طريق الموت إلى العوامية

الأربعاء 2016/11/02

قصت عليّ شقيقتي قصة الطريق الذي سلكته يوما للذهاب إلى مدينة العوامية التابعة لمنطقة القطيف الواقعة شرق المملكة العربية السعودية.

العوامية مدينة ليست عادية على الأقل منذ ما يقرب من السبعة أعوام، لا تتوقع بأنها تمتلك بُنية عظيمة، وإنما هي مجرد مدينـة مليئة بالصخب والأحـداث اللامشروعة وبعدد من الشباب الإرهابيين، ليس ذلك فحسب، فلو نظرت إليها من طرف آخر ستجدها تحفـل بعـدد من الأسر المعروفة، والأطبـاء الذين اشتهـروا بمهاراتهم والمهندسين والمثقفين من الكتاب والكاتبات، لكن وبالرغم من وجود هذا العدد الكبير من المتعلمين من الجنسين، تبقى العوامية، كما أشار إليها أحـد الزمـلاء وهو يتحدث لي عنها بأسى، بأنها عبارة عن تشكيل من العصابات المتطرفين، وهي تقترب من حيث الشبه بالفلوجة المدينة السُنية في العراق.

شقيقتي كانت تتحدث عن الطريق المؤدي إلى العوامية، “إنه كابوس” هذا ما قالته لي. الثكنات العسكرية، رجال الأمن الذين يطوّقون المدينة التي ذَبُلت بسبب عته عدد من شباب العصابات المدعومين للأسف من نظام الملالي في جمهورية إيران.

هذه المعلومات لم آت بها من عندي، وليست معلومات متطفلة وليست مجرد قراءة من بعيد.

ما أكتبه هي الحقيقة التي يعرفها أهالي المنطقـة الشرقية في المملكة العربية السعـودية، وللأسف، تغيب مثل هذه المعلومات عن أذهان المهتمين بالشأن السياسي والطائفي.

كانت شقيقتي تخبـرني بأنه أصعب طريق قد مرت به في حياتها، إنها لا تريد أن تكرر التجربة، ولا تريد أن تذهب يوما إلى هناك، حيث أن اللهجة سريعا ما ستكشفك ويمكن ألا تعود آمنا إلى بيتك، إلا بعد أن تُلقى الزجـاجات الفـارغة على سيـارتك، وربمـا قد تحـدث أمور أخرى لا يحمد عقباها.

يتباهى أحدهم أمامي بأن الأمن السعودي لم يستطع أن التصدي لهؤلاء الشباب، لازلت أفكر في ضحكاته المتتالية، وكنت أقف أمامه وأنا أقول، لماذا يعلن هكذا بكل وضوح عن الغباء الذي يعيشه هؤلاء الشباب؟ وهم السبب الأول في إبقاء المدينة في عتمة تحول دون خروجها من قوقعة التطرف المذهبي، وإذا كان هناك إرهاب وتطرف فلا بد أن تكون الجرائم في هذا المكان بالمرتبة الأولى، وهو ما يحدث في العوامية المدينة الغافلة، والتي يتباهى البعض فيها بشجاعة العصابة الإرهابية، فيما يتحدث البعض الآخر بصوت خافت ومضطرب، ويخشى من أن تكون الهجرة للأبد، وهو يعلن عما يضمر بداخله بأن ما يفعله هؤلاء الشباب هو تدمير للحمة الوطنية، وأن على الشباب أن يكفوا الأذى عـن العبـث بالسُلطة وقـتل رجـال أمـن الـدولة.

ما السبب الذي دفعني لكتابة هذا المقال؟

الدافع في الحقيقة هي الأخبار التي لا تتوقف عن مقتل رجال أمن الداخلية السعودية من قبل الإرهابيين في منطقة القطيف بشكل عام، ومدينة العوامية بشكل خاص.

الشيعة الذين يتباهون في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ويجد البعض منهم لذة في الضرب علانية أمام أي خبر تفجير يقوده إرهابي مسلم سُني في بلجيكا أو نيس أو بـاريس أو ميـونيخ، تظهر تلـك الأصـوات التي كانت تختبئ تحت أي ظلال، تشعر بالمتعة في الكتـابة بانفعال مثيـر على منضدة من العته، “هؤلاء هم السُنة” أو “هل وجدت شيعيا يفجر نفسه؟”، متغافلين عما يحدث في لبنان وسوريا واليمن وإيران. لا يوجد إرهابي شيعي ولكن يوجد عدد من الشباب يمتهنون الإرهاب في حق أهالي مدينة العـوامية الطيبـون.

إنهم يمنعونهم من أن يعيشوا حيـاتهم الطبيعية، من أن تُزاح الثكنات العسكـرية من على الطريق، وأن يكون الطريق سهلا وسالكا، ولكنهم اختاروا الحياة على خط من نار، ومن المؤسف أن هناك من يصفق لهم، ويفرح لأنهم يحملون الأسلحة البيضاء في جيوبهم، وأنهم عبارة عن قنابل موقوتة، يمكن لها أن تنفجر ليس فقط في وجه رجال أمن وزارة الداخلية، ولكنها ستنفجر في وجه السكان ذاتهم.

كنت قد قرأت عن استشهاد العريف سلطان صالح المطيري، من شرطة القطيف على يد مسلحين، وأشعر بالحزن الكبير لبلوغ هذا التطرف الدموي أقصاه في هذه المنطقة، ولأنه لا يمر أسبوع أو أسبوعان من دون أن أقرأ عن حادث إطلاق نار على رجال الأمن.

إن إرهابيي العوامية يعتقدون أنهم يملكون القوة التي تمكنهم من مواجهة الحكومة التي تفوقهم قوة وسُلطة، لكن لا أحد يقول لهم إنهم يضعون حياتهم وحياة أبناء وبنات مدينتهم في عنق الزجاجة ليس إلا.

يسألني البعض هل أنا مع فكرة زيارة مثقفي السُنة لمنطقة القطيف والصلاة في حسينياتهم؟

أدون لكم ما كنت أقوله وأعيده وأكرره، بالتأكيد أنا ضد هذه الفكرة، لست بحاجة للصلاة في حسينية حتى أثبت أن التطرف لا يمكن أن يكون حلا لرتق الشق، ولا أزور القطيف لأن عليّ أن أقول لهم إنه لا توجد هناك أي عداوات أو مشاكل بيننا وبينهم، إن فعلت ذلك، فعليّ أن أفعله مع باقي المذاهب والطوائف.

وأتذكر الآن الفنان الراحل ملحم بركات وهو يتحدث مع الإعلامي السعودي داود الشريان في برنامجه، والذي أعيدت حلقته قبل أيام بعد الإعلان عن وفاته، حينما قال إذا كان علي أن أصدر شريطا غنائيا، فيجب علي أن اختار ملحنا سنيا، وكاتب أغنيات مسيحي أو ماروني، لا يمكن أن ينفصل الفن عن السيـاسة الطائفية في لبنـان، إنها مأساة.

انظروا كيف تحول الفن إلى لغة طائفية، وأنا لا أريد أن يحدث ذلك في وطني.

لا أريد أن يتحول وطني الذي أحبه إلى شبيه لما يحدث في العراق أو في لبنان. لن يحدث أن أزور حسينية أو أذهب لزيارة أي مدينة شيعية لمجرد أن أظهر حُسن نيتي تجاههم، فقط لا أريد المساس بوطني بأي شكل من الأشكال، طالما أنكم تتعاملون باحترام وتتسلمون حقوقكم كما يتسلم السُنة والإسماعيلية حقوقهم، فلا نريد منكم فجورا.

كاتبة سعودية

9