصالا وتزرع جيوبا ناتئة فتتت هذا التواصل. صحيح أن هناك محاولات لاستعادة طريق الحرير، سياسيا، وتجاريا، ورياضيا، وفنيا، إلا أنها لا تنكر جميعها أن حلم استعادة الطريق الذي كان يتوق إليه أصبح مستحيلا.

عبر طريق الحرير كانت المسافات الممتدة لتربط بين أقاصي الشرق وأوروبا تغزل حرير الصين وتوابل الهند وعطور السند في بساط روحاني ما أن يمسه الأوربيون حتى يبدأ لديهم عالم من التخييل لشرق لم يبخل يوما بثرواته، يهبها عن طيب خاطر، في الماضي، لمن يطلبها. وانتقلت مع الثروات أبجديات ثقافته، وجذور فنونه، وأصول معارفه.

تشمل مدوّنة طريق الحرير المصورة، تسعة محاور هي: التصوير الفوتوغرافي والتصوير السينمائي الوثائقي والتسجيلي والأفلام الروائية والإعلانات التجارية والسياحية وقصص الأطفال المصورة وألعابهم الرقمية وأدب الرحلة المصوّر عبر الدوريات والكتب ومدونات العلماء والمغامرين والمستكشفين والعروض الفنية الحية، الموسيقية والحركية، وأخيرا البرامج التلفزيونية.


أشرف أبو اليزيد

باحث من مصر



الشعر الهندي


معظم المثقفين العرب لا يعرفون من أسماء أدباء شبه القارة الهندية سوى اسمين. الأول هو محمد إقبال (1877- 1938) الذي توفي نحو عشر سنوات قبل استقلال الهند وباكستان وانفصالهما عن بعض. وقد ترجمتُ خمسا من قصائده إلى العربية.

شهاب غانم تثمين المشترك الإنساني بين ثقافات شعوب تنتمي إلى جنسيات وأديان وأعراق ولغات مختلفة ومتباينة

الشاعر الآخر هو رابندرانات طاغور (1861-1941)الذي كان على علاقة قوية بالمهاتما غاندي وكان أول شرقي ينال جائزة نوبل في مجال الأدب عام 1913. وقد ترجمتُ ستا من قصائده نشرتها في بعض مجموعاتي المترجمة من الشعر الهندي والعالمي. وفي مايو 2013 تسلمت من الجمعية الآسيوية في مدينة “كالكتا” مسقط رأس طاغور “جائزة طاغور للسلام” كأول عربي يحصل عليها.

في عام 1996 كرمتني إحدى الجمعيات الثقافية الهندية في دبي مع الشاعرة الهندية الشهيرة كمالا داس المرشحة لجائزة نوبل، والشاعر يوسف علي كتشري. وعندما صعدت المنصة ترجمت إحدى قصائدي إلى “المالايالم” ارتجالا مشيدة بها. وقد ترجمتُ بعض قصائدها فيما بعد ونشرت ترجمة قصيدتها”ناني” في أول عدد من مجلة دبي الثقافية ونشرت ترجمة لقصائدها في مجلة العربي والخليج الثقافي، إلخ.. وقد اعتنقت الشاعرة الإسلام عام 1999 وغيرت اسمها إلى كمالا سريا ونشرت ديوانا بعنوان”يا ألله” في نحو 40 قصيدة تتحدث جميعها عن تجربتها في الوصول إلى الإسلام. وقد ترجمت المجموعة إلى العربيةعن ترجمة بالأنكليزية ونشرها مشروع “كلمة” للترجمة تحت مسمى “رنين الثريا” عام 2011 ونالت الترجمة أول جائزة للترجمة تمنحها جائزة الإبداع ضمن جوائز العويس التي تديرها ندوة الثقافة والعلوم بدبي، كما كرمت من أجل تلك الترجمة في ندوة عقدت في عمان مع ابن الشاعرة وهو كاتب صحفي شهير. وقد نوقشت الترجمة في أكثر من ندوة تتناول العلاقات بين الأدب العربي والهندي في أكثر من بلد.

كما ترجمت قصائد للشاعرة الهندية جيتا شهابرا التي تكتب بالأنكليزية ثم أصدرت كتابا فاخرا بعنوان”40 قصيدة للإمارات” يحوي قصائدها بالأنكليزية مع الترجمة العربية وهي من وحي إقامتها في الإمارات.

كما نشرت عددا من ترجماتي للشعر الهندي في عدد من مجموعاتي لترجمات نماذج من الشعر العالمي كمجموعتي”لكي ترسم صورة طائر” التي تحوي قصائد لشعراء من مختلف أنحاء العالم منهم من الهنود أمثال ساروجيني نايدو وشجثا كماري، وأخيرا مجموعتي تحت النشر”مطر الليل” التي تحوي قصائد لشعراء من مختلف أنحاء العالم منهم من الهنود شاكرافارتي وكيلاش ماهر وسانكرا بيلاي وسلمى.

شهاب غانم

شاعر ومترجم من الإمارات



العرب والهند


إن النظر في تاريخ حضور العربية في شبه القارة الهندية يكشف عن العلاقة الوطيدة التي كانت قائمة بين الهند وشعوب الجزيرة العربية. كما تكشف الحفريات التي أجريت فى جزيرة الفيلكا الكويتية عن مجموعة من الآثار التي تدل على أن تلك العلاقات كانت منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث أن الجزيرة تمثل نقطة مرور للسفن القادمة من بلاد الرافدين باتجاه الهند، وتجلت تلك الدلائل في أنواع الأختام والحلي والفخار وغير ذلك من البقايا الأثرية.

سيد جهانغير كلما انتشر الإسلام انتشرت اللغة العربية على نطاق واسع بين سكان هذه البلاد

ولم يكن يفصل بين البلاد العربية وبلاد الهند الجنوبية إلا البحر العربي، وهذا البحر كان يربط بين الطرفين بالطرق البحرية وموانيه الكثيرة، فمنذ آلاف السنين كان تجار العرب يأتون إلى سواحل الهند وينقلون منتجاتها وثمارها إلى البلاد العربية ومنها إلى أوروبا عن طريق الشام، وكانوا يصدّرون البضائع العربية إلى الهند وأيضا كان هذا الطريق التجاري منحصرا في أيدي العرب لقرون طويلة قبل البعثة المحمدية وبعدها.

عرف العرب الهند في جاهليتهم من خلال الرحلات التجارية البحرية التي كانت سفنهم تنقل خلالها البضائع المتبادلة بين الجانبين، ولذلك هم اختلطوا بسكان المدن وأسواقها الواقعة على سواحل الهند والسند، واستوطن بعضهم بها، وتزوجوا من نسائها، وتعلموا لغتهم، كما أثرت لغة الضاد عموما في اللغات الهندية نفسها، فدخلت اللسان الهندي، مثلا كلمات عربية كثيرة كما خالطت اللسان العربي في المقابل كلمات هندية كثيرة، نحو: زنجبيل، كافور، قرنفل، مسك، السمهري (الرمح)، الساج، المهند والسيف.

ويمكن أن يعود السبب في هذا التقارب إلى الوحدة في الديانة كما ذكر ذلك العلامة الشهرستاني: “إن العرب والهند يتقاربان نحو مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستخدام الأمور الروحانية.وبعد أن ظهر الإسلام في جزيرة العرب، واتسع الفتح الإسلامي بدخول القائد العربي محمد بن القاسم إلى شمال الهند الغربي في نحو 91 هجريا الموافق لـ711 ، وأصبحت اللغة العربية وآدابها منتشرة في أنحاء الهند، وكان رجال العرب المتشبعون بدعوة الإسلام، وكذلك الهنود الذين اعتنقوا الدين الإسلامي، يبذلون أقصى جهودهم في سبيل نشر اللغة العربية وآدابها في أنحاء البلاد باعتبار كونها لغة القرآن الكريم والدين الجديد.

وعلى جانب آخر كلما انتشر الإسلام انتشرت اللغة العربية على نطاق واسع بين سكان هذه البلاد، حيث تروي كتب التاريخ أن الهنود الذين أسلموا في أقاليم السند كانوا يتحدثون إلى العرب بلغتهم وكانوا يرتدون زيهم. ولا شك أن العنصر العربي في السند كان بمثابة الفجر الأول الذي يؤذن بصبح مشرق. ويتجلى ذلك بوضوح من كلام “المقدسي” الذي زار السند بعد انتهاء العصر العربي هناك، حيث يقول عن سكان مدينة الديبل: “كلهم تجار كلامهم سندي عربي”. وكذلك بشهادة الإصطخري 340 هـ الذي يقول: “ولسان أهل المنصورة والملتان ونواحيها العربي والسندي وبشهادة المسعودي والإصطخري وابن حوقل: أن اللغة العربية تفهم في أسواق المنصورة والملتان.


سيد جهانغير

أكاديمي من الهند

15