طريق السعودية 2030 يبدأ ببرنامج التوازن المالي

تحاول السعودية فتح مسار جديد غير مرتهن بإنتاج النفط وأسعاره وسوف يكون تأثير مثل هذا التحول في الواقع عميقا، بيد أن ذلك يحتاج إلى معالجة دقيقة للمشكلات الهيكلية طويلة الأمد والمعروفة: البطالة، أزمة السكن والتعويل على العمالة الأجنبية وضعف التعليم والاعتماد المفرط على مداخيل النفط. وفي حال لم يتم المضي قدما في الإصلاح المالي، ومع اسـتمرار السـلوك العام التاريخي للمصروفات، واســـتمرار التذبـذب المعتـاد للإيرادات النفطية فإن العجز المالي طويل المدى سـيكون أمرا واقعا.
السبت 2016/12/24
طريق المستقبل

الرياض – فـي مطلع العام 2016، نشـرت السعودية رؤيـة 2030، التي حددت ملامح رحلـة التغييـر الجذري والطمـوح للوضـع الاقتصـادي والاجتماعـي في المملكة. وجلبت هذه الرؤية الانتباه العالمي لجرأتها وجدّيتها، منذ أن كشف عن ملامحها ولي ولي العهد السعودي، وزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان في مقابلة مع إيكونومسيت، في شهر يناير، ثم أعلن عن تفاصليها كاملة خلال حوار مع قناة العربية في شهر أبريل.

وفي السادس من يونيو، كشف الأمير محمد بن سلمان عن تفاصيل برنامج التحول الوطني 2020 الذي يعتبر بمثابة الخطوات الأولى نحو رؤية السعودية 2030. من هنا، يكتسب هذا البرنامج أهميته، فكل تقدم فيه، يعني جدّية في تحقيق الوعود والمشاريع التي تضمنتها رؤية السعودية 2030، أي السعودية “غير النفطية”.

وبينما يشارف العام 2016، على الانتهاء، أطلقت الحكومة السعودية رسميا، يوم 22 ديسمبر، برنامج التوازن المالي الذي يهدف إلى تحقيق ميزانية متوازنة بحلول عام 2020. ويعد برنامج التوازن المالي من أهم البرامج التي يقوم بها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بهدف رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي، إضافة إلى تنمية الإيرادات غير النفطية، وتطبيق سياسة الدعم الحكومي الذكي الموجه إلى مستحقيه، علاوة على الإدارة الحكيمة للدين العام.

وأكد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز في خطابه الذي ألقاه، في اجتماع مجلس الوزراء لإقرار الميزانية العامة للدولة، الخميس، أن “الرياض تملك القوة الكافية لمواجهة التحديات الاقتصادية والمالية الحالية بفضل السياسات المالية التي اتخذتها الدولة”.

الملك سلمان بن عبدالعزيز: الرياض تملك القوة الكافية لمواجهة التحديات الاقتصادية والمالية الحالية

وقال إن القيادة السعودية “عاقدة العزم على تعزيز مقومات الاقتصاد الوطني وفق رؤية المملكة 2030 وبرامجها التنفيذية وفق رؤية إصلاحية شاملة من شأنها الانتقال بالمملكة إلى آفاق أوسع وأشمل لتكون قادرة على مواجهة التحديات وتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي“. وأضاف “رؤيتنا ليست فقط مجموعة من الطموحات، بل هي برامج تنفيذية لنتمكن من تحقيق أولوياتنا الوطنية وإتاحة الفرص للجميع من خلال تقوية وتطوير الشراكة مع القطاع الخاص، وبناء منظومة قادرة على الإنجاز، ورفع وتيرة التنسيق والتكامل بين الأجهزة الحكومية ومواصلة الانضباط المالي وتعزيز الشفافية والنزاهة“.

والمتابع للمشهد السعودي منذ تسلم الملك سلمان مقاليد الحكم في 23 يناير 2015، والمتغيرات التي حصلت على مستوى السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، تتأكّد له جدّية التعاطي مع هذه الرؤية التي ستضمن ريادة المملكة باعتبارها قوة اقتصادية كبيرة على المسرح العالمي، سواء بقي عصر النفط أو أفل نجمه.

تهدد أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية، تنفيذا دقيقا لمصروفات الموازنة السعودية للعام المقبل 2017. سجلت السعودية عجزا سنويا في ميزانيتها لعام 2015 يعد الأكبر فـي تاريخهـا.

ورغم تسجيل المملكة لنفقات فعلية أقل من المقدر في ميزانية 2016، وإيرادات أعلى مما تنبأت به، إلا أن استمرار تغيرات أسعار النفط الخام للعام المقبل، رغم توقيع اتفاق خفض الإنتاج واستمرار التوترات الأمنية الإقليمية، ينذر بخروج النفقات عما خطط له.

وفي حال اســـتمرار هذا الوضع، وإن لم يكن هناك تدخل لتحقيق الإصلاح المالي، فإن الحكومة السعودية قد تواجه تحديات مالية في المدى المتوسط والطويل قد تقودها إلى عجز مالي طويل المدى يستعصى الخروج منه. وأعلنت السعودية، التي تعد أكبر مصدر للنفط في العالم، موازنة 2017 بإجمالي نفقات تبلغ 890 مليار ريال (237.3 مليار دولار)، وإيرادات بـ 692 مليار ريال (184.5 مليار دولار) وعجز مقدرة قيمته بـ198 مليار ريال (52.8 مليار دولار).

وتزيد نفقات الموازنة السعودية للعام المقبل، بنسبة 6 بالمئة عما كانت عليه في 2016، صعودا من 840 مليار ريال (224 مليار دولار).

ترشيد الإنفاق

نفذت السعودية خلال العام 2016، رزمة إصلاحات هيكلية وحملات تقشف وخفضا في رواتب الوزراء ومزايا موظفي الدولة، وألغت مشاريع ودمجت مؤسسات، لترشيد المصروفات. وهي ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها الرياض إجراءات ترشيد في الإنفاق.

بين 1981 و1985، تهاوت إيرادات الدولة بشكل كبير مما أدى إلى اتخاذها عددا من السياسات التقشفية الشـديدة. وفي أعقاب حرب الخليج، كان هناك انخفاض في الإيرادات الحكومية بنسبة 24 بالمئة بســـبب انخفاض أسعار النفط. وكردة فعل، قامت الدولة بخفض مســـتوى الإنفاق بنســـبة 31 بالمئة بيـن 1992 و1994.

السعودية نفذت خلال العام 2016، رزمة إصلاحات هيكلية وحملات تقشف وخفضا في رواتب الوزراء ومزايا موظفي الدولة، وألغت مشاريع ودمجت مؤسسات، لترشيد المصروفات

وفي نهاية التسعينات، تهاوت أســـعار النفط بين 1997 و1999 مما اسـتدعى تقليل الإنفاق الحكومي بـ17 بالمئة، حيث قامت الدولة خلال هذه الفترة باتباع سياسات تقشفية صارمة. وفـــي عـــام 2009، نتيجة الأزمة المالية والانهيار المفاجئ في أسعار النفط، انخفضـت الإيرادات الحكومية بنسـبة 54 بالمئة. لكن الانهيار في أسعار النفط لم يدم سوى 8 أشهر، وانتعـشت أسعار النفط في وقت لاحق، وصاحب ذلك ارتفــاع الإنفاق الحكومي.

تحديات إقليمية

إلى جانب تدهور أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية، تزيد التحديات الأمنية الإقليمية من العبء، حيث تواصل السعودية تنفيذ عمليات عسكرية على حدودها الجنوبية مع اليمن ضد الحوثيين، وهي عمليات تتطلب إنفاقا على تلك العمليات، إلى جانب منح مالية تقدمها للعديد من دول الجوار وأخرى عربية.

واعتبر الكاتب الاقتصادي السعودي، غسان بادكوك، أن العمليات العسكرية تحتاج إلى تمويل الدولة، لكن باعتقاده “لن تشكل النفقات العسكرية خروجا كبيرا عن أرقام موازنة 2017 المعلنة”، وقال إن “المملكة في 2016 واجهت نفقات أمنية وعسكرية، لكن في نهاية العام، وجدنا أن النفقات الفعلية كانت أقل من المقدرة بنحو 4 مليارات دولار أميركي“.

ويرى بادكوك أن المنح المالية السعودية للعديد من دول الجوار، ستستمر خلال 2017، لكن بوتيرة أقل عما كانت عليه خلال السنوات الفائتة. وتقدم السعودية منحا مالية سنوية ضخمة للعديد من دول الجوار والدول العربية، كالأردن ومصر ولبنان وفلسطين التي كانت تحصل شهريا على 20 مليون دولار أميركي لدعم الموازنة، حتى مارس الماضي، قبل أن تتراجع منذ أبريل حتى نوفمبر إلى 7.7 مليون دولار شهريا.

تفاصيل أخرى:

◄ أبرز ملامح برنامج التوازن المالي السعودي

◄ السعودية تحفز القطاع الخاص بإنفاق 53 مليار دولار بحلول 2020

7