"طريق".. مسلسل لبناني سوري مشترك عن الأمنيات المؤجلة

مسلسل "طريق" يسلط الضوء على عدد من القضايا المحلية اللبنانية كقانون العقارات الجديد، وقضايا التحرش إضافة إلى زمن الوحدة بين مصر وسوريا.
الخميس 2018/08/23
خيارات صعبة لكنها غير مستحيلة
 

قدّم النجمان السوري عابد فهد واللبنانية نادين نسيب نجيم واحدا من بين أفضل الأعمال الدرامية اللبنانية-السورية التي تم عرضها خلال شهر رمضان الماضي، وهو مسلسل “طريق”، حيث أتى السياق الدرامي مليئا بالإثارة والمفاجآت غير المتوقعة أحيانا، أضف إلى ذلك الحضور المتميز لمجموعة من النجوم المخضرمين، ولعل أداء النجمين عابد فهد ونسيب نجيم على وجه خاص في هذا المسلسل مثل واحدا من بين أبرز عوامل نجاحه جماهيريا.

يأخذنا المسلسل اللبناني السوري المشترك “طريق” الذي شارك في كتابته كل من سلام كسيري وفرح شيا وتصدت لإخراجه السورية رشا شربتجي في رحلة درامية تمس الخيارات الصعبة التي نواجهها أحيانا في حياتنا، هذه الخيارات التي نضطر فيها إلى تحكيم عقولنا وتحييد مشاعرنا إلى حين، هو مسلسل عن الصراع النفسي والتحديات الشخصية والحب والرومانسية نجحت المخرجة رشا شربتجي في صوغ ملامحه وجمع أطرافه المتنافرة في سياق واحد.

ويشارك في بطولة المسلسل خلافا للنجمة اللبنانية نادين نسيب نجيم والنجم السوري عابد فهد كل من ختام اللحام ونهلة عقل داوود ووفاء الموصلي وريتا حرب ومجدي مشموشي وأسعد رشدان وزين مكي وجنيد زين الدين.

الخط الرئيسي للعمل يدور حول أميرة (نادين نسيب نجيم) وجابر سلطان (عابد فهد) اللذين يعيشان حياتين مختلفتين ولا تربطهما صلة، غير أن حياتيهما تلك تتقاطعان في لحظة من اللحظات، ليكتب لهما القدر أن يرتبطا معا رغم الاختلافات الكثيرة التي تباعد بينهما.

أميرة محامية شابة تنتمي إلى أسرة متواضعة وتشق طريقها بصعوبة وسط الحياة، وتواجهها العراقيل أينما ذهبت، ففي سبيلها للبحث عن وظيفة على سبيل المثال تقع فريسة في يد محام مخضرم (أسعد رشدان) يحاول التحرش بها، لكنها تواجهه بكل شراسة وتستميت في الدفاع عن نفسها، بل تصر بعد ذلك على مقاضاته رغم معرفتها بعلاقاته الواسعة ونفوذه.

تصر أميرة على أخذ حقها في الوقت الذي تحاول فيه أيضا الدفاع عن بيتها ضد صاحب العقار الذي يحاول إخلاءه بشتى الطرق، وتنجح أميرة في التوصل إلى اتفاق مع صاحب العقار والمشتري وتحصل على تعويض مناسب، لكنها تتعرض لأزمة جديدة بعد أن تقع أختها الصغيرة عبير (زينة مكي) ضحية لحادث سيارة يهدّد حياتها.

تضطر أسرة أميرة إلى إنفاق مبلغ التعويض الذي حصلت عليه نظير علاج الابنة، بل تستدين أيضا لإكمال العلاج، وتجد الأسرة نفسها في مأزق صعب، هنا يتدخل جابر سلطان (عابد فهد) وهو رجل أعمال سوري نزح إلى لبنان بعد الحرب السورية لينشئ سلسلة مطاعم ناجحة فينقذ الأسرة ممّا هي فيه.

جابر سلطان هو رجل غير متعلم لا يجيد القراءة والكتابة، لكنه يتمتع بشهامة ونبل حقيقي، كما يبالغ في ثقته بمن حوله رغم استغلال بعضهم لطيبته وثقته الزائدة للتكسّب من وراء ظهره. وتتزامن أزمة أميرة مع أختها بأزمة سلطان، والذي تعرض أخوه غسان (عبدالهادي الصباغ) للاختطاف من قبل إحدى العصابات الإجرامية، من أجل مساومته على فدية مالية.

وتستطيع أميرة على نحو ما مساعدة جابر في تلك الأزمة عن طريق الصدفة، ما يوطّد العلاقة بينهما أكثر، وفي لحظة ما تقرّر أميرة أن تعرض الزواج من جابر سلطان، وهي خطوة قوبلت بالدهشة من الجميع، لكنها تزيد من إعجاب جابر بتلك الفتاة القوية والممتلئة بالثقة.

وتقرّر أميرة الإقدام على هذه الخطوة رغم عدم حبها لجابر، لكنه يمثل لها الحل الأمثل للخروج من الأزمات التي تتعرض لها، خاصة بعد ضياع كل ما تملك أسرتها في سبيل علاج أختها.

يوافق جابر سلطان على هذا الزواج رغم معرفته المسبقة باختلاف المستوى الثقافي والاجتماعي بينهما، وبالفعل ترتبط أميرة بجابر وتنغمس في عملها متغاضية عن تلك الاختلافات الثقافية التي تنغص عيشها أحيانا. وسرعان ما تتوتر العلاقة بين الزوجين بفعل المؤامرات التي تحيكها خطيبة جابر السابقة رغدة (ريتا حرب)، لكنهما يتصافيان مرة أخرى لقاء بعض التنازلات.

هذا السياق الدرامي الذي يجمع بين أميرة وجابر تتخلله مجموعة من الخيوط الدرامية الأخرى التي تبتعد وتتقاطع مع هذا السياق الرئيسي، كقصة الحب التي تجمع بين أختها والشاب جنيد (جنيد زين الدين) وكذلك العلاقة الشائكة التي تجمع بين جارتها مريم (نهلة عقل داوود) وصاحب العقار.

أما الخيط الدرامي الذي مثل إحدى نقاط الغموض في المسلسل فيتمثل في ذلك السر الذي يخفيه إخوة جابر عنه والمرتبط بوصية الوالدة لأبنائها الثلاثة: جابر وسعاد وسهيل، يظل هذا السر مخفيا، لا نعلم بوجوده إلاّ من خلال أحاديث إخوة جابر الذين يتخوّفون من انكشافه.

صناع المسلسل أكدوا أن أحداثه مستمدة من قصة "الشريدة" لنجيب محفوظ، والحال أنه لا يمت بأي صلة لها

والوحيد الذي لا يعلم بهذا السر المخفي هو جابر، ويظل السؤال المعلق حتى الحلقات الأخيرة من المسلسل يدور حول ذلك الأمر الذي يخفيه إخوة جابر عنه، إلى أن يتم في النهاية فتح الوصية، لنعلم العلاقة المعقدة التي تجمع جابر بإخوته، فالسيدة المتوفاة التي يعتبرها والدته يتضح أنها جدته التي ربته. ولأسباب معقدة أخفى كل من سهيل وسعاد ذلك الأمر عن جابر طوال سنوات، ليكبر معتقدا أنه أخوهم الأصغر، وليس ابن سعاد التي يتعامل معها على أنها أخته الكبرى.. حكاية معقدة تكشف تفاصيلها الحلقات الخمس الأخيرة من المسلسل.

ويتطرق المسلسل أيضا إلى زمن الوحدة بين مصر وسوريا، فوالد جابر هو ضابط مصري فضل البقاء في سوريا بعد الانفصال لارتباطه بسعاد، كما يتم تسليط الضوء كذلك على عدد من القضايا المحلية اللبنانية كقانون العقارات الجديد في لبنان، وقضايا التحرش التي يرتكبها أرباب العمل ضد النساء، وجرائم الشرف.

تفصيلة أخيرة يجب الإشارة إليها هنا، فوفقا لما هو مكتوب على تتر المسلسل، هو عمل مأخوذ عن قصة “الشريدة” للأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، في حين أن “الشريدة” التي كتبها محفوظ في ثلاثينات القرن الماضي ضمن مجموعته القصصية “همس الجنون”، لا تمت أحداثها في الحقيقة بأي صلة للمسلسل، الذي تم استلهامه على ما يبدو من فيلم “الشريدة” للمخرج المصري أشرف فهمي، والذي أنتج في ثمانينات القرن الماضي وقام ببطولته كل من نجلاء فتحي ومحمود ياسين، والذي لا تمت أحداثه أيضا للعمل الأدبي المشار إليه.

16