طريق الرئاسة في تونس معبدة بالوعود الاقتصادية

التهرم والأمية الفلاحية مشكلتان أخريان تضافان إلى مشاكل القطاع الزراعي في تونس، بسبب عزوف الشباب عن العمل الفلاحي، وتفاقم الهجرة الداخلية.
الجمعة 2019/09/06
كسر “التابو”

المرشحون للانتخابات الرئاسية في تونس، وعددهم 26، قد يختلفون في همومهم، لكنهم يشتركون في هم واحد، هو الهم الاقتصادي. لا أحد ينكر أو يتجاهل أن الاقتصاد في تونس يعاني متاعب عدة. وقد نجح جميع المرشحين في تشخيص المرض ووصف الأعراض. وسمعنا منهم الكثير عن التفاوت بين الجهات، وأزمة البطالة بين الشباب، خاصة خريجي الجامعات، فماذا قدموا لها من حلول؟

مؤكد أن معالجة العيوب والنواقص جزء من الحل، حتى وإن لم يكن لتلك العيوب علاقة مباشرة بالمرض. لا يختلف اثنان في أن الاستثمار الناجح يحتاج إلى بيئة صالحة، خالية من الفساد، وبنية تحتية سليمة تدعمه، وخدمات مصرفية ومالية، ومؤسسات تأمين عالية المواصفات تحظى بقبول عالمي.

تونس، مثلها في ذلك مثل معظم دول العالم الثالث، تتركز الاستثمارات فيها في العاصمة وضواحيها، وبعض المحافظات الغنية، وهي في المثال التونسي المنطقة الساحلية الشرقية. بينما تغيب الأنشطة عموما عن المحافظات الداخلية، لترتفع فيها نسبة البطالة، وتنعدم فرص العمل، وهي إن وجدت تبقى محصورة في القطاع الفلاحي.

بعض المرشحين المدعومين من الأحزاب، وبعض المستقلين، غضوا البصر، وربما البصيرة، عن المشاكل التي يعاني منها القطاع الزراعي، وقدموا حلولا وصفت بالعبقرية، تدعو إلى دعم الشباب التونسي للاستثمار في الأراضي الفلاحية، ووعدوا بتقديم تمويلات لمشاريعهم، وصفوها بالميسرة، تشجيعا لهم على خلق فرص للعمل في المناطق الداخلية المهمشة.

لا مانع في أن نقبل مقترحاتهم مبدئيا، ولكن لندقق بواقع القطاع الزراعي ومشاكله أولا، كما جاءت على لسان خبراء في هذا المجال.

عرفت تونس في الماضي بأنها “مطمورة روما”، أي مخزن الغذاء للإمبراطورية الشاسعة الممتدة عبر أوروبا وشمال أفريقيا، اليوم هذه “المطمورة” لم تعد تكفي لإطعام أبناء تونس. ورغم أن القطاع الزراعي يشغل حوالي 18 بالمئة من إجمالي القوى العاملة، إلا أنه يساهم بـ10 بالمئة من الصادرات التونسية، ويشكل نسبة 12 بالمئة من إجمالي الناتج القومي.

الظاهرة التي أساءت للقطاع الزراعي أكثر من أي شيء آخر هي تفتت وصغر المساحات الزراعية والحيوانية، حيث 52 بالمئة من الفلاحين، الذين يبلغ عددهم نحو نصف مليون، يملك الواحد منهم 5 هكتارات فقط من الأرض الزراعية، ويملك 67 بالمئة من المربين من بقرة إلى ثلاث بقرات فقط، مما يضعف الإنتاج ويخلق صعوبات لوجستية في التخزين والنقل، فكثيرا ما تتجاوز كلفة النقل قيمة المنتج، أو تستهلك معظمها. خاصة وأن المصنعين للمواد الغذائية يتمركزون حول العاصمة تونس، مما يعرض المنتج أحيانا للفساد والتلف.

المعضلة الثانية، التي يعاني منها القطاع الفلاحي، هي ضعف مردودية الإنتاج مقارنة مع المعدلات العالمية. فمعدل مردودية زراعة الحبوب على سبيل المثال، بينما هي في تونس 14 قنطارا للهكتار الواحد، تبلغ على المستوى العالمي 32 قنطارا، أي أكثر من الضعف مما هي عليه في تونس. التي تنتج 20 بالمئة من القمح اللين المستعمل في صناعة الخبز، في حين يتم استيراد 80 بالمئة من الخارج.

وترتبط المردودية ارتباطا مباشرا بأزمة المياه، حيث يتم الاعتماد على تساقطات الأمطار، وبالطبع انعكس تدني المردودية على كلفة الإنتاج، خاصة المتعلق منها بالفلاحة، سواء في اليد العاملة، أو في المحروقات، التي ارتفعت بشكل دوري بدأ من عام 2011، ويمكن أن نتصور الانعكاس السلبي لهذا على كلفة الإنتاج إذا علمنا أن استهلاك المحروقات يمثل نسبة 60 بالمئة من كلفة الإنتاج الزراعي، و70 بالمئة في الصيد البحري.

وتنعكس هذه الزيادات آليا على سعر المنتوج قبل أن يقدم للمستهلك، ورغم الترفيع في الأسعار، تقلص هامش الربح، وأجبر الفلاح على اللجوء للاقتراض. وبحسب اتحاد الفلاحين، بلغت قيمة ديون الفلاحين هذا العام 200 مليون دينار تونسي، وهي تشكل نسبة 8 بالمئة من كلفة الإنتاج. وتتعامل المصارف مع تلك القروض على أنها قروض شخصية، لتصل قيمة الفوائد عليها إلى 10 بالمئة، وهي نسبة عالية ترهق الفلاحين وتجبرهم على إعادة التفكير في مستقبل نشاطهم.

ويعاني القطاع أيضا من تبعية إنتاجية تتمثل في استيراد البذور، حيث شهد استعمال البذور المحلية تراجعا من 95 بالمئة عام 1975 إلى 25 بالمئة عام 2004، وهو الآن لا يتجاوز خمسة بالمئة.

المشاكل لا تنتهي مع انتهاء موسم الحصاد أو جني السلع وقطفها، فسرعان ما تبرز عقبات أخرى تتعلق بالتسويق والبيع، خاصة أنّ حجم السوق المحلية محدود، نظرا لعدد السكان والدخل الفردي المحدود. وفي الوقت الذي عجز فيه القائمون على القطاع في وضع سياسة ناجعة لتجاوز هذه المشكلة، والبحث عن أسواق بديلة، تبقى الصادرات التونسيّة مقصورة على المنتج الخام، الذي لا يعوض عجز المبادلات التجارية الغذائية، نظرا لتواضع الصناعات التحويلية الغذائية، التي لا يتجاوز نصيبها 3.2 بالمئة من الناتج الإجمالي التونسي الخام.

التهرم والأمية الفلاحية مشكلة أخرى تضاف إلى مشاكل القطاع، بسبب عزوف الشباب عن العمل الفلاحي، وتفاقم الهجرة الداخلية التي جاءت نتيجة طبيعية للتفاوت بين الجهات، وغياب التنمية العادلة.

دائرة شيطانية مغلقة، يجب كسرها.. ولكن كيف؟

بالتأكيد، الوعود ليست هي الحل، ورفض مقترحات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، ليس حلا للمشكلة هو الآخر.

المرشحون للانتخابات الرئاسية وأحزابهم يجب أن يتحلوا بالشجاعة، لكسر “التابو”، وتقديم الحل الذي ما أن تنطق به، حتى توجه إليك مختلف التهم، أولها الخيانة وآخرها ضعف الإحساس الوطني.

لا طريق أمام القطاع الفلاحي للخروج من أزمته إلا بتشجيع الاستثمارات الكبرى. هي وحدها قادرة على حل المعضلات التي تم عرضها.

تجاهل المشاكل التي يواجهها القطاع الزراعي، والتي أجمع عليها كل المسؤولين والخبراء في قطاع الفلاحة، لن يحل المشكلة. وتوريط الشباب في مشاريع استثمارية صغيرة تقام على مساحة محدودة سيعرضهم للوقوع أسرى الديون، وبالتالي الإفلاس.

وضع خطة محكمة لإقامة مشاريع فلاحية مساهمة أو مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص، هو الحل الذي يتيح كسر الحلقة الشيطانية. وما المانع في أن يكون المستثمر أجنبيا، لا يمتلك الأرض، بل ينتفع بها، ضمن شروط تحفظ لتونس حقها، وتراعي مصلحتها ومصلحة العاملين فيها.

شباب تونس يبحث عن فرص السفر إلى أوروبا، للعمل في الحقول، حيث الأجر مناسب، وظروف العيش تحترم إنسانيته. لما لا نأتي إليه بأوروبا، بدل أن يذهب هو إليها.

يمكن فعل ذلك، عندما تكون المشاريع الفلاحية ضخمة، تتيح أن تلحق بها نواد ومسابح وملاعب وغرف مكيفة ومطاعم مجهزة وأجر لائق.

عندها فقط ستصبح مهنة الفلاحة جذابة، ويمكن تأهيل الشباب وتعليمهم للقيام بالعمل، يجب أن نتذكر أن التكنولوجيا الذكية تزحف على القطاع الفلاحي، وأن الروبوتات أصبح لها دور هام في عملية الإنتاج، وما تحتاجه تونس هو شباب يمكنه استيعاب هذا التغيرات.

الوعود المقترحة من قبل مرشحين للرئاسة، ستزيد عمق الحفرة التي وجد الفلاحون أنفسهم فيها، وتعبد الطريق إلى الإفلاس.

أغنية سيد درويش محلاها عيشة الفلاح، أصبحت جزءا من الماضي، اليوم يمكن أن نغني محلاها عيشة الروبوتات. هناك ألف طريقة لخلق فرص عمل، الزراعة واحدة منها وليست كلها.

7