طريق تونس نحو الإصلاح: تفضيل "ما هو مفيد" على "ما هو مبهر"

يمثّل الإصلاح أهم أسس الاستقرار والتنمية لكن، ما أفرزته التطورات السياسية داخل دول الربيع العربي، ومنها النموذج التونسي أساسا، يطرح معادلات صعبة ويضع التونسيين أمام مفارقات قد تبدو الإجابة عنها سهلة من الوهلة الأولى لكن التعمق فيها يعيد صياغة العديد من المفاهيم والأولويات. من ذلك إشكالية الاختيار، ولو مؤقتا، بين الديمقراطية (في معناها الكبير الذي رفعته الشعارات خلال الثورة) وتحقيق التنمية بكل ما يتطلبه الأمر من إصلاحات وشروط مؤسسات الإقراض الدولية والتي قد تتعارض في جزء منها مع تلك الديمقراطية الثورية.
السبت 2017/10/07
بعض الأبواب المغلقة تحتاج الكثير من الجهد والوقت لفتحها

تونس – دعا رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب، من تونس، إلى تفضيل “ما هو مفيد” على “ما هو مبهر” للمساهمة في النمو الاقتصادي ومواجهة “تحديات” الديمقراطية الحديثة في البلاد. يلخّص رئيس الوزراء الفرنسي الأولويات الراهنة للدولة التونسية عموما. ويدعو إلى التعامل بواقعية مع متطلبات المرحلة من خلال التعاطي الموضوعي في العلاقة الجدلية بين تحقيق الديمقراطية والضرورات التنموية وصولا إلى النضج الفكري سياسيا ومجتمعيا.

يقول خبراء في تعليقهم على نتائج دراسات بشأن مستويات الإحباط المرتفعة لدى التونسيين إن من أبرز مسبباتها الشعارات الكبيرة التي رفعت في بداية تغيير 2011، والوعود المغرية التي أطلقها السياسيون خلال الحملات الانتخابية رغم أن الوقائع كانت تؤكد بعدم القدرة على تنفيذها، على الأقل على المدى القصير في ظل تراكم أزمات عميقة يعود بعضها إلى فترة الاستقلال.

وحسب مؤسسة سبر آراء البارومتر العربي انخفض عدد التونسيين الذين يصرحون بأنهم “يثقون في الحكومة بدرجة متوسطة أو كبيرة” من 62 بالمئة في سنة 2011، أي بعد الثورة مباشرة، إلى 35 بالمئة في سنة 2016. وبناء على ذلك تعدّ الشخصيات السياسية التونسية الأكثر شهرة مثل رئيس الوزراء يوسف الشاهد محظوظة لحصولها على نسبة قبول تتجاوز 35 بالمئة.

ويشير إحصاء أجراه مؤخرا المعهد الجمهوري الدولي (منظمة غير حكومية) إلى أن التونسيين محبطون بشكل كبير. ويرى 89 في المئة منهم أن مستوى الفساد في تونس اليوم أكثر ارتفاعا مقارنة بما قبل الثورة، بينما وصف 87 في المئة اقتصاد البلاد بأنه “سيء إلى حد ما” أو “سيء جدا”.

لا ينفي الخبراء، وعدد من التونسيين، صحة ما جاء في هذه الاستطلاعات مؤكدين على أن الفساد يعدّ أساس الأزمة في تونس، حيث المحسوبية متجذّرة بشكل كبير، بل يمكن وصفها بالدولة العميقة التي عششت داخل الدولة. لكنهم يشيرون إلى أن التونسيين، بعد 7 سنوات من ثورة 14 يناير 2011، بلغوا سن الرشد التي تخوّل لهم العيش في كنف الديمقراطية، لكن عليهم التساؤل أولا عن الديمقراطية التي يريدون. وما هو تصوّرهم كمواطنين لهذه الديمقراطية، وعلى أي أساس يمارسونها. وعليهم أن يجيبوا عن هذه الأسئلة بعيدا عن التملّق وعن الخوف، وبعيدا كذلك عن التأويل وتحميل الكلمات معاني ليست واردة في الأصل، ولن تؤدي إلا إلى مزيد من الغليان.

سارة فوير: قد تكون تونس صغيرة جدا بالنسبة للبعض لكنها تستحق اهتماما كبيرا

يستشهد الخبراء في هذا السياق بحادثة عرض محتويات القصر الرئاسي خلال الأيام الأولى للثورة، وكيف أججت صورة الأموال الكثيرة والذهب والمقتنيات الباهظة مشاعر التونسيين، وصدّقوا أن تلك الأموال وما تمت مصادرته يمكن أن تحل أزماتهم الاقتصادية وتحوّل البلاد في ليلة وضحاها إلى “جنة”.

بعد سبع سنوات من ذلك التاريخ، لم يتحقق الكثير على مستوى التنمية الاجتماعية والاقتصادية والإصلاح السياسي. لكن، الأمر وفق الخبراء طبيعي وعادي، خصوصا وأنها واجهت واقعا جديدا لم تتعوّد عليه وهو صعود الإسلام السياسي إلى المشهد وإلى السلطة.

وتقول سارة فوير، خبيرة في السياسة والدين في شمال أفريقيا، وزميلة سوريف في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، “أظهر استطلاع أجراه المعهد الجمهوري الدولي على الرغم من اعتقاد أكثرية التونسيين أن الديمقراطية ما زالت أفضل شكل من أشكال الحكم الأخرى، إلّا أن ثلثي السكان لا يعتبرون حتى الآن أن تونس ديمقراطية كاملة. وبالفعل، ما زال هناك طريق طويل أمام المرحلة الانتقالية كما أن البلد الصغير يواجه عددا من التحديات التي تستدعي الاهتمام الدولي”.

وكان الاقتصادي والباحث في العلوم السياسية الأميركي، فرانسيس فوكوياما، تحدث خلال ندوة عقدت مؤخرا في تونس عن سبل الخروج من مأزق التوفيق بين الديمقراطية والتنمية، وأيضا الاستجابة لشروط مؤسسات الإقراض الدولية، مشيرا إلى أن الإرساء الفعلي لدولة القانون القادرة على حسن تطبيق القانون وتيسير مكافحة المحسوبية والفساد، هو السبيل لدعم النموّ الاقتصادي وتحقيق التنمية الاجتماعية المندمجة في تونس.

وتتحمل الطبقة السياسية جزءا كبيرا من مسؤولية إصابة التونسيين بالإحباط، والذي يزيد منه التعاطي الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك التي أصبحت منبرا للصراعات وتبادل الاهتمامات وتأجيج الرأي العام، وأغلبه غير مطلع بعمق على كل تفاصيل المشهد أو لا علاقة له بالسياسة في بلد لم يتعوّد مواطنه التعاطي مع المواضيع السياسية والتحدث عنها صراحة.

ويعترف الباحثان بريان براون، مدير برنامج في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الجمهوري الدولي، وإغيار ليثونديا، كبير أخصائيي الحوكمة في مركز التأثير العالمي في المعهد الجمهوري الدولي، بأن الحكومة التونسية تستحق التقدير من أجل طرح قضية الفساد، ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل في هذا الشأن. أما بالنسبة لزيادة الشفافية في ممارسات الحكومة وتحسين تقديم الخدمات وتعزيز حلقة ردود أفعال المواطنين، خاصة على المستوى المحلي، فسوف تقطع هذه الأهداف شوطا طويلا تجاه تعزيز الديمقراطية التونسية والاستقرار والازدهار.

التطورات الأخيرة تكشف أن الحكومة تعطي الأولوية للنجاعة على حساب الديمقراطية

المسار الديمقراطي

ترى سارة يركس، الباحثة في معهد كارنغي، أن النظرة الخارجية لما يجري في تونس توحي بأن البلاد تحيد عن المسار الديمقراطي في خضم البعض من الممارسات التي تم تسجيلها مؤخرا وكان الشارع المنبر الرئيسي لرصد رد الفعل عليها، رغم أنه لا يعدّ مقياسا موثوقا به.

قامت الحكومة التونسية بثلاثة تحركات تبعث على القلق وعندما ينظر إليها مجتمعة تؤشر على حصول تقهقر كبير في تطورها الديمقراطي. التحرك الأول حدث في الحادي عشر من سبتمبر عندما صادق البرلمان التونسي على تحوير وزاري مكّّن من تعويض 13 عضوا في المجلس الوزاري من بين 28 عضوا. كان ذلك تحرك يدق ناقوس الخطر بما أن البعض من الوزراء الجدد لديهم روابط مع النظام السابق لزين العابدين بن علي الذي أطيح به في سنة 2011 خلال الربيع العربي.

أما الحدث الثاني فقد أتى بعد ثلاثة أيام. بعد نقاش خلافي امتد طيلة سنوات حول قانون المصالحة الاقتصادية المثير للجدل الذي اقترحه الرئيس الباجي قائد السبسي (وسمي “قانون المصالحة الاقتصادية”)، صادق عليه البرلمان بموافقة 119 صوتا ورفض 98 صوتا وقاطع التصويت 90 عضوا. (الكثير ممن امتنع عن التصويت انضم إلى محتجين خارج مقر البرلمان).

وأخيرا أعلنت الحكومة في 18 سبتمبر بأنه سيتم تأجيل أول انتخابات بلدية في تاريخها للمرة الثالثة بعد أن كانت مقررة في 17 ديسمبر، إلى شهر مارس 2018. كانت الانتخابات مقررة في الأصل في شهر أكتوبر 2016 ثم أجلت لمارس 2017 ثم أجلت مرة أخرى لديسمبر 2017 نظرا إلى عدد من العوامل اللوجستية والسياسية. أجلت الحكومة الانتخابات هذه المرة لأن رئيس هيئة الانتخابات استقال هذا الصيف مما عطل عملية الإعداد للانتخابات.

تقول يركس “كنت في تونس لمّا حدث كل ذلك وكان التوتر محسوسا. ومن خلال الحوارات مع الناشطين في المجتمع المدني والمسؤولين الحكوميين أصبح من الواضح لديّ بأن تونس حاليا من مستويات متدنية جدا من الثقة في الحكومة”.

ويظهر الانقسام بين الشعب والحكومة أكثر وضوحا في الشوارع. في سنة 2015 لمّا عرض مشروع قانون المصالحة الاقتصادية لأول مرة حشدت شبكة “مانيش مسامح” عدة آلاف من الناس للتظاهر ضده. قالوا إن ذلك التشريع التف حول مسار العدالة الانتقالية ومن شأنه أن يمنح الحصانة لرجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين المتهمين بالفساد، بينما قال المساندون للمشروع إن القانون سيسمح بعودة الأموال إلى الدولة ويمكّن البلاد من طيّ صفحة الماضي.

يتعيّن على أصدقاء تونس في حوض البحر المتوسط أو عبر الأطلسي أن يبقوا أعينهم على البلد

وترى يركس أن التطورات الأخيرة تكشف أن الحكومة تعطي الأولوية للنجاعة على حساب الديمقراطية، وكما قال إدوارد فيليب، وإن كان بلغة أكثر تفاؤلا من لغة يركس، تفضيل “ما هو مفيد” على “ما هو مبهر”. وتضيف يركس “تتطلب الحيلولة دون حدوث المزيد من التراجع في الإصلاحات ما بعد الثورة تحالفا بين المعارضة السياسية المتشرذمة والمجتمع المدني لمحاربة القوى غير الليبرالية، سواء داخل البلاد أو خارجها”. وستكون الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019 حاسمة في تجاوز الانقسامات، وستوفر فرصة للتونسيين للتعبير عن رغبتهم في التغيير بطريقة ديمقراطية مباشرة.

الدعم الدولي

تمتلك المجموعة الدولية دورا لتلعبه هي الأخرى. أولا، على الولايات المتحدة وأوروبا أن تواصلا دعم المجتمع المدني التونسي، سواء ماليا أو خطابيا، إذ يلعب المجتمع المدني الدور المهم والحاسم في مراقبة الحكومة من خلال النشاطات مثل حضور جلسات البرلمان والإبلاغ عن خطابات كل عضو في البرلمان وسجّلات تصويته على الإنترنت، إضافة إلى تصنيف المسؤولين في ما يخص وعودهم المتعلقة بالسياسات. بالتوازي مع الإعلام يجب أن يواصل المجتمع المدني عن أعمال الحكومة.

ويتعيّن على أصدقاء تونس في حوض البحر المتوسط أو عبر الأطلسي أن يبقوا أعينهم على البلد. فتونس، وكما تشير سارة فوير قد تكون “صغيرة جدا” بالنسبة للبعض، لكنها “تستحق الاهتمام”.

وتضيف “إذا كان الخيار الذي يواجه صانعي السياسة الخارجية غالبا ما يكون بين تخصيص موارد شحيحة للمشاكل الحادة التي تنطوي على عوائد مشكوك فيها أو دعم بيئات أقل خطورة ظاهريا وتقدّم وعدا أكبر على المدى الطويل، فإن تونس هي أكثر من يستحق الاستثمار”.

و”في الوقت الذي تمر فيه بقية المنطقة في حالة من الاضطراب، تبقى تونس نقطة مضيئة في الشرق الأوسط. ويتطلّب الحفاظ على هذا الوضع دعم المجتمع الدولي وإدراكه بأن المكاسب الديمقراطية في تونس لم تتحقق بسهولة ولا هي قريبة من أن تكون مضمونة”، حسب فوير.

وتؤيدها سارة يركس بقولها إن الحكومة التونسية برهنت على أنها شريك أمني واقتصادي موثوق به للولايات المتحدة وأوروبا، وأن بيئتها السياسية والاجتماعية تؤدي إلى زيادة المساعدة المالية، مشيرة إلى أن “الانتقالات الديمقراطية هي بطبيعتها مضطربة وغير مضمونة”، لذلك من مصلحة كل من المنطقة والغرب الحرص على دعم تونس.

6