طريق الفردوس في القاهرة متنفس مروري شرّد الأحياء والأموات

البلدوزر يهدم بيوت العائلات الفقيرة ومقابر المماليك لاستكمال إنشاء المحور المروري الكبير في القاهرة.
الاثنين 2020/08/10
سياسة الجرافات سياسة هدم

حين يغيب التخطيط العمراني المسبق للمدن العربية تصبح الجرافات سيدة الهدم في حال إصلاحات أو توسع، وهذا ما حصل في القاهرة التي أرادت أن تشق طريقا يكون متنفسا مروريا للعاصمة المكتظة بالسكان، فدفعت مواقع أثرية هامة وأسر فقيرة ثمن سياسة الجرافات.

 القاهرة – تشق السلطات المصرية طريقا جديدا قد يساعد على فك الخناق المروري في العاصمة لكنه يثير سخط المصريين بسبب مروره بـ”قرافة المماليك” في شرق القاهرة وتسببه في هدم قبور عديدة في واحدة من أقدم مناطق الجبانات والأضرحة في العالم الإسلامي.

لم يمس المحور المروري الكبير بعضا من رفات الراقدين تحت الثرى فحسب، بل شرد أيضا العديد من الأسر التي كانت تتخذ من أحواش المدافن والأضرحة مساكن لها في ظل ارتفاع نسبة الفقر وعدم القدرة على شراء منزل.

ومن هذه العائلات، أسرة منة (33 عاما)، الأم لثلاثة أطفال والتي فوجئت بجرّافة تهد جدار حوش مدفن لأحد باشوات مصر القدامى، تعيش فيه.

وقالت وهي تجلس على ركام المدفن، “أخذنا على حين غرة. فجأة وجدنا البلدوزر يهد علينا الحائط ووجدنا أنفسنا نرمي بأشيائنا مثل المجانين”. وأضافت “رمونا في الشارع وشرّدونا وشرّدوا أطفالنا (…) حرام”.

ومن المفارقة أن هذا المحور المروري السريع الذي بدأ إنشاؤه في يوليو حين جثت أعمدته الخرسانية على القبور وأرّقت هدوء مدينة الموتى المدرجة على لائحة منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) للتراث العالمي، يدعى “الفردوس”.

كان جد منة ومن بعده والدها هما المسؤولان عن هذا المدفن. وبعد وفاتهما تم دفنهما بداخله. وورثت الشابة المصرية المسؤولية بعدهما وعاشت في المدفن مع زوجها وأطفالها. لكن ما حدث جعلها تقوم بإخراج رفات الموتى من أجل نقله إلى مكان آخر أكثر أمانا، وقالت “المنظر كان بشعا (…) نقلنا الموتى على حصائر من القش”.

وبعد تشريدها، تعيش أسرة منة الآن مع جيرانها في جزء لم يتم التعرض له من قبل الحكومة، في “قرافة المماليك” نفسها التي دفن فيها العديد من سلاطين المماليك في مصر قبل نحو 700 عام وتمتد على مساحة 6.5 كلم مربع.

وتملأ “قرافة المماليك” القباب المصممة بشكل مزخرف، والمحفورة عليها الآيات القرآنية التي لطالما كانت موضع اهتمام الرسامين والمؤرخين المستشرقين.

هدم المقابر يثير الاحتجاج الافتراضي
هدم المقابر يثير الاحتجاج الافتراضي

وتؤكد جليلة القاضي المعمارية المخضرمة والباحثة الحضرية التي تقيم في مرسيليا، أن هذه القرافة تعتبر “عنصرا مهما في التاريخ الحضري” للعاصمة.

وتوضح أن هذه الجبانة تعود إلى ما قبل الفتح الإسلامي في مصر، إلى القرن السابع الميلادي.

وعبّرت القاضي التي ألفت كتابا عن “القرافة”، عن أسفها بعد أن وصلت أعمال الهدم إلى محيط تاريخي من المشاهير المدفونة.

وضربت مثالا قبة ضريح السلطان أبي سعيد قانصوه أحد سلاطين المماليك الذين حكموا مصر في القرن الخامس عشر.

وقالت القاضي إن عمليات الهدم ستؤدي إلى “فقدان الهوية البصرية (للقاهرة) وذاكرتها”.

يربط المحور المروري الجديد الذي يبلغ طوله 17.5 كلم، وسط العاصمة بشرقها مترامي الأطراف. وتأمل السلطات في أن يدفع هذا الطريق حركة المرور نحو العاصمة الإدارية الجديدة التي تبنيها الحكومة على بعد نحو 45 كلم شرق القاهرة.

وبعد موجة احتجاج على نشر صور هدم المقابر على منصات التواصل الاجتماعي، دافعت وزارة الآثار المصرية عن المشروع في بيان الشهر الماضي. وقالت إن “محور الفردوس بعيد عن الآثار الإسلامية المسجلة بقرافة المماليك”.

وأكدت الوزارة في بيانها أنه “لم يتم هدم أي أثر وأن المقابر الموجودة بالصور المنشورة هي مبان غير مسجلة في عداد الآثار الإسلامية والقبطية وإنها مقابر حديثة وخاصة بأفراد”.

من جهتها، أوضحت اليونسكو أنه “لم يتم إبلاغها ولا استشارتها” حول أعمال الهدم في محيط القرافة”، مضيفة “لكن مركز التراث العالمي يتابع مع السلطات المصرية لمراجعة الأمر وتقييم أي آثار محتملة على القيمة العالمية الاستثنائية للممتلكات وأصالتها وسلامتها”.

كنوز تاريخية تدمر ببساطة
كنوز تاريخية تدمر ببساطة

وترى القاضي أن ما حدث في الموقع التاريخي “يكشف عن الطابع الأعمى والتعسفي” لرؤية تخطيط عمراني عشوائية يطلق عليها “سياسة الجرافات”.

وتجربة “الفردوس” ليست الأولى من نوعها في أعمال البناء المثيرة للجدل، ففي مايو أثار جسر علوي يجري تشييده في محافظة الجيزة غرب القاهرة جدلا واسعا في مصر بسبب اقتراب أجزاء منه من بعض المباني السكنية القائمة بالفعل لمسافة تمكن السكان من لمس سور الجسر أثناء الوقوف في شرفاتهم.

إلا أن وزير النقل المصري كامل الوزير دافع عن المشروع وقال آنذاك في تصريحات لقناة فضائية مصرية، “لا يمكن التضحية بمصلحة محافظة بكاملها بسبب بناية أو اثنتين أو عشر”. وأضاف أن “750 ألف سيارة ستستخدم هذا المحور”.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وثق المصريون الدمار الحضري بصور أقبية مقابر أسرهم بالإضافة إلى الخزائن التاريخية.

وأفاد أحد مستخدمي موقع تويتر من خلال حساب يدعى “موروكروبوليس”، بأن عائلته من ناحية والدته كانت تمتلك غرفة دفن تحت الأرض في القرافة منذ أربعينات القرن الماضي.

وصرح من دون ذكر اسمه “قالوا (السلطات) لنا إنهم بحاجة إلى جزء من حجرة دفن النساء لكنهم بدؤوا في تدمير السياج وشواهد القبور قبل نقل الرفات”.

وأوضح أنه لن يحصل على تعويض من الحكومة لأن القبر دُمر جزئيا وليس كليا. وتعلّق منة حزينة “إنهم يسيئون إلى الأحياء والأموات بلا رحمة (…) وفي النهاية لا أحد يهتم لأمرنا”.

20