طريق المرأة إلى البرلمان المصري محفوف بمطبات سياسية وعراقيل اجتماعية

كغيرها من المحطات السياسية المهمة التي تمر بها مصر يعود الجدل والنقاش مجددا خلال انتخابات مجلس النواب إلى حظوظ المرأة في الحصول على نتائج تعكس التضحيات التي قدمتها خلال المرحلة الماضية، ويؤكد متابعون أن طريق المصريات نحو البرلمان لن يكون معبدا نظرا للمطبات الاجتماعية والسياسة التي وضعت أمامها.
الأحد 2015/10/18
مكانة المصريات سياسيا لا يعكس دورهن الفعال في مختلف المحطات الكبرى في السنوات الأخيرة

القاهرة - تكتسب انتخابات مجلس النواب المصري التي ستجرى جولتها الأولى يومي 18 و19 أكتوبر أهمية كبيرة، ليس فقط كونها تأتى عقب ثورة 30 يونيو 2013 ليكتمل بها الاستحقاق الثالث من خارطة الطريق المصرية، بل لأن المرأة تحظى، ولو بقدر ضئيل فيها، بمكانة وتقدير لدورها الأساسي في النهوض بالمجتمع، بخلاف غالبية الانتخابات السابقة.

فالأحداث التي مرت بها مصر على مدار الأعوام الماضية، لفتت انتباه الدولة، ممثلة في قيادتها السياسية، إلى ضرورة منح السيدات الفرصة، لكي يتقلدن المناصب القيادية، تقديرا لما قدمنه من عطاء، سواء في الفعاليات السياسية أو في الخدمة المدنية، فقد كانت نسبة مشاركة المرأة في التظاهرات التي صنعت الثورات المصرية، خاصة ثورتي يناير 2011، ويونيو 2013، تصل إلى 50 بالمئة، ولم تخذل القيادات في نزولها للاستفتاء الشعبي على الدستور المصري الجديد، حيث بلغت نسبة تصويت المرأة 55 بالمئة، بل وساهمت بشكل فعال في حسم الانتخابات لصالح الرئيس السيسي، حيث مثلت 54 بالمئة من إجمالي أصوات الناخبين عموما.

من هذا المنطلق جاء الاعتراف بحق المرأة في الممارسة السياسية، وظهر جليا من خلال الدستور، الذي اشترط أن تكون نسبة تمثيل المرأة والشباب 50 بالمئة في انتخابات المجالس المحلية، واشترط أيضا وجود المرأة على قوائم المرشحين في انتخابات البرلمان، وألزمت المادة الـ27 من قانون مجلس النواب، رئيس الجمهورية بتعيين 14 امرأة من إجمالي 28 عضوا يعينهم الرئيس.

بذلك تكون السيدات قد ضمن 70 مقعدا بقوة القانون، حيث حددت قوانين الانتخابات البرلمانية 56 مقعدا لها بنظام القائمة المطلقة، ونص القانون على ترشح 7 من السيدات على الأقل في القوائم الانتخابية.

لكن الصدمة أصابت المجتمع النسائي، بعد إعلان اللجنة العليا للانتخابات عن الأعداد التي ستخوض بها المرأة مارثون الانتخابات البرلمانية، واللاتي لم تتعد 308 نساء مرشحة، على مقاعد الفردي والقوائم، من أصل 5420 مرشحا.

حيث رأى مراقبون أن نسبة تمثيل المرأة، في ظل تشكيلها لـ 49 بالمئة من القاعدة الانتخابية في مصر، لا تزال ضعيفة ومحبطة وتعني استمرار انخفاض نسبة تمثيل المرأة في المعركة الانتخابية، بشكل لا يتناسب مع كتلتها التصويتية، وأن أعداد المرشحات تعني أن المرأة لن تتجاوز نسبتها 2 بالمئة أو 3 بالمئة، في الظروف الطبيعية، وهي نسبة منخفضة جدا ولا تبتعد كثيرا عن برلمان 2012 الذي مثلت فيه المرأة بنسبة 1.8 بالمئة فقط من المقاعد، لذلك ضمن لها الدستور تمثيلا يتجاوز الـ10 بالمئة (أي 70 مقعدا).

70 عدد المقاعد التي كفلها الدستور المصري في البرلمان وينظر إلى الرقم على أنه لا ينصف المرأة ودورها في مختلف المراحل التي مرت بها البلاد

الداء في القوائم الحزبية

وأوضح باحثون سياسيون لـ”العرب” أن القوائم الحزبية ساهمت في تقليص أعداد المرشحات، لأنها التزمت بالحد الأدنى لترشح النساء، وفقا للقانون رقم 46 لسنة 2014، وينطبق ذلك على كافة التيارات السياسية تجاه تمثيل السيدات، فالجميع أجبر بالقانون على وضعهن بالقوائم وكأنه “ترشيح المضطر”.

في هذا السياق، فسر بعض المتابعين تراجع ترشح النساء بشدة على المقاعد الفردية، بعدم وجود ضمانات قانونية ملزمة للمنافسين، وتخبط القوى السياسية وعدم قدراتها على استيعاب الكوادر النسائية.

ومن وجهة نظرهم فإن الحكومة تخلت أيضا عن المرأة، حيث تقاعست عن منحها حقها، بسبب عدم اتخاذ خطوات فاعلة في زيادة نسبة تمثيل النساء على مستوى المناصب القيادية، فضلا عن عدم مراعاة المرأة في القوانين الخاصة بالانتخابات.

واتفقت نورهان الشيخ أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة مع هذا الرأى، وقالت لـ “العرب” إن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية كبيرة عن وضع المرأة الهش في الحياة النيابية، فرغم كثرة الأحزاب المصرية، سواء قبل الثورة أو بعدها، إلا أنها تتسم بالضعف، وهو ما جعلها تخشى من المغامرة بترشيح نساء على قوائمها الانتخابية، خوفا من الخسارة، وتفضل غالبا ترشيح الشخصيات العامة المعروفة، أو الرجال القادرين على إنفاق الأموال وتقديم الخدمات لأبناء الدائرة.

عندما يتم وضع المرأة على القوائم الانتخابية يكون ذلك لمجرد الظهور بأن هذه الأحزاب من أنصار المرأة، ومع المساواة بينها وبين الرجل، أو لجذب أصوات السيدات لصالحها، لكن في حقيقة الأمر تعتبر المرأة رهانا خاسرا في الترشح للانتخابات.

وقالت نورهان لـ “العرب” إن الحكومات المصرية خلال فترة ما قبل ثورة يناير، ساهمت في تكريس وضع المرأة المتدني في العمل العام والبرلمان، فقد اختارت الحل الأسهل في وضع كوتا للنساء، وتعيين بعضهن في البرلمان، دون أن تبذل مجهودا حقيقيا من أجل تحسين وضع المرأة السياسي، مع أن المرأة حققت إنجازات من قبل في كافة المجالات وتبوأت مناصب مهمة في الدولة، سواء كعميدات للكليات أو رؤساء للجامعات، وقاضيات، ورئيسات تحرير صحف، وغيرها، لكن المنهج العام للدولة يقصر المناصب التنفيذية العليا، كالمحافظين على الرجال، الأمر الذي ساهم في تكريس الصورة الذهنية السلبية بأن المرأة لا تصلح للعمل العام.

الحكومات المصرية خلال فترة ما قبل ثورة يناير، ساهمت في تكريس وضع المرأة المتدني في العمل العام والبرلمان

من جهة أخرى لا بد من الإشارة إلى العقبات التي تواجه المرأة في الانتخابات، لكنها تعود إلى النساء أنفسهن.

وأوضحت رشا عبدالله أستاذة الإعلام بالجامعة الأميركية في القاهرة لـ”العرب” أن أغلب النساء يعتقدن أن الرجل أصلح من المرأة للمناصب السياسية والنيابية، وفي الوقت الذي تطالب بعضهن بدعم المرأة في الانتخابات وزيادة نسبة تمثيلهن يوجد على أرض الواقع أمر مختلف، حيث تنتخب النساء الرجال ولا ينتخبن أقرانهن.

مفارقات مجتمعية

هذه مفارقة غريبة، ففي ظل المجتمعات العربية، ومنها المجتمع المصري طبعا، ما تزال نسبة كبيرة من النساء يعتقدن أن دورهن العائلي داخل المنزل ورعاية الحياة الخاصة أهم من دورهن في الحياة العامة، ويعتبرن أن النجاح في الحياة العامة يؤدى غالبا إلى تدمير الحياة الخاصة.

وأضافت رشا عبدالله، أن النظرة الذكورية في المجتمع الشرقي عموما هي الطاغية، فالرجل يعتبر نجاح زوجته، قد يكون انتقاصا أو تقليلا من شأنه، كما أن نجاح المرأة يبدو متناقضا مع النظرة السائدة بأن الرجل يجب أن يكون المهيمن على كل شؤون الحياة.

وترى ماجدة صالح أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن الموروثات الاجتماعية تشكل عائقا أمام المرأة، فضلا عن المعتقدات الدينية التي ساهمت في رسم صورة ذهنية لدى الكثير من النساء بأن المرأة كائن ناقص العقل والدين، وبالتالي لا تصلح للولاية العامة، وهو أمر بالطبع يتنافى مع جوهر الدين الحقيقي الذي يعلي من شأن المرأة ويساوي بينها والرجل في العمل وتحمل المسؤولية. وقالت ماجدة صالح “إن كثيرا من النساء يقتنعن بهذه النظرة الدينية والمجتمعية ويتجهن لانتخاب الرجال لا النساء”.

وقد اتفقت مع هذه الرؤية أميرة الشنواني المرشحة في انتخابات مجلس النواب حاليا، مستشهدة بتجربتها الانتخابية السابقة، والتي لم يحالفها الحظ فيها، بسبب طبيعة المجتمع.

20