طريق الحرير كما يراه كتاب وباحثون عرب وآسيويون

الثلاثاء 2014/03/11
المدرسة العربية بمدينة بخارى ويظهر في هندستها الطابع المعماري الإسلامي

مثّلت رحلات طريق الحرير سبيلا إلى تعزيز الحوار بين الشرق والغرب، إذ مشت فيه القوافل، منذ 100 سنة قبل الميلاد وحتى نهايات القرن الخامس عشر ميلاديا، محمّلة بالحرير ومعه حملت المصنّفات الأدبية والفكرية والحكمة والقيم والعادات والأديان.

ولا شكّ في أنّ رحلات طريق الحرير قد أغنت ذاكرة شعوب هذه المناطق، وهو امر انصبت على إبرازه ورقات بحثية بملتقى مجلة “العربي” الثالث عشر الذي انعقد مؤخرا بالكويت. وقد توصّلت “العرب” بملخّصات للورقات البحثية، وتقدّم اليوم الجزء الثاني منها والأخير وفيه مداخلات كل من خالد عزب وموسى بيدج وسماء يحيى.

امتازت العمارة في مدينة بخارى بالعديد من المميزات المعمارية التي جعلتها متحفا حيا للعمارة الإسلامية، وجاء التنوع في المنشآت الباقية بالمدينة ليضفي عليها ثراء معماريا، وقلما اهتمّ الباحثون العرب بدراسة هذه الآثار المعمارية الرائعة.

وصفت بخارى في القرن التاسع عشر بأنها من أعظم مدن آسيا وقاعدة خانية بخارى، سكانها 100000 نسمة وقيل يبلغون 150000 وهي في وسط سهل خصب يحيط بها سور ذو بروج وله 11 بابا ويبلغ طوله من 12 إلى 14 كم وارتفاعه 8 أمتار بسمك مثله. وفيها كثير من الأبنية الحسنة و260 جامعا ومسجدا أو نحو ذلك و113 مدرسة يدرّس في بعضها الفقه والحديث والطب. وفيها 28 خانا و15 سوقا و16 حماما و68 بئرا للمياه وهذه الآبار كثيرة الطول والعرض قليلة العمق وأحسن جوامعها جامع في ساحة راجستان أما قصر الخان فمساحة موضعه 100 متر وعلو قبته 60 مترا.

وفي وسط المدينة رابية تسمى تومشكند يبلغ علوها من 67 إلى 80 مترا ويحيط بها جدار وعليها قصر الخان وهو قديم بني منذ عشرة قرون أو أكثر وجامع، وهي مركز حكم المدينة. وفي بخارى معامل لنسج القطن وحوك الطواقي واصطناع ورق الحرير وهو معروف عندهم من سنة 650م ومعامل للأسلحة وتطريز الأقمشة وغير ذلك.. وفيها تجارات واسعة إلى روسيا وإيران وكابل وغيرها..

خالد عزب: رحلات طريق الحرير سبيلا إلى تعزيز الحوار بين الشرق والغرب

هكذا وصفت بخارى قبيل السيطرة عليها. ونستطيع أن نستقرئ من هذا الوصف أن المدينة ظلت محتفظة بطابعها المعماري الإسلامي إلى ذلك الوقت.

تكوّنت بخارى كباقي مدن بلاد ما وراء النهر من مدينتين واحدة داخلية ويضمّها سور داخلي يحوي أهم المنشآت بالمدينة الدينية والإدارية والتجارية وسور خارجي يضمّ أرباض المدينة وبين الاثنين القلعة التي تضمّ قصر الحكم ويطلق عليها في بلاد ما وراء النهر القهندز.

ويطلق على القسم الداخلي من المدينة الشهرستان، ويقع القسم الداخلي والقلعة على مرتفع من المدينة، وأبواب الشهرستان يبلغ عددها سبعا كان أشهرها باب القلعة، الباب الجديد، باب العطارين، وباب السوق.

أما سور الربض أو السور الخارجي فقد بني خلال العهد الإسلامي في عام 235هـ/850م، وكان كما هو الحال مع أسوار المدينة التي ظل جزء كبير منها باقيا به أحد عشر بابا، هي قراقول، شيخ جلال، نمازكاه، سلحانة، كوله، مزار، سمرقند، إمام، أوغلان، طليج، شيركيران. هذا السور أعاد بناءه أرسلان خان محمد في القرن 12م، ثم أعاد بناءه فيما بعد قليج طمغاج خان مسعود عام 560هـ/1165م، وفي بداية القرن الثالث عشر أعاد بناءه خوارزم شاه محمد، وقد زوّدت المدينة بشبكة من قنوات المياه لريّ أراضيها وتوفير مياه الشرب بها وذلك من قناة رئيسية تعرف باسم رودزر أي نهر الذهب، تخرج منها مجموعة من القنوات الصغيرة تتشعب داخل المدينة لتوفر احتياجاتها من المياه.


خالد عزب

باحث من مصر



سفن عمانية


إن تاريخ العلاقات بين عمان والصين يعود إلى أكثر من ألفي عام عندما كان لطريق الحرير البري والبحري دور كبير في ازدهار التبادل بين البلدين. وهذا الطريق البحري هو الذي كان يسلكه التجار العمانيون ذهابا وإيابا وأصبحوا بنقلهم للحرير وسائر سلع الصين همزة وصل بين الشرق والغرب.

مدينة بخارى ظلت محتفظة بطابعها المعماري الإسلامي ما جعل منها متحفا حيا للعمارة الإسلامية

تُشير المصادر التاريخية إلى التواصل الصيني- العربي، وخاصة مع عُمان إلى القرن الأوّل قبل الميلاد، حيث وصل البحارة العُمانيون إلى جنوب الصين، وأيضا تشير إلى زيارات بعض البحارة والتُجار الصينيين إلى الموانئ الجنوبية للجزيرة العربية، والموانئ الخليجية ومنها العُمانية، عبر طريق الحرير البحري.

وقد سجلت المصادر الصينية اسم عُمان في فترة عهد أسرة هان الغربية 206 ق.م-225م، ووصول السفن الصينية إلى الموانئ الخليجية مثل: صُحار، سيراف، البصرة،. ومثل ذلك يفعل العُمانيون، فقد كانت سفنهم تبحر من الموانئ الخليجية إلى الصين تحمل البضائع التي كان أهمها اللُّبان الذي لعب دورا بارزا في طريق الحرير البحري.

ولم تتوقف العلاقات بين الصين وعمان خلال الفترة التاريخية منذ عهد “أسرة هان”، حتى عهد “أسرة مينغ”، ومع قيام النهضة العمانية عام 1970، بقيادة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم حفظه الله ورعاه، وقيام الجمهورية الصينية الشعبية في الصين عام 1949، عادت العلاقات الدبلوماسية والتجارية عام 1978 ففي عام 1980 أبحرت السفينة العُمانية “صُحار” إلى ميناء كانتون حيث وصلت في عام 1981. أتت فكرة بناء سفينة “صُحار” التي أطلق عليها “رحلة السندباد”.

وكان الهدف من هذه الرحلة دراسة الأحوال الحقيقية والواقعية للخطوط البحرية بين عمان والصين وأيضا تقوّية الأواصر والعلاقات التجارية والتاريخيّة التي تربط موانئ الخليج العربي، والصين وخاصة عُمان.

في فبراير 2010، أبحرت السفينة “جوهرة مسقط” مستهلة رحلتها نحو سنغافورة عبر الطرق البحرية القديمة (طريق الحرير البحري)، متبعة خطى البحارة العمانيين القدامى الذين ساروا في نفس الخطوات التي كانت سائدة خلال القرن التاسع الميلادي. وهو دليل على أهمية طريق الحرير البحري في التواصل التجاري والحضاري بين الصين وعُمان.


محمد بن سعد المقدم

باحث من سلطنة عمان



امتدادات ثقافية


من المستحیل أن یعثر المرء علی لغة لشعب ما لم تتأثر بلغة الشعوب المجاورة لها. وعلی هذا الأساس جاء موضوع اقتراض واستعارة المصطلحات والتعابیر والمفردات کأحد الموضوعات المهمة في علم اللسانیات. فتجاور وتحاور اللغتین والثقافتین العربیة والفارسیة علی مرّ التاریخ جعلا منهما جارتین تحتاجان إلی بعضها بعضا لتسییر أمورهها في الحیاة الیومیة والتاریخیة.

موسى بيدج :اللغة والأدب الفارسي تأثرا باللغة العربیة وأثرت فیهما

فاللغة والأدب الفارسي ولأسباب کثیرة -منها الدینیة والاجتماعیة والسیاسیة- تأثرا باللغة العربیة وأثرت فیهما فجعلا التمازج بینهما بعمق یحکم علی المهتمّ بمطالعة الأدب الإیراني أن یکون علی معرفة جیدة باللغة العربیة.

إن من أکثر النصوص العربیة التي أثرت في الفارسیة هي نصوص المصحف الکریم. فعلاوة علی الجوانب الدینیة والاعتقادیة لهذا الکتاب

فالجانب الأدبي بكل وجوهه من جهة البلاغة والفصاحة والإیجاز والأمثال والحكم هو المثل الأعلی لمن یطلب نموذجا یقتدي به فی نتاجاته.

فما أکثر الشعراء والکتاب الإیرانیین الذین کتبوا بالفارسیة أو باللغتین أو بالعربیة مباشرة، قد استفادوا -ومازالوا- یستفیدون من هذه الهبة الإلهیة. فرسائل الدیوان والإخوانیات والرسالات والقطعات الأدبیة التي استطاعت أن تعبر حدود التاریخ لتصل إلینا امتازت بأنها حاولت تتبّع المصحف الکریم واستلهام جمالیاته لتصبّه في عطاء وصیاغة أدبیة.

ومع هذا، یجب أن لا ننسی أن هؤلاء الأدباء والشعراء والباحثین في مجالات الثقافة المشترکة بین العرب والإیرانیین، إلی جانب تأثرهم بثقافة الدین الإسلامي واللغة العربیة، کانوا قد أضافوا بإبداعهم ونتاجهم إلی تلک الثقافة لتزداد ألقا وتوهجا. فالإیرانیون المسلمون عملوا -بوجدان علمي وذائقة أدبیة- بجدّ وجهد لتألیف وتدوین أسفار وکتب ورسائل لا تعدّ ولا تحصی وموسوعات شکلت جانبا مهما في بنیان الثقافة الإسلامیة.


موسى بيدج

باحث من إيران



تلاقح الفنون


كانت منطقة وسط آسيا وحواضرها عبر طرق وممرات طريق الحرير معبرا مهما لانتقال وتواصل العديد من الثقافات والطرق والأساليب الفنية عبر الأزمنة وكان لهذا الطريق دورا محوريا في نقل فنون ارتبطت بديانتين عظيمتين أثرتا في تاريخ البشرية وحققتا جزءا كبيرا من انتشارهما عبر حركة التجارة والحروب والغزوات التي مرّت من هذا الطريق وهما البوذية والإسلام.

سماء يحيى الديانتان البوذية والإسلام أفرزتا تراثا ثقافيا وفنيا فذّا

وكلتا الديانتين أفرزتا تراثا ثقافيا وفنيا فذّا اتسع ليشمل عدة أساليب ارتبطت بعدد من الحضارات والثقافات مؤثرة ومتأثرة، وفي طريقهما هذا احتكت وتواصلت وتضافرت هذه الطرز والأساليب الفنية وتأثرت ببعضها البعض على أكثر من مستوى في المحتوى والفلسفة والأسلوب التقني الفني وقد بدأ تبلور الفن البوذي في الهند ووسط آسيا.

فقد ظهرت الملامح الأولى للأسلوب البوذي في الرسم والتصوير في كهوف آجانتا البوذية في شمال الهند وقد عكست هذه الرسوم صورة عالية للتناغم والتوافق للقيم الجمالية للموضوع والمعاني التي أريد التعبير عنها وكانت طريقة الفنان في الرسم هي استعمال الألوان وخلق الأشكال والأبعاد والنظم الإيقاعية.

وكانت الألوان توضع بترتيب معين بحيث تظهر المشاهد الأمامية ألمع وأسطع والخلفية أكثر قتامة، وقد انتقلت تقاليد رسم الكهوف واستخدامها كأديرة من آجانتا إلى أنحاء متعدّدة فامتدت لباميان في أفغانستان وكهوف تان-هوانج Tun-Huang في شمال وسط الصين وقد كان البوذيون الأوائل يشجعون على فن التصوير أو كما قال بوذاجوشا Budda Ghosha “لا يوجد في الدنيا ما هو أفضل من فن الرسم” ولذلك أبدعوا في تصوير الطبيعة ومشاهد الحياة العادية والمتع الحسية ولكنهم أرسوا نوعا معينا من الأيقونوجرافيا في تصوير بوذا كرست لشخص فوق تخيّل البشر ذي هالة خاصة بملامح مجرّدة تعكس تفوّقه على الطبيعة الكونية ذات شكل أقرب إلى النحت فيها ديناميكية وهدوء.

وفي هذه الفترة تمّ إرساء القواعد الست التي سارت عليها كل المدارس والرسوم في وسط آسيا وانتقلت من الهندوسية إلى البوذية ومنها إلى الرسوم الإسلامية وسميت “بالساندانجا”، وهي: معرفة ظواهر الأشياء وسلامة الإدراك الحسي والقياس البنائي وتضمين المشاعر في القوالب الفنية وإدخال عنصر الرشاقة أو التمثيل ومشابهة الطبيعة وأخيرا استخدام الألوان استخداما فنيا.


سماء يحيى

باحثة وفنانة تشكيلية من مصر

15