طريق الخلاص

الأربعاء 2017/12/06

هل ثمة طرق متعددة للخلاص الإنساني؟ أم هناك طريقٌ واحد للنجاة ؟ بعض البشر يرى خلاصه الروحي في التعبد ومغادرة المتاح من مباهج الحياة التي يخالها محض شر وفخاخ تغوي بالسقوط، الآخر يرى خلاصه في بلوغ مكانة اجتماعية مرموقة تحقق له التقدير والشهرة المرجوة، كثيرون يحلمون بالحصول على منصب رفيع يجعلهم محط غبطة المحبين وحسد الكارهين، غير هؤلاء هناك من يرى خلاصه في الترحال واكتشاف أصقاع غريبة وتواريخ مجهولة وخوض مغامرات مثيرة تضعه في مواجهة مستمرة مع المخاطر التي تمنحه متعة النجاة المتكررة.

البعض الآخر يجد خلاصه من عذابات الحياة البشرية ومتطلباتها بالحصول على الثروة التي يراها رافعة أكيدة تنتشله من خواء حياته وعوزها ؛ فيسعى ليله والنهار لمضاعفة أرباحه واكتناز المال، فمثله لا يرى الحياة إلا ميدانا تنافسيا للصراع على المغانم ولعبة صفرية النتائج يربح المرء معها كل شيء ليخسر الآخرون مقابل ربحه ولا يرتوي جشعه إلا بتكديس المزيد والمزيد من الأموال التي تسلبه ما تبقى من إنسانيته، ويقود السلوك التنافسي إلى تمركز أنوي طاغٍ يؤدي إلى تضخم ذاتي وغرور يقتل مصادر البهجة والاستمتاع بالقليل الذي بين يديه، وتُستنفر الروح والجسد ويبقيان في حالة طوارئ متواصلة استجابة لمتطلبات الصراع العقيم.

قلة من الناس يجدون خلاصهم في التعامل مع الغير بطريقة تشاركية ولا يهنأ بال أحدهم إلا بمشاركة الآخرين، ويكتفون باليسير من ضروريات العيش الزاهد الذي ينجيهم من تبعية الجشع التنافسي، ويؤمن هؤلاء بأن الخلاص يكمن في كرم الروح والعطاء وتقديم العون وممارسة الأعمال التطوعية والتبرع لكل من يقصدهم من المحتاجين، ويدركون أن المَنْح مع الحاجة هو أقصى درجات الكرم.

هناك من يتعاملون مع الوجود برؤى شاعر حالم بفراديس أرضية وحكايات مستجلبة من أساطير الأمس، وسواهم يرون العالم عبر مخيلة فنان مبدع ويجهدون لابتكار أعمال تبهج أرواحهم وتنتشلهم من القبح المتفاقم حولهم وترضي نزوعهم نحو ملامسة الجمال فيقيمون في أقاليم الإبداع ويكرسون له زمنهم وقدراتهم ويتوصلون إلى الإمساك برؤيا الخلاص من رتابة كل ما هو يومي وزائل ليبلغوا تخوم الأمل، وترى الأمهات المتفانيات سبيل الخلاص مرهونا بارتقاء أبنائهن ونجاحهم فيما اختاروه وسط فوضى عالمنا المضطرب؛ فلا يلتفتن في معظمهن إلى انهيار أحلامهن الشخصية التي توارت خلف نزعتهن الإيثارية وتكريس وجودهن الروحي والمادي لإسعاد كائناتهن الثمينة التي تمثل إنجازهن الفريد في الحياة.

على نقيض هؤلاء جميعا يرى هيرمان هيسه “أن سبيل الخلاص لا يتجه يسارا أو يمينا إنما يتجه مباشرة إلى قلب الإنسان، هناك فحسب تجد السلام وقد تهاجمك الكآبة، لكن الانفراج آتٍ”. ويرى بعض المفكرين ومعهم هيسه أن الإنسان يعثر على خلاصه في الحب أو في تخيلاته عنه ويصفون الحب بأنه حالة مكتنزة بالرموز والأساطير فما نحبه لا يعدو كونه رمزا، فهل ترانا قادرين على التعامل مع الحالة الرمزية التي يمثلها الحب؟ هل بوسع الجميع بلوغ سبيل الخلاص عبر الإيمان بأساطير من اختراع مخيلتهم؟

لا يمكن الجزم بهذا؛ فكثير من البشر يتعاملون مع الحب باعتباره غاية ما يحقق أحلامهم وطموحاتهم وشهواتهم الشخصية، ويتخيلونه فردوسا ممتدا أبدياً بلا نهايات، ولكنهم يعجزون في الوقت ذاته عن تغذيته بما يديمه من احترام وتفانٍ ورعاية وكرم روحي وإيثار، وعندها يكتشفون الفخ الذي وقعوا فيه، ليعاودوا البحث عن سبلٍ بديلة ٍ للخلاص.

كاتبة عراقية

14