طريق جمعت الأمازيغي أوغسطين والأندلسي ابن عربي

الفوارق الزمنية والمسافات المكانية، تنمحي أمام القيم الإنسانية الكبرى، والتي تعلن عن نفسها كثقافة تجمع كل الثقافات، وهذا ما جعل القديس أوغسطين الأمازيغي يلتقي مع محي الدين بن عربي ذي المنشأ الأندلسي، رغم الفارق التاريخي وتباعد زاوية الرؤية.
الخميس 2016/08/18
هل هؤلاء هم حقا أحفاد أوغسطين وابن عربي

برزت في شمال أفريقيا، قبل ظهور الإسلام، أسماء لامعة يعتد بها إلى الآن عند المسيحيين، من أمثال سيبريان وترتيليان والقديس أوغسطين الذي يعتبر من بين أكبر فقهاء الديانة المسيحية، وأعمقهم فلسفة وتبصرا إلى يومنا هذا.

وإذا كانت المصادر لا تشكك في أصله الأمازيغي، فإنها كذلك غير مخطئة عندما تركز على روما المسيحية كموطن فكري له. وقد شكلت إسهامات القديس أوغسطين المعرفية العديدة، مثل «مدينة الله» و«اعترافات»، حلقات مضيئة في التراث والآداب المسيحية التي لا يستغنى عنها في دوائر الاختصاص.

ولد القديس أوغسطين سنة 354 ميلادي بسوق أهراس (شرق الجزائر) وتوفي سنة 430 ميلادي بمدينة عنابة شمال شرق الجزائر، والمعروفة إلى الآن بالكنيسة التي تحمل اسمه، كما حملت اسمه أيضا زيتونة معمرة، التي مازال الأهالي يتبركون بها إلى الآن في سوق هراس على الحدود التونسية، وقيل إنه كان يتفيّأ تحتها للتأمل والتعبد والكتابة.

ومعلوم أنه لم يعتنق الديانة المسيحية حتى تجاوز الثلاثين من عمره، وكان ذلك بمدينة ميلانو الإيطالية. وقد سبق لسانت أوغسطين أن قضى فترة مهمة من شبابه المضطرب في روما، والتي كانت تستهويه فكريا وثقافيا، لكن ظروف العيش فيها لم تعوض له بما فيه الكفاية الدفء الاجتماعي واعتدال الطقس الأفريقي، يضاف إلى ذلك أسباب تتمثل في تهكمات بعض حساده من الأوساط المسيحية المثقفة، إذ كانوا يعيبون عليه لكنته الأمازيغية، والأخطاء النحوية والأسلوبية في كتاباته اللاتينية. ونظرا لتمكنه من الفلسفة اليونانية، فإن بعضهم كان ينعته متهكما بـ”أرسطو القرطاجيين”، مما كان يكشف بكل وضوح عن وجود مضايقات ذات طابع عنصري تستهدف أوغسطين لكونه أمازيغيا.

ومهما يكن من أمر، فإن القديس أوغسطين جند نفسه عن اقتناع عميق وبكل إخلاص دفاعا عن الديانة المسيحية. إنه لم يكتف بتوسيع أنشطته الرعوية خلال حياته، بل أعطى روحا جديدة للمسيحية، وأضحى بفضل تفانيه وعمق تفكيره مدرسة قائمة الذات، يعتبرها بعض المختصين المعاصرين بمثابة الموروث اللاهوتي الجماعي للغرب المسيحي، وكل مذاهبه قاطبة.

الفاصل الزمني بين محي الدين بن عربي، والقديس أوغسطين، لم يشكل هوة معرفية، بل جسرا يمجد القيم الإنسانية

ما تركه القديس أوغسطين من مؤلفات أثرت على مارتان لوثر (1483 – 1546) وجون كالفن (1509 – 1564) اللذين كانا وراء التيار الإصلاحي الذي هز الكنيسة في القرن السادس عشر، والذي أدى إلى ظهور المذهب البروتستانتي. ومن سخرية الأقدار، أنّ هذا المفكر الأمازيغي اللامع، قد مات محاصرا من طرف القوات الوندالية.. الوندال الذين هربو من بطش الرومان وتحالفوا مع الدوناتيين، وثمة من يقول من المؤرخين، أنّ للوندال فضلا في حماية الكيان الأمازيغي من بطش الرومان.

وبعد قرون، دخل الإسلام شمال أفريقيا، واعتنقته غالبية أبنائها الذين انضموا إلى الجيوش الزاحفة نحو شبه جزيرة إيبيريا، أي الأندلس التي سميت باسم الويندال، وتقول مصادر كثيرة إنّ سكان الوندال قد عاملوا الأمازيغ القادمين مع جيوش الغزو الإسلامي معاملة خاصة.. لعلّها تعاطف الذين عانوا من ظلم روما. وشاءت الأقدار أيضا أن يولد محي الدين بن عربي (1165 ميلادي) في مكان هو الآن قبو كنيسة سان خوان دي ديوز في مدينة مرسية حيث توجد بقايا محراب، وقد قامت هذه الكنيسة على أهم مسجد ينسب لابن عبديس.

ورغم ذلك، لا توجد لافتة واحدة في إشبيلية تذكرنا بالعلامة ابن عربي الذي عاش في المدينة سبعة وعشرين عاما.. ولعبت كبرى مدن الأندلس دورا مهما في مصير ابن عربي كعلامة للصوفية، وعلى الرغم من الدور الرائد لابن عربي في الصوفية الإسلامية، إلا أن ذكراه كادت تنمحي في أسبانيا.

الشيخ الأكبر محي الدين، بحياته ورحلاته ومؤلفاته، يمثل الإطار الحضاري الواسع للبحر المتوسط، فهو قد ولد في مرسية، وانتهت حياته في أقصى شرق المتوسط في دمشق. وكأنه بهذه الحياة وهذه الرحلات، قد ربط شرق المتوسط بغربه رغم الحروب الطاحنة والخلافات العميقة والأحقاد المتراكمة على مر التاريخ.

الفاصل الزمني بين الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، والقديس أوغسطين، لم يشكل هوّة معرفية، بل جسرا ثقافيا يمجد القيم الإنسانية العليا من خلال رحلتي إيمان مختلفتين، لكنهما تلتقيان، ولعل أبسطها تميز أوغسطين، هذا الأسقف القديس، بحبه الشديد للفقراء حتى أنه كان يبيع أحيانا ما للكنيسة ويوزعه على الفقراء ويحرر به المسجونين، ويكفي أن نذكر بالمقابل، من ذلك، حادثة ابن عربي الشهيرة في منحه القصر الذي أهداه له أحد الحكّام إلى رجل فقير جاء يطرق بابه، ويسأله كسرة خبز.

13